رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
البيت يتطلب صيانة مستعجلة، وهذا يتطلب مبلغاً نقدياً، والمعاش التقاعدي وللأسف لا يتبقى منه شيء، وحلاً لهذه المشكلة ذهب صاحبنا للبنك لطلب سلفة على أن يقتطع أقساطها من معاشه التقاعدي الذي يصل إلى نفس البنك شهرياً، البنك وبعد أن عرف أن الشخص من المتقاعدين اعتذر، وبطريقة مهذبة أنه لا يستطيع منح أي نوع من السلف، لأنه وببساطة لا تقبل شركات التأمين القيام بتأمين تلك السلفة، لأن صاحبها من المتقاعدين. فكيف السبيل أمام المتقاعد لحل هذه الأزمة المالية التي تواجهه؟.
بالرجوع لقانون رقم (24) لسنة 2002 بشأن التقاعد والمعاشات وجدنا الحل الأمثل لهذا المتقاعد، ففي المادة (24) ذكر أنه "يجوز للموظف أو العامل المستحق للمعاش، أو صاحب المعاش طلب استبدال مبلغ نقدي بجزء لا يزيد على نصف المعاش، وذلك وفقاً للجدول رقم (2) المرفق بهذا القانون، ويوقف خصم الجزء المستبدل عند وفاة الموظف أو العامل أو صاحب المعاش، ويؤدى في هذه الحالة نصيب المستحقين كاملاً، ولا يجوز للمستحقين استبدال أنصبتهم"، وقام صاحبنا بحساب ما يريد وفقاً للجدول المذكور فطلع أنه يستطيع الاستغناء عن 1000 ريال من معاشه التقاعدي ليتمكن من الحصول على 200 ألف ريال كاستبدال، فذهب للهيئة وطلب إتمام عملية الاستبدال، إلا أن موظفي الهيئة ردوا عليه بأنه لا يمكنهم استبدال أي جزء من المعاش إلا بعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون، علماً أن هذه المادة وكما هو ملاحظ من سياق النص، لم تربط الاستبدال باللائحة التنفيذية، خرج المتقاعد من مبنى الهيئة مكسور الخاطر لأنه لا يستطيع صيانة منزله في بلد عم خيره على سائر بلاد العالم.
إنه لمن العجيب أن اللائحة التنفيذية لم تصدر لقانون تم تطبيقه لأكثر من 18 سنة، فمن هو المسؤول عن هذا؟ وفي بحثي عن هذا الموضوع وجدت أن سمو الأمير الوالد قد أصدر قراره الأميري رقم (31) لسنة 2002، بتشكيل مجلس إدارة الهيئة العامة للتقاعد والمعاشات من سبعة أعضاء، وتمت إضافة عضوين آخرين في وقت لاحق، وكانت مهمة المجلس منحصرة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتهيئة الهيئة العامة للتقاعد والمعاشات لمباشرة الاختصاصات المقررة لها في قانون إنشائها.
ومن اختصاصات المجلس ما يلي: 1. وضع نظام استثمار أموال الصندوق، 2. اقتراح زيادة المعاشات، 3. اقتراح التشريعات المتعلقة بالمعاشات، ولكن هذا المجلس وبدلاً من أن يقوم بممارسة صلاحياته، قام بطلب تعديل العديد من مواد قانون التقاعد، وفي هذا نجد أن أعضاء مجلس الإدارة قد انقسموا فيما بينهم إلى قسمين: قسم أيد التعديلات وهم الأغلبية، وقسم آخر عارض التعديلات وهم الأقلية، وكانت التعديلات على مواد القانون تقر بعد التصويت عليها من قبل المجتمعين، وطبعاً كانت نتيجة التصويت تسجل بالأغلبية، ومن ثم ترفع لمجلس الوزراء الذي يعتمدها، غير مدرك لما يدور في مجلس الإدارة من صراع، ولخطورة التعديلات على القانون قبل تطبيقه، والتي شملت الاستبدال، ومكافأة نهاية الخدمة، وحساب مدة الخدمة، وغيرها من الأمور، احتدم النقاش في المجلس لدرجة أن نائب رئيس المجلس، وعضوا آخر، من المعارضين لإجراء أي تعديل على مواد القانون، قاما بتقديم استقالتهما من المجلس، ومن الهيئة العامة للتقاعد والمعاشات بشكل كامل.
ولقد حذر الخبير الاكتواري مجلس الإدارة، كاتباً في تقريره الأخير، إنه بهذه التعديلات لن يستطيع المجلس وضع لائحة تنفيذية لقانون التقاعد، وفعلاً صدق هذا الخبير، الذي نجده هو أيضاً طلب من المجلس إعفاءه من المشاركة معهم كخبير، وبدأ القانون الذي صدر لضمان حياة كريمة للمواطن في سنواته الأخيرة يفقد هدفه الأساسي.
وفي سنة 2009 صدر المرسوم بقانون رقم (18) لسنة 2009، بإلغاء بعض القوانين، وبه تم إلغاء وجود ما يسمى بمجلس إدارة الهيئة العامة للتقاعد والمعاشات، حاول بعض الخبراء عدة مرات تمرير قانون التقاعد في حلته الجديدة، بمواد أخطر في ضررها من القانون القديم، والحمد لله أن الرسالة بخصوص خطورة الوضع كانت تصل دائماً إلى المسؤولين عن موضوع قانون التقاعد الجديد، والذين هم بدورهم يأمرون بإعادة الدراسة (انظر الشرق 27/3/2011، والشرق 22/1/2012، والشرق 29/4/2012، والشرق 22/9/2013).
إنه لمن المؤسف أن يقوم الخبراء والمستشارون باقتراح ما فيه ضرر على المواطنين، إنه من حق الشعب أن يقوم هؤلاء، الذين يستلمون رواتبهم وامتيازاتهم من أموال الشعب، بمراعاة مصلحة هذا الشعب بتبني المشاريع والقوانين التي لا تنقص من حقوقهم.
وفي الختام نقول: إن عدم وجود لائحة تنفيذية، مع عدم تفعيل المحكمة الدستورية، وبخاصة في ظل وجود تضارب بين قانون الموارد البشرية وقانون التقاعد، فإن ذلك قد أدى إلى فراغ تشريعي وقانوني، وهو الذي قاد لتعطيل القانون، وحال بين المتقاعدين وحصولهم على حقوقهم، وهذا يفسر الأسباب التي على أساسها تم تعطيل تنفيذ الأحكام التي صدرت لصالح المتقاعدين، ومع معرفتي اليقينية بأن اللائحة التنفيذية ما هي إلا أداة لتفسير القانون، وبهذا فالقانون هو الأصل وهو أقوى ومن الواجب إتباعه سواء صدرت اللائحة التنفيذية أو لم تصدر، ولكن إذا كان ذلك سيستمر لهضم حقوق المواطنين، وأن إصدار قانون التقاعد الجديد سوف يتأخر، فإنه لزاماً على الجهات التشريعية العمل على إصدار لائحة تنفيذية للقانون القديم، على الأقل بشكل مؤقت، حتى لا يدخل المتقاعد في أزمات عديدة، وبخاصة المادية منها، بسبب عدم وجود صيغة تفسر مواد القانون المختلفة.. والله من وراء القصد.
m.kubaisi@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
8700
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
1596
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
861
| 26 فبراير 2026