رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت لبنان مؤخرًا انفجار أجهزة «البيجر» والاتصال اللاسلكي المستخدمة من قبل عناصر حزب الله، مما يثير تساؤلات حول أمان التكنولوجيا القديمة مقارنة بما وصل إليه العالم اليوم من تطور تقني هائل. إن الاعتماد المتزايد على الإنترنت في ربط الأجهزة الإلكترونية، المعروف بظاهرة «إنترنت الأشياء» (IoT)، يعكس تحديات جديدة تلوح في الأفق. ربط الأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والتلفزيونات بالإنترنت يجعلها عرضة لاختراقات سيبرانية تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا.
تعتمد صناعة الشرائح المتقدمة والأجهزة الإلكترونية على توزيع عمليات الإنتاج والتوريد بين دول عدة حول العالم، إذ يتألف كل جهاز من مكونات مصدرها بلدان مختلفة. على سبيل المثال، تحصل الشركات على تصميمات الشرائح من الولايات المتحدة، بينما تُصنع الشرائح الدقيقة والمتقدمة في تايوان. وتوفر شركة ASML الهولندية المعدات اللازمة لتصنيع هذه الشرائح، في حين تقدم اليابان والصين المواد الكيميائية الضرورية. يجري تجميع الجهاز النهائي في بلد مختلف ثم يُشحن عبر شبكات التجارة الدولية.
في ظل هذا التعقيد العالمي لصناعة الأجهزة الرقمية، يبدو أنّ إسرائيل قد استغلّت هذه السلسلة، مستهدفة من خلال جهاز الاستخبارات لديها نقاط الضعف فيها. كما هو معروف، يعتمد عناصر حزب الله على أجهزة البيجر للتواصل، لكونها من الأجهزة الإلكترونية التي تنطوي على مخاطر أقل في ما يتعلّق بالتنصت والتتبع. ومع إدراك إسرائيل لهذه الحقيقة، وقع الانفجار، مما يسلط الضوء على التهديدات الأمنية التي قد تنجم عن الاعتماد على هذه الأجهزة في ظل واقع معقد.
بالعودة قليلاً للوراء، وعندما اجتاحت «شاشة الموت الزرقاء» الحواسيب قبل شهور بسبب تحديث لبرنامج «ويندوز»، ما خلق حالة من الهلع في قطاعات عدّة من الاقتصاد المعولم؛ مما تسبب في توقف العمليات في كثير من المجالات، وحصلت اضطراب في كل شيء تقريباً، من الرحلات الجوية إلى انقطاع بث عدد من المحطات التلفزيونية، ومن البنوك إلى أنظمة الرعاية الصحية. في خضم هذه الفوضى، يساور الشك كل لحظة العديد من المراقبين بشأن احتمال وقوع مثل هذا السيناريو.
ولطالما حذرت تلك الحادثة من ضعف مستوى تعزيز البنية التحتية الرقمية العالمية، خاصة في علاقات الدول والشركات مع مورّدي التكنولوجيا في عالم يزداد اعتماداً على التقنيات الرقمية. إن الاعتماد الكلي على الآخرين، وخصوصا الشركات الكبرى المهيمنة، قد يُشكل خطراً جسيماً. على سبيل المثال، لم يسبق أن تأثرت الصين بعطل في الإنترنت على مستوى عالمي، لأنها لا تعتمد على الشركات الأمريكية المهيمنة على تكنولوجيا المعلومات، بل تستبدلها ببدائل صينية. ومن هنا، يمكن للدول اعتماد استراتيجيات متعددة لمزودي البرمجيات الحيوية، كاستراتيجية أساسية في إدارة المخاطر التكنولوجية.والشيء بالشيء يذكر، تتوازى هذه الأحداث المقلقة مع قصة فيلم «اترك العالم خلفك» (Leave the World Behind) الذي يعرض لنا كيف يمكن أن يتسبب انهيار التكنولوجيا في خلق حالة من الذعر والفوضى. يبدأ الفيلم بانقطاع إشارة الهاتف المحمول وتعطل شبكة الإنترنت، مما يثير قلق الشخصيات ويشعرهم بالعزلة. بينما يتزايد التوتر، تتلقى هذه الشخصيات إشعاراً عبر شاشات التلفاز يُشير إلى حدوث هجوم سيبراني غير معروف المصدر.
عموماً، يستعرض الفيلم كيف يمكن للأنظمة التقنية أن تتداعى فجأة، مما يُبرز المخاوف من الاعتماد الكامل على التكنولوجيا في حياتنا اليومية. هذا السيناريو، الذي يُعتبر خيالًا علميًا، يصبح أكثر واقعية عندما نفكر في الأزمات التي يمكن أن تنجم عن خلل تقني بسيط، كما رأينا في الأحداث العالمية الأخيرة. «اترك العالم خلفك» لا يقدم مجرد ترفيه، بل يدعونا للتأمل في هشاشة بنيتنا التحتية التقنية ومدى استعدادنا لمواجهة الأزمات التي قد تنجم عن الفشل التكنولوجي. إن الرسالة القوية التي يحملها الفيلم، بجانب أحداث حقيقية مثل تلك التي نعيشها، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبلنا في عالم يعتمد بشكل متزايد على الاتصال الرقمي.
كما رأينا في انفجار أجهزة «البيجر» في لبنان، فإن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا القادمة من الخارج يفتح الباب لاحتمالات اختراقات أمنية خطيرة. الأجهزة المنزلية المتصلة بالشبكة، التي أصبحت عرضة للاستغلال، تعكس تحولًا في طبيعة الصراعات السيبرانية. ما كان خيالًا في «اترك العالم خلفك» يمكن أن يصبح حقيقة مرعبة إذا لم نتخذ خطوات لتأمين الأنظمة المعلوماتية التي نستخدمها يوميًا.عود على بدء باتت الحاجة ملحة لرؤية شاملة تعزز من الابتكار في تقنيات الأمن السيبراني، مع الاستثمار في التعليم والتوعية حول أخطار التكنولوجيا الحديثة. فتعزيز التعاون بين الدول والشركات على مستوى الأمن السيبراني سيساعد في بناء أنظمة أكثر أمانًا ومرونة. من خلال توسيع نطاق استراتيجياتنا في الاعتماد على مزودي خدمات متعددة، يمكننا تقليل الاعتماد على جهة واحدة وبالتالي تقليل المخاطر المحتملة.
إنّ تعزيز الدول لمنظوماتها «الأمنية الرقمية» لم يعد ترفاً، بل أحد أهم الضرورات للحفاظ على الأمن بمفهومه الشامل، وذلك مع تصاعد دور الفاعلين وغير الفاعلين من غير الدول في العلاقات الدولية ودخولها مجال الصراع السيبراني. في الختام، يتعين علينا أن نكون مدركين للعالم الذي نعيش فيه، حيث تلعب التكنولوجيا دورًا مركزيًا في حياتنا. فتأمين أنظمتنا وتحسين بنيتنا التحتية الرقمية ليست مجرد خيارات، بل هي ضرورات حتمية لضمان سلامتنا وأمان مجتمعاتنا. يجب أن نعمل معًا، كمجتمعات ودول، لبناء عالم رقمي أكثر أمانًا وموثوقية.
حربٌ مستترة!
داخل جرارٍ زراعيٍّ متآكلٍ بات خارج الخدمة، تعيش المسنّة الفلسطينية فاطمة أبو سعادة مع من تبقى من عائلتها... اقرأ المزيد
117
| 07 يناير 2026
مادورو على السفينة.. القوة الأمريكية بين الشماتة والهيمنة
في التاريخ السياسي الحديث، نادرًا ما كانت الصورة مجرّد صورة، فهي في لحظات التحوّل الكبرى، تتحوّل إلى خطاب... اقرأ المزيد
174
| 07 يناير 2026
حنا السبب
في زمنٍ لم تعد فيه الشوارع أخطر ما يهدد أطفالنا، ولا الغريب المجهول هو العدو الأول، ظهر عدوٌّ... اقرأ المزيد
249
| 07 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
879
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
813
| 07 يناير 2026