رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

15

م. حسن الراشد

الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

09 مايو 2026 , 11:10م

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج

وظلامُ الليل له سرج.. حتى يغشاه أبو السرج

بهذين البيتين، يختزل الشاعر حكمة خالدة، فالأزمة ليست نهاية الطريق، بل محطة اختبار يُعاد فيها ترتيب الأولويات، وتنكشف خلالها جاهزية الهياكل المؤسسية وفاعلية القيادات.

لم تعد الأزمات أحداثًا طارئة، بل اختبارات حقيقية لصلابة المؤسسات، إذ تزداد هشاشتها كلما تعمقت التبعية الهيكلية، حتى تتحول إلى نقاط ضعف كامنة لا تظهر إلا عند أول هزة. فالاعتماد على ما لا نملك، مهما بدا مستقرًا، ليس سوى قوة مؤقتة تتبخر عند الشدة. ومن ثم، لا تكون الاستجابة الفاعلة بردود الأفعال، بل بإعادة بناء المنظومات على أسس أكثر صلابة، قوامها توطين القدرات، وتعظيم الاعتماد على الذات، وتحويل الموارد والإمكانات المحلية إلى ركائز تضمن استقلال القرار واستدامته.

وعند الشدائد تسقط كل المظاهر؛ فلا الأرقام، ولا الإنجازات الاستعراضية، ولا حتى ما يُسجل في صفحات موسوعة غينيس للأرقام القياسية، يصمد أمام أول اختبار لا يعترف إلا بالكفاءة والجاهزية. فالأزمة لا تجامل، بل تفرض واقعًا جديدًا يتطلب مراجعة صادقة، ونقدًا ذاتيًا جريئًا، بوصفهما المدخل الحقيقي لتصحيح المسار.

وليس هذا الطرح نظريًا؛ ففي تجربة شركة نيسان، لم يكن التحدي نقص الموارد بقدر ما كان خللًا في الثقافة المؤسسية التي تؤجل الاعتراف بالمشكلة. وكما يشير جاريد دايموند في كتابه "التحول”، فإن نقطة الانعطاف تبدأ بالاعتراف الجريء بالخلل، ثم تحمل المسؤولية، ثم التقييم الصادق دون مواربة، إذ إن جمود الاستجابة هو ما يصنع الفجوات الاستراتيجية.

ومن هذا المنطلق، ومع المعطيات الحاضرة أمامنا اليوم، قد تتحول الأزمة من تحدٍ إلى فرصة نجاح حين تُدار بعقلية قيادية واعية تقوم على ركائز واضحة، أبرزها:

• الرصد والاستشعار المبكر لمواجهة الواقع كما هو، واكتشاف مكامن الخلل قبل تفاقمها.

• تعزيز القدرات التشغيلية عبر تعظيم المحتوى المحلي (Local Content) وتقليل الانكشاف الخارجي بما يضمن استقلال القرار.

• الحسم الاستراتيجي باستثمار لحظة الأزمة لاتخاذ القرارات المؤجلة وكسر الجمود البيروقراطي.

• المعالجة الجذرية التي تؤكد أن تقليص التكاليف، بما فيها تسريح الموظفين، ليس إنجازًا، بل قد يكون مؤشرًا على خلل سابق في التخطيط والتنفيذ.

• توطين الكفاءات، لأن الاعتماد على العمالة الوافدة يخلق انكشافًا استراتيجيًا، بينما تمكين الكفاءات الوطنية، بما فيها الخبرات المتقاعدة كمخزون معرفي، يعزز الاستقرار.

• التحول الرقمي بوصفه رافعة استراتيجية لاستمرارية الأعمال، يعزز مرونة المنظومة ويرفع قدرتها على الاستجابة الفورية للتغيرات.

• إدارة المخاطر تمثل صمام الأمان في أوقات التقلبات، ولم يعد تأصيلها على مستوى المؤسسات خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق التميز والمرونة المؤسسية. ويبدأ ذلك بتقييم دوري شامل يُشخِّص مكامن القصور، ويربطها بالأهداف الاستراتيجية، ثم يُترجم إلى خطط عمل تنفيذية واضحة (Action Plans).

ولا تكتسب هذه الخطط فاعليتها إلا من خلال المحاكاة الميدانية وسيناريوهات إدارة الأزمات، بما يضمن استمرارية الأعمال، ويرفع الجاهزية المؤسسية، ويكشف الثغرات الخفية قبل وقوع الأزمات.

ويكمن جوهر النجاح، والأهم، في مرحلة استخلاص الدروس المستفادة (Lessons Learned)، وتحويلها إلى إجراءات تصحيحية ملزمة تخضع للمتابعة والرقابة المستمرة، بما يضمن عدم تكرارها، ويُمكّن المؤسسات من الخروج من كل تحدٍ وازمة أكثر صلابة وحصانة.

ختامًا، الأزمات لا تُقاس بقسوتها، بل بقدرة من يواجهها على تحويلها إلى لحظة انكشاف وحسم وإنجاز؛ فهي إما أن تُدار بعقلانية ومنهجية تصحيحية فتغدو انطلاقة جديدة نحو النجاح، أو تُترك للتردد فتقود إلى انكسار تتجاوز عواقبه حدود السيطرة.

مساحة إعلانية