رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعواد الثقاب وعلبة الكبريت "الجزيرة" أحرقت نظام مبارك ثورة الإعلام الجديد تصنع التغيير في العالم العربي دول الخليج تحتل المواقع الأولى في استخدام المواقع الاجتماعية سقوط وسائل الإعلام ورموزها الموالية للأنظمة العربية الاستبدادية
حاولوا أن يخرجوا جثة الفيل الكبير من البيت الصغير بعد أن تعفن وانتشرت رائحته النتنة، عن طريق دفنه فى عمود صغير فى الجريدة وكتبوا على شاهد القبر فى عمود الرأى (اعتذار للشعب)، أما فى العالم الافتراضى على موقعهم فى الانترنت فاختاروا له عنوانا اخر (من أجل الشعب)، وهو الأسلوب المشابه الذى استخدموه فى اللعب بالصورة التى تمت فبركتها ليظهر الرئيس وهو يسير أمام الرئيس الأمريكى اوباما لا خلفه كما ظهر فى الصورة الأصل ونشرتها وسائل الإعلام العالمية؟! اعتذرت الأهرام اعرق مؤسسة صحفية عربية عن العمى الذى أصابها فى اندالع ثورة شباب 25 يناير تحت ستار فقدان الرؤية والبصيرة والاتزان! اعتذرت الأهرام عن كل انحياز للنظام الفاسد، وعهدت بأن تنحاز دوما من اليوم وصاعدا إلى مطالب الشعب المشروعة، وأن تظل ضمير هذه الأمة. وفى الختام طالبت أن يصفح عنها أسر الشهداء؟! وبينما تجرأت أقدم الصحف وأشهرها إلى الاعتذار ولو بطريقة مخجلة، إلا أن العشرات بل مئات من الصحف العربية والمحطات الإذاعية والقنوات الفضائية من دول الخليج إلى اليمن وبلاد الشام إلى المغرب العربى والسودان وصولا إلى الجزائر وموريتانيا لم تخجل بعد وتعتذر لا للشعب ولا حتى لنفسها، على الكذب المتواصل والنفاق المستمر وغسل الأدمغة والبروباجندا الذى تمارسه يوميا لخدمة اشد الأنظمة قمعا وتسلطا للفكر والرأى وحقوق الإنسان فى العالم العربي؟!
التحولات الجديدة التى صنعتها ثورة الإعلام الجديد فى المساهمة فى صناعة التغيير فى العالم العربى من خلال انتفاضة الشباب فى تونس ومصر، جعل الإعلام التقليدى الملحق بأجهزة السلطة الشمولية العربية يعيش مرحلة صعبة وحرجة لا يحسد عليها، وهى قد تعصف به وتعجل فى القضاء عليه دون سابق إنذار وخلال مدة زمنية قصيرة؟! لن نتناول التعليق على أزمة الإعلام السلطوى فالضرب فى الميت حرام، ويعتبر إضاعة للوقت والجهد، عوضا عن ذلك سنركز على دور الإعلام الجديد وأدواته الفعالة التغييرية التى اتضحت معالمها بعد ثورة الياسمين التونسية واللوتس المصرية. دراسة الإعلام الاجتماعى فى العالم العربى الأخيرة صادرة عن كلية دبى (2011)، اشارت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعى مثل «فيس بوك» (Facebook) و«تويتر» (Twitter)، ستواصل لعب دورها المهم فى تنظيم الحراك الاجتماعى والمدنى فى العالم العربي، بخاصة لدى شريحة الشباب. وبينت الدراسة أن نمو استخدام مواقع التواصل الاجتماعى فى العالم العربى بلغ بنسبة 78 ? خلال العام الماضي. وكشفت أن «تنامى العدد الإجمالى لمستخدمى موقع «فيس بوك» فى العالم العربى بنسبة من 11،9 مليون مستخدم فى يناير 2010 إلى 21،3 مليون فى ديسمبر من العام نفسه». وذكرت أن الشباب يمثلون 75 بالمائة من مستخدمى «فيسبوك» فى الدول العربية. وجاءت دولة الإمارات فى المرتبة الأولى بين دول العالم العربى من حيث استخدام «فيس بوك»، حيث يمتلك 45 بالمائة من سكانها حسابات على الموقع. كما سيطرت منطقة الخليج العربى السعودية والكويت، البحرين، عمان، وقطر على المواقع الخمسة الأولى فى العالم العربى فيما يخص مستخدمى موقع فيس بوك قياساً إلى عدد سكانها وكان لبنان الاستثناء العربى الوحيد.
لقد بينت الأحداث التى شهدتها كل من تونس ومصر دليلا واضحا على قوة وسائل التواصل الاجتماعى فى تنظيم الحركات الاجتماعية فى العالم. واستطاعت هذه المواقع الوصول إلى شريحة جماهيرية واسعة من الشباب فى عدد من بلدان العالم العربي، فهناك ما يقارب 225 مليوناً من العرب تحت سن الثلاثين. وفى خلال الأحداث الأخيرة التى شهدتها مصر منذ 25 يناير الماضى برز دور الذى لعبه موقع «فيس بوك» على سطح الأحداث، إذ انه كان إحدى أدوات الاتصال الرئيسية بين المتظاهرين، مع موقع «تويتر».. حيث استخدموه لبث دعواتهم للتظاهر، إضافة إلى التنسيق بين المجموعات وتحديد أماكن بداية الفعاليات. وعلى محور مواز، عمل موقع «فيس بوك» كواجهة إعلامية بديلة، يتابع من خلالها الشباب كل ما يحدث من تطورات على ساحة الأحداث، بعد أن فقد هؤلاء الشباب ثقتهم فى مصداقية الإعلام الرسمي، الذى كان ينقل صورة «حكومية» مخففة للأحداث أو للإعلام الفضائى الخاص. لقد قامت العديد من القنوات والمواقع الإخبارية ووكالات الأنباء والمحطات التلفزيونية الإخبارية العربية والعالمية بنقل معلوماتها من المواقع الاجتماعية كما جاء فى تقرير صحيفة الشرق الأوسط. الكاتبة اريانا هفنغتون ورئيسة تحرير الهفنغتون بوست تؤمن أن الحال تغيير فى العالم العربي، فهناك أثر كبير للتكنولوجيا والشبكات الاجتماعية فى تعزيز ثقافة السلام فى الشرق الأوسط بعد أن كان يستغلها الإرهابيون لتنفيذ أجندتهم السياسية والفكرية المتطرفة.
الإعلام الفضائى الإخبارى العربى تعلم الدرس جيدا واتخذ موقفا مساندا لنبض الشارع، وابتعد بشكل قطعى عن الوقوع فى مستنقع الوحل الذى يعيش فيه الإعلام السلطوى الخاضع للأنظمة الاستبدادية. وهو بدوره قام بتفعيل دور الإعلام الاجتماعى وصحافة المواطن من خلال إنشاء مواقع افتراضية له على الشبكة الاجتماعية وفى الأزمة الأخيرة استحداث صفحات على موقعه الخاص وفى نشراته الإخبارية ينقل الصور والفيديوهات التى تم أخذها من مواقع الأحداث مباشرة. محطة الجزيرة كانت الرائدة فى الحدث من خلال خدمة (شارك) التى نقلت شهادات حية من أرض الواقع من خلال تفعيل الكثير من الخدمات التفاعلية من استقبال المكالمات المباشرة الحية من موقع الأحداث، ورسائل الهاتف الجوال وكاميرا الفيديو التابع له، وتفعيل أدوات المواقع عبر الشبكات الاجتماعية كالفيس بوك وتويتر واليوتيوب. وهو ما ساعدها أن تكمل تغطيتها رغم إيقاف البث على القمر الصناعي، وإقفال مكتبها، ومنع مراسليها من العمل وحجزهم فى السجون. قناة العربية أطلقت خدمة "أنا أرى" التى واختصت باستقبال وعرض الفيديوهات التى يرسلها القراء، وانهالت الفيديوهات بالآلاف، حيث بلغ عدد ما وصل من فيديوهات ما يقارب 6000 آلاف حسب موقع " العربية.نت". قناة البى بى سى العربية من لندن (BBC Arabic)، والقناة الفرنسية (France24)، عرضتا برامج حية تتناول صوراً ونصوصاً وأشرطة فيديو وتسجيلات أرسلها مراقبون هواة وتم التأكد من صحتها وترجمتها من قبل صحفيى القناة بالغة الانجليزية والفرنسية والعربية. وربما أجمل كلمة عبرت عن مدى قوة التغطية وتأثيرها فى الجماهير جاءت على لسان سيف الإسلام القذافى فى قوله "لن تضحك علينا العربية والجزيرة والبى بى سي" كما هاجم موقع الفيس بوك بالاسم!
أكثر الأحداث سخرية فى المشهد هى الحالة المغايرة التى خلقتها ثورة الإعلام الجديد وساعدت فى تحطيم وسائل الإعلام ورموزها التابعين لسياسة الأنظمة العربية الاستبدادية الشمولية التولتارية، وهى استطاعت" أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، لكنها لن تستطيع أن تخدعهم طوال الوقت"، والتى كانت تعيش فى عالم آخر (ارضى) غير عالمنا (الفضائي)، وحاولت بكل أدواتها ورموزها من قبيل السخرية والتهكم والهجوم فى الوقوف فى وجه التغيير وكسر إرادته والتقليل من حجم التأثير والانتشار والفعل الذى تقوم به وسائل الإعلام الجديدة، واضطرت فى النهاية لان ترضخ وتستسلم لكنها فى تقديرى لم تفهم وتستوعب الدرس بعد؟! لقد عادت بى الذاكرة إلى حادثة مشابهة عندما زار الرئيس المصرى السابق محطة الجزيرة فى الدوحة وقال معلقا على مبنى الجزيرة الصغير المتواضع جدا حينها بسخرية لاذعة "كل ده يطلع من علبة الكبريت دي؟ مقارنة بحجم مبنى الإذاعة والتلفزيون المصرى الرسمي! وتدور العجلة بعدها بما يتجاوز العقد من الزمن، لتقوم "أعواد الثقاب" التى اشتعلت من تغطية "علبة الكبريت" لتحرق نظام مبارك ووسائل الإعلام الموالية للأنظمة الديكتاتورية فى العالم العربي؟!.
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8934
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4851
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4167
| 23 سبتمبر 2026