رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

528

د. عبد الله النعمة

نَفرَحُ بالشهادات.. ونَسألُ عن الإنسان

09 يونيو 2026 , 11:12م

في الأسبوعَين الأخيرَين، عاشت ديارُنا في قطرَ أياماً تَغمرُ القلبَ غَمراً. احتفلت جامعاتُنا — كجامعة قطر، وجامعة حمد بن خليفة، ومعهد الدوحة للدراسات العليا، وجامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا، وغيرها من صروحنا التعليمية — بتخريج دفعاتٍ جديدةٍ من حملة البكالوريوس والشهادات العليا. تلألأت القاعاتُ بأرواب الخريجين، وكتمَ الآباءُ دموعَ الفرح، وأطلقت الأمهاتُ زغاريدَ الإنجاز، واتّسعت الصدورُ لأملٍ يفوقُ أيَّ شهادة. مشهدٌ يُثلِجُ الخاطر، ويُريك زاويةً مضيئةً من تطوّر بلادنا، وأحدَ المقاييس الحقيقية للنهضة الحضارية. الحمدُ لله على ما بَلَغناه، والشكرُ لأهلنا الذين سَهِروا حتى وصلَ أبناؤهم إلى هذه الليالي.

وفي خِضَمّ هذا الفرح، يَتسلّلُ إلى الصدر هادئ؛ عتابُ المُحِبّ لا المنتقِد، وعتابُ من يَرى بلادَه أكبرَ مما تُقدِّم له اليوم. لسنا نَنظرُ من الخارج، فنحنُ أبناءُ هذه التجربة وشركاءُ مسيرتها، ومن أحبَّ شيئاً تَجَرّأ على مساءلته. ولعلَّ السؤالَ الذي لم نَجرؤ على طَرحه في حَفل التخرج هو: لأيّ إنسانٍ نُخرِّج هؤلاء؟

أوّلُ ما يُؤرّقنا حَيرةُ البوصلة. نحن في هذه الأمة نَحملُ أثقالاً ثلاثة لا يَحملها سوانا في آنٍ واحد: ثِقلَ سؤالِ الوحي والعقل، وثِقلَ سؤال الأصالة والحداثة، وثِقلَ سؤال الفرد والجماعة. وكلُّ تعليمٍ يَتجاهلها يَظنُّ نفسَه محايداً وما هو بمحايد. نَدخلُ قاعاتِنا فنُدَرِّسُ علوماً وافدةً بمناهجَ وافدةٍ لأرواحٍ نابتةٍ من تُربةِ هذه الأرض. ثم نَستغرِبُ حين يَخرجُ أبناؤنا وقد أتقنوا الأدواتِ، ولا يَدرون لماذا يَستخدمونها.

أين السؤالُ الذي يَجمعُ بين ما وَرِثناه وما نريد أن نُورِّثَه؟ يَخرجُ خرّيجُنا فيُحسنُ التعاملَ مع العالم، ولا يُحسنُ الإجابةَ حين يَسألُه ولدُه يوماً: مَن نحن؟

ويَلي ذلك ما هو أوجَع: هَوَسُ الشهادات وفراغُها من معناها. لطالَما كان العلمُ غايةً تُنيرُ حياتنا، وقيمةً مقدّسةً يُسعى للظفر بها ولو في أقاصي الأرض. فمتى تَحوّلت الجامعةُ من مَحضنٍ للفكر إلى مصنعٍ للأوراق؟ ولماذا تَكثُرُ في ديارنا الشهاداتُ — بكالوريوس، وماجستير، ودكتوراه — بينما تَشكو ميادينُ العمل من شُحّ الكفاءة الحقيقية ونستورد الخبراء؟

ثم تلك المأساةُ الصامتة التي نُسمّيها هِجرةَ العقول الداخلية: لا نَخسرُ عقولَنا إلى الخارج فحسب، بل نَخسرُها من المختبَر إلى المكتب. تَستثمرُ الدولةُ الملايينَ في صناعة عالِم ذرّةٍ أو خبير اقتصادٍ أو طبيب، فيعودُ ليُمارس توقيعاً وحضوراً وانصرافاً. وكأنّ النظامَ يَدفعُ لعالِمنا لكي يَترُكَ عِلمَه: فالبَدَلُ الإداري يَفوقُ مكافأةَ بحثٍ رصينٍ استغرق عاماً، وصدرُ المجلس مربوطٌ بالمنصب لا بالرُّتبة العلمية.

ومعَ ذلك كلِّه، فنحن — والحمدُ لله — في قطر نَملكُ ما لا يَملكه سوانا: إرادةً سياسيةً تُؤمن بالتعليم، ومجتمعاً يَحترمُ العلمَ ويُكرّمُ أهلَه، وموارد وضعَتها العنايةُ بين أيدينا لِنُحسنَ التصرّفَ بها. ولقد رأينا بأمّ أعيُننا كيف انتقلت بلادُنا في عقودٍ معدوداتٍ من رمالها إلى مراتبَ تُحسَد عليها. فإن صنعنا الجامعةَ والمدرسةَ في يومٍ، فلا يُعجزنا أن نَصنعَ فيها سؤالاً وغايةً ومعنى. والخرّيجُ الذي نَنتظره ليس من نال الشهادةَ وحدَها، بل من نالَ معها البوصلةَ. وإنّ يداً وضعَت قطرَ حيث هي اليوم، قادرةٌ — بإذن الله — أن تَضعَ خرّيجَها حيث يستحقُّ أن يكون: إنساناً قبل أن يكون حاملَ شهادة.

اقرأ المزيد

اختصار الكاتب في موقف! اختصار الكاتب في موقف!

في حياتنا الثقافية كثيرا ما اقرأ صفات لبعض الكتاب، تقلل من قدرهم بسبب اقترابهم من السلطة. من الأمثلة... اقرأ المزيد

237

| 01 يوليو 2026

إشارات عن التعليم (2-2) إشارات عن التعليم (2-2)

نواصل الحديث ونستكمل ما بدأنا في هذه المساحة عن التعليم بإشارات وتلميحات وتساؤلات، واللبيب من الإشارة يفهم!. وما... اقرأ المزيد

180

| 01 يوليو 2026

يستمر النابح والمركب يسير يستمر النابح والمركب يسير

نعلم أن منتخبنا القطري قد خرج مبكرا من الأدوار الأولى لمونديال كأس العالم 2026 والذي يقام حاليا في... اقرأ المزيد

159

| 01 يوليو 2026

مساحة إعلانية