رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

387

خولة البوعينين

حُرمة نفس !

23 ديسمبر 2025 , 02:34ص

من اللافت جدًا أن يكون المرء أنيساً منسجماً، طيّب المعشر، يألف الناس ويألفونه، غير متكلف في خلقه ومسلكه، متواضعاً، ليّن القول، خفيض الجانب. فهذا مما يدني الناس منه، ويذلل الحواجز بينه وبينهم، وتجعل من حضوره واحة راحة وطمأنينة، دون كلفة أو أي تصنع مبذول أو مجاملة زائفة، فكما يُقال: (شدة الألفة، تُزيل الكلفة).

ولكن للألفة مقامات، لا يصح معها رفع الكلفة مع أي أحد، فالانغماس في الاتحاد مع الآخرين ألفة وخُلطة، والانفتاح بلا حد قد يُكلّف الإنسان نفسه غالياً، ويفقده بعض وقاره وحرمة نفسه. 

لذا، ليس هناك ما هو أجلّ من أن يحتفظ المرء ببعضه لبعضه، فلا يُريق نفائسه هدراً بلا داعٍ، ولا يعرض نوادره لكل عابر، ولا يُذيع مكنونه إلا لمن أثبت جدارته، فالنفس لها حرمة تُحفظ، ووقار يُصان، وليس كل عابر يستحق الاطلاع على طرائفه النادرة، وجواهره المزجاة بتفاصيل روحه الآسرة !

فالمُهرق دائماً بخسٌ وإن عزّ، والمُتاح أبداً يفقد الكثير من بريقه، والمكشوف باستمرار مُبتذل.. وإن كان من باب الألفة ولين العريكة ! 

فالألفة حين لا تُضبط تُبدّد شيئًا من نفس المرء، ومتى أدرك ذلك يبدأ التحوّل، إذ يُدرك أن كثرة الإتاحة تُفرغ المعنى، ويعي أن صيانة النفس شرط لصيانة القلب. فكما لا تُراق النفائس بلا داعٍ، لا تُنفق المشاعر إلا حيث يكون لها قدرها، فكلما نضج المرء غلت عليه مشاعره، وتثمنت لديه حدوده، فأصبح قلبه نفيساً، عصيّاً لا يدخل إليه أي عابر، ولا يمنح دفئه وحنانه إلا لمن أثبت جدارته. فهو أعلم بمن يؤثر، وأدرى بمن يُدني ويُبعد، يصون حرمته بعزة النفس وأصالة الخلق، مرتفعاً عن كل ما يشين، مرتقياً عن السفاسف، وأما العابرون فلا يكرمهم وقت أساه سوى تغافله عنهم والترّفع عما قد يجر وجدانه للإنفاق من مشاعره العزيزة الكريمة، الأثيرة النادرة !

لحظة إدراك: 

ليس أسمى من أن يصون الإنسان الناضج ألفته وكرامته، ولطفه ووقاره، فتحيا روحه وقلبه في توافق وانسجام، لتحيا علاقاته صفيّة أصيلة في جوهرها، كل لحظة منها نفيسة، وكل قلب يشارك فيها مُقدّر، ولكل نفس فيها لها حرمتها، فلا يلبث أن يكون كريماً في أصله ومنبته، بذله و حدّه. 

مساحة إعلانية