رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عائشة ناصر جبر آل ثاني

- كاتبة وباحثة في علم النفس والفلسفة

مساحة إعلانية

مقالات

201

عائشة ناصر جبر آل ثاني

الجمال.. بين العين والوعي!

23 سبتمبر 2026 , 12:47ص

أكلُّ ما يُرى بالعين يُطلَق عليه جميلٌ؟ أم أن العين تمتعن النظر في الأشياء المجردة، فيما يحتاج الجمال إلى شيء آخر كي يتجلى؟ ما الذي يحدّد الجمال وجودياً: الإنسان، أم الطبيعة، أم الوجود المادي؟ وهل يسكن في الأشياء قبل أن نلتفت إليه، أم يولد في تلك اللحظة التي يلتقي فيها العالم بوعينا؟

عَلَّ جوهر هذه الأسئلة يُحلينا إلى بساطة مظهر الزهرة والتأمل في حدودها، أو إلى عزفٍ خلاب يستوقف انتباهنا، لكن التساؤل يبدأ فعلياً من تلك البساطة نفسها. لأننا نعي أن شيئاً ما قد مسَّنا، قبل أن نعرف لماذا! فنقول: «هذا جميل»، كأننا نَصِف صِفة ثابتة في الشيء، ثم نكتشف أن ما يأسِرُنا قد يَعبُر أمام غيرنا بلا أثر، فهل يا تُرى اختلف الشيء، أم اختلفت المسافة التي قطعها إلى الوعي؟

ليس من اليُسر أن نجعل الجمال أسيراً للأشياء ذاتها، ولا أن نحصره في انفعالات الإنسان أيضاً - ذلك أن في الأشياء هنالك ما يستدعي النظر من: تناسق، وإيقاع، وتباين، وتفاصيل تفاجئ حواس الإنسان. بيد أن هذه الخصائص قد لا تصل إلينا منفصلة عن الذاكرة والتجارب الحسية والحياتية، فقد يكون المكان شبه عادي في أعين بعضهم، وجميلًا في أعين البعض الآخر لأن شخصاً عزيزاً قد كان في المكان ذاته. المُفارقة في المعنى الذي أضحى لدينا جزءاً من جماله، ليحيلنا بذلك إلى تساؤلٍ أعمق: أيحوي الجمال بذاته وعياً مُجرّداً؟ لعلّ السؤال الأدق ليس ما إذا كان الجمال يعي بذاته، بل من الأرجح كيف نصبح نحن في حضرته. فلوحة الرسام لا تنظر إلينا بالمعنى الفعلي، لكنها قد تجعلنا نتفطن في دواخلنا ما لم نتفطن إليه سابقاً، وما يبدو لنا نداءً صادراً عنها، قد يكون استجابة تستيقظ فينا حين نجد لتجربةٍ صامتة شكلاً بالإمكان تأملها.

لنتأمل الضوء الذي نعيش في حضوره معظم اليوم، ونُبصر من خلاله الأشياء من غير أن نتوقف دائماً عند جمالِه، ليس لأنه غير جميل، بل لأن الأُلفة قد تحجب ما تكشفه العين، حتى إذا انكسر على زجاج نافذة، أو تسلّل إلى غرفةٍ مظلمة، استوقفنا كأننا نلاحظه للوهلة الأولى، في حين أنه لم يتبدّل «الضوء وحده»؛ بل تبدّلت علاقتنا بكيفية ملاحظته، ولعل جانباً من التجربة الجمالية يبدأ حين نكفّ عن سؤال ما تفعله الأشياء بنا، ونمنحها فرصة الظهور كما لم نعتد رؤيتها من قبل. كما أن ما لا يُدرَك بالحواس ليس بالضرورة غامضاً أو مُبهماً، إن الغموض ليس جميلًا لمجرّد أنه غامض إنما يغدو الغموض إحدى عتبات الجمال حين يفتح بابٌ للتأويل، لا حين يُغلق باب المعنى، فنحن لا ننجذب إلى ما يُحجب عنا كل شيء، بل إلى ما يكشف شيئاً ويترك شيئاً آخر ينتظِرنا. ما تبحثُ عنه، يبحث عنك؟!

عند تلك العتبة، يحاول الإنسان أن يفكّ الرموز الخفية، ويعي بماهية الجمال كتجربة حسية داخلية لينهل من رشفات الجمال ما تعجز العبارة المباشرة عن منحه، وهنا يتفوه المُدرك به وحدة بكلمات تنبض بالشِعرْ، ويحاول أن يرسم الشعور عَبر القلم، لتتجلّى المعاني والرموز بأبهى الصور، كنقش زخارفٍ على الحجر، لغة الشِعر في هذا الحال وعاءً لا متناهي المعنى؛ إن وقعها من خلال النُطقِ رنّان، ففي كلمة «غضاضة» يتعاقب انفتاح الصوت وانقباضه، فنسمع من الكلمة ما لا يختزله تعريفها، وليس اهتزاز الصوت وحده تفسيراً للجمال؛ فبين ما يصل إلى الأذن وما يتحرك في النفس مسافة تُشارك في تشكيلها الذاكرة والسياق والتوقع.

كذلك لا يكفي سكب الألوان على لوح أبيض كي نصفه فناً، تستوقف البعض علاقة الألوان بعضها ببعض، أو طريقة حضور الفراغ بينها، ما وراء حدود فرشاة الفنان ليس دائماً رسالة تنتظر من يفكّ شفرتها، بل تجربة تدعونا إلى المشاركة في تكوين معناها فثمة فراغ مقدّس، لا لأنه محظور على الفهم، بل لأنه يستحق ألّا نملأه بتفسير عجول. لهذا قد تبقى الأعمال الفنية حيّة عبر العصور؛ لا لأنها بيّنت كل شيء، بل لأن في وسع كل لقاء جديد أن يكتشف فيها جانبٌ آخر، كما أن غايتها ليست أن تُفهَم فقط، ولا أن تُستوعَب بوصفها شيئاً «جميلًا» فحسب، بل أن توسّع ما تستطيع رؤية ما وراء ذلك التصور والشعور به.

لذا يمكننا القول إن الجمال في الحقيقة وكيفية بلوغه، لا يعني أن كل جميل صادق، أو أن كل حقيقة جميلة، فقد نُغوَى بالمظهر حتى يُحجَب عنا ما وراءه، وقد تؤذينا الحقيقة قبل أن نستطيع تأمُلها، لكنهما قد يلتقيان حين يزعزعان اعتيادنا ليجعلا العالم جديراً بالسؤال من جديد.

وفي الختام ربما لم يكن إمعاننا في التفكير لمحاولتنا رسم حدود الجمال في الماهيات والأشياء ترفٌا زائدا، بل ربما يكون علامة من علامات البقاء؛ لا بقاء الجسد، بل بقاء القدرة على الدهشة. فنحن لا نسأل عن الجمال لنحدّد ما يستحق النظر فحسب، وإنما لندرك لماذا نود أن نطيل النظر، ولماذا لا يكفينا أن نكون موجودين ما لم نشعر أن لوجودنا معنى؟.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية