رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الرواقية: فلسفة المجتمع القطري في زمن الهجمات

حين يغدو الثبات فلسفة قطرية في زمن الهجمات، فمع مرور الأيام مع محاولة اختراق الصواريخ المعادية سماء الدوحة في رمضان، إنة لمن المُبهج أننا لم نشهد حالة الفوضى والعبث التي كان من المرجح أن تحدث، رأيت أن ثمة شيئا آخر يحدث خلال هذه الفترة، شيئا أعمق من مجرد التحلي بالانضباط واتباع القوانين الصادرة من الجهات الحكومية، ما حدث هو تجلٍّ واضح لواحدة من أعرق الفلسفات في تاريخ الإنسانية ”الرواقية Stoicism“ لم تكن هي مجرد مذهب فلسفي يهدف للمعرفة المجردة فقط، بل هي نهج حياة ولد خلال الاضطرابات السياسية في أثينا على يد مؤسسها زينون عام 300 قبل الميلاد. ترتكز جوهر فلسفة الرواقية على مبدأ راسخ ألا وهو القدرة على الفصل بين ما يقع تحت سيطرتنا كأفراد وبين ما يخرج عنها، والتركيز الكامل على المبدأ الأول مع القبول الواعي للمبدأ الثاني. بالإضافة إلى أنها تدعو إلى العيش بانسجام مع الطبيعة والأهم في مصطلح ”الآباثيا Apatheia“ في الرواقية السيطرة الكاملة على الانفعالات السلبية والمشاعر المربكة لتتحقق الطمأنينة النفسية. هذه المبادئ هي ما جسّده المجتمع في دولة قطر خلال هذه الأزمة، فالهجمات الصاروخية هي بمثابة أحداث خارجة عن نطاق إرادتنا أما الكيفية التي نواجه بها هذه التحديات فهي تعتبر قلب ميدان إرادة الإنسان الحرة، ففي خِضَم هذه العواصف حين تضيق الآفاق بأصوات الانفجارات، يبرز التعلم كأحد أعظم أشكال هذه الإرادة الحرة والمقاومة الإنسانية للميل نحول الثبات. فطالب العِلم في قطر الذي يتابع مسيرته التعليمية عن بُعد وبهدوء بينما تدوي التنبيهات الأمنية في الخارج، هو لا يمارس إلا فعلاً رواقياً خالصاً من الناحية الوظيفية. هذا الالتزام على طلب العلم ليس مجرد التزام أكاديمي، بل هو الوعي بأهمية العزم على الاستمرار وتحويل الانتباة من مساحة العجز التي تفرضها الظروف الخارجية، نحو مساحة الفِعل والسيطرة التي يملكها الفرد. لذا فإن بناء حصون المعرفة داخل الغرف الصغيرة يخلق مسافة آمنة من الفوضى العارمة، ويؤكد المبدأ الرواقي بأن إرادة التعلم أقوى من إرادة الخوف، وأن طلب العلم هو الوسيلة الأقوى لاستكمال النمو الذاتي والمجتمعي رغم الصعاب. لقد أصبحت الرواقية ظاهرة تُلتَمس في المجتمع القطري، وهي تتقاطع بشكل يتسق مع الموروث الإسلامي؛ فالصبر في الإسلام ثبات وبالتالي تعتبر فضيلة نشطة، كما أن التوكل يتوافق تماماً مع المبدأ الرواقي في قبول ما لا نتحكم فيه مع بذل أقصى جهد فيما نملك السيطرة عليه، وهو ما يتردد صداه بوضوح في القيم الخليجية والعربية الراسخة ليتضح بذلك ثبات أهل الدوحة الذي لم يعنِ يوماً عجزاً؛ فكما لم يجلس الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس في قصره المشيد، بل قاد جيوشه وكتب كتاب "تأملات" وسط المعسكرات مُذكراً إياه بالثبات والواجب، لم تتوقف قطر عن الدفاع عن سيادتها ولا عن دبلوماسيتها النشطة. الرواقية هنا هي الطاقة الخفية التي تُحوّل القلق إلى فعل وظيفي إيجابي، وتحول الخوف إلى يقظة للاستمرار في بناء العقول والفِكر للأجيال القادمة التي حتماً ستنتفع بها البلاد يوماً. ختاماً، لربما لا يعرف طالب العِلم الذي يواكب مسيرته اسم "زينون"، ولا تعرف الأم التي تُطمئن أطفالها وسط دوي التنبيهات أن ما تفعله يُسمى في القاموس الفلسفي "الأباثيا الرواقية"، لكن الفلسفة الحقيقية لا تحتاج إلى أسماء أو تنظير، بل تحتاج إلى أفعال وممارسات حية، وما يفعله المجتمع القطري اليوم، في هدوئه وإصراره على مواصلة رحلة التعلم والحياة رغم الهجمات، هو فلسفة رواقية خالصة، وُلدت في أثينا القديمة، وتعيش اليوم واقعاً نابضاً في الدوحة. عائشة ناصر جبر آل ثاني كاتبة وباحثة في علم النفس والفلسفة

474

| 22 مارس 2026

الصمود الاجتماعي في ظل التحولات الخارجية المفاجئة

لوهلة، حين تحولت شاشات الهواتف النقالة إلى مصدر رئيسي لأخبار مفاجئة عاجلة، تراودت حينها على الأذهان أسئلة عدة لم تكن في الحسبان فقد كان من الطبيعي أن يتسلل شعور بالقلق إلى النفس، وذلك لأنه رد فعل إنساني أولي أمام مجهول مغلف بالتهديد في حين أن الأزمات الكبرى ما هي إلا لحظات كاشفة، تجبرنا على الانتقال من وجودنا اليومي المعتاد إلى تأمل أعمق في ذواتنا وفي المجتمع من حولنا، وهنا يتقاطع دور الفلسفة مع علم النفس؛ فالفلسفة تطرح سؤال "المعنى"، في حين يدرس علم النفس كيفية تعاملنا مع هذا السؤال تحت الضغط، وما حدث في الأيام التالية كان أعمق من مجرد رد فعل، بل كان تجسيداً لمعنى وجودي جماعي؛ فبدلاً من أن يتحول القلق إلى هلع، تحول إلى حالة فريدة من اليقظة والثقة، كاشفاً عن معدن الشخصية الحقيقي للمجتمع من مواطنين ومقيمين. ما شهدناه يتجاوز صمود الأفراد ليصبح ظاهرة مجتمعية، وهو ما يُعرف في العلوم الاجتماعية بالصمود الاجتماعي Social Resilience ويُعد عالم الاجتماع دانيال ألدريتش Daniel P. Aldrich من أبرز من تناولوا هذا المفهوم بحيث يرى أن قدرة المجتمع على التعافي من الصدمات لا تعتمد على قوته المادية فحسب، بل على قوة الشبكات الاجتماعية والثقة المتبادلة بين الأفراد. بعبارة أخرى، الصمود هو نتاج مباشر لرأس المال الاجتماعي الذي تم تشكيله وصقله عبر الزمن ليتغذى هذا الصمود الذي رأيناه في دولة قطر على مصادر قوة ملموسة تكونت خلال السنوات الماضية، وأظهرت: أولاً- الثقة العميقة بحكمة القيادة القطرية: فلم تكن حالة الصمود خلال أزمة الحرب نابعة من فراغ، بل ارتكزت على إيمان راسخ بكفاءة وجاهزية مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، بمعنى أن هذه الثقة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات من بناء الدولة والتواصل الشفاف مع كافة أبناء المجتمع لكي تعمل كمرساة نفسية تمنع المجتمع من الانجراف نحو الخوف المفرط، ليذكرنا بذلك درس من التاريخ في العصور الوسطى ففي بغداد عاصمة الخلافة العباسية، لا تكمن قوتها الحقيقية في أسوارها المنيعة فحسب، بل في منظومتها وأساسها المعرفي الذي منحت بغداد صموداً حضارياً فريداً. كذلك الثقة التي أولاها الخلفاء، مثل هارون الرشيد وابنه المأمون، في العلماء والمترجمين والفلاسفة، وتأسيسهم لبيت الحكمة، قد خلق نظاماً معرفياً قوياً ليتضح هنا الايمان بقدرة العقل والعلم على مواجهة التحديات الصعبة مما جعل بغداد قادرة على قيادة نهضة علمية استمرت لعدة قرون إنها الثقة في العقل والمؤسسة المعرفية التي تُشكل حجر الأساس لأي صمود حضاري حقيقي. ثانياً- قوة النسيج الاجتماعي: ففي الأوقات الصعبة لا يواجه الفرد الأزمة وحيداً، بل المجالس العائلية، ومجموعات التواصل الاجتماعي، كلها تحولت إلى شبكات دعم نفسي فوري يتم فيها تبادل الطمأنينة وتوحيد المشاعر ليبين هذا التكاتف تحول القلق الفردي إلى شعور جماعي بالوحدة في مواجهة الظروف الصعبة مؤكداً من خلاله أن قوة المجتمع تكمن في وحدة وترابط أفراده بمختلف أجناسه. من هذا المنطلق لا يمكن أن نغفل مشهداً آخر من مشاهد الصمود ألا وهو ولاء المقيمين على هذه الأرض الطيبة عندما اختار البعض منهم البقاء، ورفضهم لمغادرة البلاد رغم الظروف الطارئة التي تمر بها، ما هو إلا أبلغ تعبير عن الانتماء والرغبة في المشاركة الوجدانية العميقة للوطن إيماناً منهم أن هذا الوطن هو أمنهم، ومستقبله هو مستقبلهم. إنهم جزء لا يتجزأ من قصة الصمود التي ستروى لاحقاً للأجيال القادمة فوجودهم يثري النسيج الاجتماعي القطري للدولة ويؤكد بذلك أن قطر وطنٌ يتسع للجميع. ثالثاً- الهوية الوطنية كدرع نفسي اجتماعي: الأزمات الخارجية غالباً ما تعيد تعريف معنى كلمة "نحن" تمتزج الهوية الوطنية القطرية بالإحساس بالفخر لتراثها واعتزازها بالإنجازات الحديثة الذي يشكل درعا اجتماعيا قويا، لذلك الشعور بالانتماء لقصة نجاح وطنية يمنح الأفراد قاطنيها إحساساً بالمعنى والهدف الذي يتجاوز سلامتهم الشخصية ليحول الدفاع عن الوطن إلى دفاع عن الذات وقيمها. فعلى المستوى النفسي على سبيل المثال، تمنح الهوية الوطنية الفرد شعوراً بمعنى الاستمرارية، لأنه يعي بدوره كونه جزءا من قصة أكبر تتجاوز حياته المحدودة، مما يقلل بذلك من وطأة القلق الوجودي، وأما على المستوى الاجتماعي، فتعمل الهوية المشتركة مثل الغراء الذي يربط الأفراد معاً، فتخلق حالة من "العقل الجمعي" الذي يفكر بهدف مشترك هو حماية الجماعة. في هذه الحالة، يصبح التهديد الخارجي ليس مجرد خطر، بل مناسَبة لإعادة تعريف هذه الرابطة المقدسة. وفي الختام إن الصمود الذي أظهره المواطنون القطريون والمقيمون على أرضها من كافة الجنسيات ليس مجرد رد فعل دفاعي إنما مصدر قوة استراتيجي يجب فهمه بعمق والبناء عليه للمستقبل لأنه يمثل رأس مال اجتماعي ونفسي لا يقل أهمية عن أي ثروة مادية، كما أن دراسة هذه الظاهرة بعمق هو ليس من باب الفخر فقط، بل من أجل إمكانية تحويلها إلى سياسات وبرامج تعزز من هذه المناعة لدى الأجيال القادمة، وذلك لأن الأمم القوية لا تُعرّف بما تمتلكه فقط من ماديات، بل بما تستطيع أن تتحمّله من تغيرات مفاجئة.

492

| 13 مارس 2026

alsharq
من يملك الإعمار

كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...

16032

| 30 مارس 2026

alsharq
لماذا غابت الأسطورة عن الأدب الإسلامي؟

كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...

2964

| 30 مارس 2026

alsharq
وضع النقاط على الحروف

-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...

1968

| 02 أبريل 2026

alsharq
في الأزمات... هل تضغط الموارد البشرية على الموظفين؟

عندما تمر المجتمعات أو الدول بأزمات، لا يعيش...

1731

| 02 أبريل 2026

alsharq
العدو الحقيقي

يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...

1617

| 31 مارس 2026

alsharq
حين نؤجل الفرح… نخسر الكثير

كثير من الناس يعيشون حياتهم وكأن الفرح موعد...

1509

| 02 أبريل 2026

alsharq
من يحاسب الرادار؟

حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...

1365

| 31 مارس 2026

alsharq
اسمعوها مني صريحة

«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...

1362

| 02 أبريل 2026

alsharq
هل نحن بحاجة إلى كل هذه المؤسسات الخيرية في قطر؟

حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...

1296

| 02 أبريل 2026

alsharq
«أحياء عند ربهم».. يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها

- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....

1134

| 30 مارس 2026

alsharq
الإدارة الخضراء.. يولد جيل أخضر

في بيتنا لم تكن تلك العلب تُرمى بسهولة،...

966

| 03 أبريل 2026

alsharq
سجونٌ ناعمة: غواية اليقين !

يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...

924

| 31 مارس 2026

أخبار محلية