رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. دعاء حسني شعبان

مساحة إعلانية

مقالات

15

د. دعاء حسني شعبان

عندما يختلف ميزان الحب

23 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لا يحتاج الابن إلى أن يسمع من والديه «نحن نحب أخاك أكثر» حتى يشعر بالتفرقة. يكفي أن يرى أخاه يُسامَح على خطأ يُعاقَب هو عليه، أو يُمدَح على تصرف حسن لا يحظى هو بالتقدير نفسه حين يفعله. ومع تكرار هذه المواقف، يتسلل إليه سؤال مؤلم: ما الذي ينقصني حتى أحظى بالمكانة نفسها؟

فالابن لا يقيس الحب بالكلمات وحدها، بل بتصرفات والديه وردود أفعالهما تجاهه وتجاه إخوته. يلاحظ مَن يُستمع إليه، ومَن تُحترم مشاعره، ومَن يُسامَح بسهولة، ومَن يُطلب منه دائمًا التفهم والتنازل. ومن هذه التفاصيل قد يُكوّن صورة عن مكانته داخل الأسرة، لا تعكس قيمته الحقيقية، بل ما فهمه من طريقة معاملته.

وهنا يبدأ الأثر النفسي الأعمق للتفرقة؛ فقد لا يقتصر الأمر على الشعور بالظلم، بل يمتد إلى الطريقة التي يرى بها الابن نفسه. فقد يترسخ لديه شعور بأنه أقل استحقاقًا، فيُرهق نفسه بمحاولة إثبات كفاءته أمام الآخرين، أو يضع رغباتهم قبل رغباته خشية أن يخسر قبولهم.

 وقد يحقق نجاحًا ومكانة مرموقة، بينما يظل في داخله ذلك الابن الذي يتساءل: هل أنا كافٍ؟ وربما يصبح نجاحه وسيلة لانتزاع تقدير طال انتظاره، بدلًا من أن يكون مصدرًا للرضا عن نفسه.

وفي المقابل، قد يتلقى الابن الأكثر تفضيلًا رسالة مختلفة؛ فعندما تُبرَّر أخطاؤه، وتُلبَّى رغباته، ويُطلب من إخوته التنازل لإرضائه، قد ينمو لديه شعور بالاستحقاق المفرط، ونزعة أنانية تجعله يتوقع من الآخرين تقديم رغباته على احتياجاتهم. وهكذا قد تسهم المعاملة نفسها في تشكيل تصورين مختلفين: ابن يشك في استحقاقه، وآخر يبالغ فيه.

وليس العدل أن يحصل الأبناء على الأشياء نفسها دائمًا؛ فاحتياجاتهم وظروفهم تختلف. لكن هناك فرقًا بين اهتمام إضافي تفرضه الحاجة، وتفضيل متكرر يشعر معه أحد الأبناء بأنه يأتي دائمًا في المرتبة الثانية. فالإنصاف لا يظهر في توزيع الأشياء فحسب، بل في طريقة الاستماع، و تقدير المشاعر، والاحتواء.

وقد لا يدرك الوالدان أثر تصرفاتهما؛ فهما يؤكدان حبهما لجميع الأبناء بالتساوي، بينما تحمل معاملتهما رسائل مختلفة. لذلك، حين يسأل أحد الأبناء: «لماذا تعاملونه أفضل مني؟»، لا تتعجلوا اتهامه بالغيرة أو العقوق، بل تأملوا ما الذي دفعه إلى هذا الشعور.

فالتفرقة لا تعني دائمًا أن أحد الأبناء محبوب أكثر، لكنها قد تجعل ابنًا يكبر معتقدًا أنه يستحق حبًا أقل.

مساحة إعلانية