رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في إطار التحضير لمشروع ثقافي يهم العمل التطوعي والمبادرات الشبابية أشارك فيه سألت شابّا متميّزا في هذا المجال، عن الجانب الذي سيركّز عليه مستقبلا، بعد خوضه تجربة ثريّة ومتنوعة في هذا المجال امتدت قرابة عشر سنوات، فقال لي إنه يريد أن ينقل عصارة خبراته المتراكمة إلى المستجدين في هذا المجال، من خلال التدريب ووضع الأدلّة الخاصة بذلك، خصوصا أن هذا المجال لا يزال بكرا فتيا في عالمنا العربي، وربط هذا التفكير الذي يستحوذ عليه بمهارة توافرت لديه ألا وهي نقل وتوصيل المعلومات، والقدرة على إيضاحها للغير بيسر وسهولة، وحبّه للتدريس، معتبرا أنّ ذلك بالإضافة إلى كونه واجبا شرعيا وأخلاقيا ووطنيا، يعدّ اختصارا للوقت والجهد والتكاليف، فما تحصّلَ عليه في سنوات يمكن أن ينقله للمستجدّين في هذا المضمار بزمن قليل (عدة دورات ومناهج نظريّة وأدلة عمليّة).
التفكير الناضج للشاب أثار في ذهني موضوع التقصير الواقع في نقل الخبرات والمعارف، خصوصا في المجالات الجديدة والموضوعات العمليّة الحديثة، التي تندرج في إطار الفنون كالإدارة والإعلام وتقنيات الاتصال والتواصل والتربية والدبلوماسية وغيرها، واندثار كثير من الخبرات الكبيرة بموت أصحابها، سواء أكان عدم الانتقال الذي نشير إليه بسبب بخل أصحابها، وحرصهم على الاستئثار بها لتبقى فوائدها المختلفة حكرا عليهم فقط، أو على أولادهم والدائرة الضيقة المقرّبة منهم في أحسن الأحوال، أو بسبب كثرة مشاغلهم، أوغفلتهم عن هذا الأمر أو زهدهم بما عندهم، أو كان عدم الانتقال نتيجة تقصير من حولهم، وزهدهم بخبرة هذه الشخصيات، وعدم إظهار رغبتهم وحرصهم على التحصل عليها بالوسائل المتاحة، أو تهيئة المناخات الملائمة لهذه العملية.
في العمل التطوعي الخليجي والعربي يذكر اسم الدكتور عبد الرحمن السميط رحمه الله تعالى الذي توفي قبل أقل من ثلاثة أعوام، كواحد من أعلام هذا المجال، الذي يحفل سجله بإنجازات إنسانية ضخمة في القارة الإفريقية.. فهل تمّ استخلاص تجربته مِن قبل مَن هم حوله، ممن يعتبرونه بمثابة مدرسة أو أستاذ كبير على الأقل؟!.. أتوقع أن تكون الإجابة بالنفي على الأرجح.
ولعلّي من هذا المنبر أوجّه دعوة خالصة للطرفين أصحاب الخبرات المتميزة والممتدة من جهة، والأجيال والمؤسسات العلمية والإعلامية والشبابية ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة المحيطة بهم من جهة أخرى، لإيلاء هذا الموضوع أهمية خاصة، والقيام بما ينبغي القيام به كيلا تضيع كنوز مهمة، وتنطمر دون فائدة، فيما كان بالإمكان أن تعود بالنفع والخير العميم على المجتمعات والأوطان والأجيال، ويكون لها دور ذو بال في نهضتها وتنميتها والارتقاء بها.
ونذكّر بأنّ نقل الخبرات يكون بطرق متعددة، فمن طرف صاحبها يمكن أن يتمّ ذلك بكتابة المذكّرات والسِيَر، التي تتضمن المعارف وطرق تحصيلها، أو من خلال التدريب في الورش والدبلومات العلميّة والمهنيّة المتخصصة، وتخصيص كراسي متخصصة في الجامعات والمراكز العلميّة والبحثيّة، وعلى أصحاب هذه الخبرات ألا يتكتّموا على ما حباهم الله به، لأن هذا واجب شرعي ووطني وأخلاقي، وفضلا عن ذلك هو بركة وسعادة في حياتهم وصدقة جارية بعد مماتهم، وألا يتقاعسوا عن هذا الواجب أو يزهدوا فيه وبأهميته، مهما كانت الدواعي والشواغل، وعليهم أن يستحضروا الدور التنموي المرجو من هذا العمل الجليل.
ومن طرف الآخرين المحيطين بأصحاب الخبرات فإن هذا يتم من خلال التواصل مع هذه الشخصيات وإشعارهم بأهمية ما لديهم، وحرصهم على استلهام تجاربهم والإفادة من خبراتهم، ويكون ذلك من خلال طرائق مختلفة منها: المصاحبة والتلقي المباشر، وتنظيم حلقات المحاضرات والورش لهذه الشخصيات، وحشد الناس للاستماع إليها، وتسجيل ذكرياتهم وعرضها في القنوات الإذاعية والتلفزيونية كبرنامج "شاهد على العصر" في قناة الجزيرة، أو من خلال قناة اليوتيوب وغيرها.
المعارف والخبرات بضاعة ثمينة، وكنوز عظيمة على مجتمعاتنا أفرادا وحكومات ومنظمات رسمية وأهلية أن تقدرها حقّ قدرها، وعليها وعلينا أن نتذكر حديث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا..).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1905
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
807
| 03 مايو 2026