رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مصر يوم 25 يناير تحاول أن تغتسل مما علق بثوب الثورة، ذات حالة الترقب وحالة انعدام مفاتيح الثورة،ذات حالة مصر منذ عام قبل يناير 2011 غير أن نزاعا بينا بين الإسلاميين وبين الشباب من خارجهم، وبين الشباب وباقي التكوينات التي برزت للصدارة بعد الثورة، اتجاهات تنذر بالسوء وأن هناك من يريد أن يحيلها إلى فوضي، وأنهم "هم" ـ الإسلاميون ـ حماة الثورة ورافضي الفوضى، وهم هذه تعود على غير الشباب الذي تعرض للقتل والاغتيال، الشباب الذي يرفع شعار "يسقط حكم العسكر" وهو الشباب الذي يحاولون تشويهه تارة بالبلطجة وتارة أخرى باتهامه بالتمويل من الخارج وأخيرا بالحكم المطلق عليهم بأنهم ليسوا من الثوار.
نشرت جريدة المصري اليوم جملة على لسان منصور حسن رئيس المجلس الاستشاري والذي جاءوا به من غياهب الركون السياسي بعد أن أقاله السادات آخر أيامه منذ 30 عاما، ليصبح هو نبي المرحلة، وكأن الثورة لا تتقدم للأمام ولكنها تعود للخلف بعمق الزمن الذي ثارت عليه، والجملة المنشورة تصف الدعوة إلى الثورة الثانية بأنها "غير أخلاقية"، وكأن حديثه هو عن ضرورة أن يكون الجيش حاسما ضد الشباب وأن يستخدم القوة هو الحديث الأخلاقي، وكأن ظهوره هو على رأس مجلس استشاري للمجلس العسكري هو تصرف أخلاقي وليس تعيشا ومحاولة للحصول على مغانم في مصر بعد الثورة، ولكن الأمر لا يمسه وحده ولكنه يمس تلك النخبة التي اختارها المجلس العسكري لتكون معا المجلس الاستشاري، واختارته هذه النخبة رئيسا لها، أو كما يقول الشباب، أنه تصرف في شأن الثورة بذات الفكر الذي أرادت الثورة أن تتخلص منه لتضع منهاجا جديدا للتغيير.
قي الوقت ذاته، كانت تصدح قناة الرحمة بأحاديث الفرز والوعيد والإيمان الملزم للصمت، وتحدث من لقبوه بأمين الثورة، أن الشباب الإسلامي الذي يتبع المتحدثون على قناة المحور سيؤمن الميدان، بعد أن يفرغه ممن فيه، وأنهم هم الثوار ومن عداهم أدعياء، وأن برلمان الثورة ودستور سيكتبونه ورئيسا سيختارونه هو الثورة، وما عداهم فهو غير شرعي، أما هدف الثورة "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" هو رجس من عمل الشيطان، وهؤلاء الذين يحملون المباخر والأختام معا هم ذاتهم الذين صمتوا على شهداء الثورة الفترة الماضية، وهم الذين يتيحون العمرات والحج بأعداد بالمئات هدايا للثوار، وهم ذاتهم الذين أدانوا الفتاة المسحولة على الأسفلت لأنها لم تكن ترتدي شيئا تحت العباءة، وتركوا من سحلها وقضوا بأنها ليست منهم، هم من لاموا المقتول والمسحول وادعوا عليهم بما ليس فيهم، وأكلت القطط ألسنتهم طوال أشهر المطالبة بتحقيق الثورة، وأهدافها.
وثالث المقدمات جريمة خطيرة نشرتها بوابة الأهرام الإلكترونية يوم الأحد الساعة 12:50 بأن مجهولين اغتالوا الناشط السياسي محمد جمال عضو ائتلاف لجان الدفاع عن الثورة في حوالي الرابعة فجرًا في ظروف غامضة، حيث تم ذبحه بسلاح حاد خلف دار القضاء العالي أثناء تواجده أمام مكتب النائب العام مع مجموعة من زملائه المعتصمين، الذين يطالبون بتطهير القضاء، وسط ذهول القضاة المعتصمين.
هذه المشاهد الثلاثة تزيد الأمر غموضا عما يمكن أن يحدث، خاصة أن شباب مصر يكاد يكون في مسيرات وتحركات للحشد استغرقت الشهر الماضي كله، ويضاف إلى ذلك حالة التوتر التي أصابت أساطيل النقل البري نتيجة أزمة الوقود، ووصل الأمر بالسائقين إلى إغلاق المحاور المحيطة بالقاهرة بإلقاء حمولات من الرمال والحجارة على تلك المحاور، ويطالبون بتخفيض أسعار الوقود وليس فقط عدم زيادتها.
فمن هو مصدر الخطر الحقيقي على مصر، وعلى الثورة؟
هذه هي بدايات برلمان يطلقون عليه برلمان الثورة، "غير أخلاقية" ووعيد للشباب من قناة تتحدث بلسان وشكل ديني، وذبيح على أعتاب دار القضاء العالي، وطوابير البنزين والسولار وقطع الطرق، والهتاف لا لحكم العسكر، بدايات عمدها نعيق الغربان.
من يدير الدفة الآن؟ وأين هي إرادة الثورة؟
قالت الأستاذة سها السباعي إن الأزمة هي "أزمة إرادة وأزمة إدارة".
واتفق معها، ولكنها ذات الأزمة لدى طرفي المعادلة، هي ذاتها لدى قوى شباب الثورة ولدى القوى المواجهة له.
الإرادات رغم تباينها إلا أنها في جانب الثورة تملك "لا"، وعندما تضع البديل تتفق وقوى الثورة المضادة، بل وتتعايش معهم، لأن الشعب خارج المعادلة.
والإرادة على الجانب الآخر ترفع ذات الشعارات التي تتحدث بها قوى الثورة تفصيلا، ولكنها تقتل الثورة وتصفي دم الثوار.
لقد خرج كلا الطرفان إلى ساحة القتال دون قوة الحسم الرئيسية طوال الأشهر الماضية، وهي القوى الشعبية صاحبة المصلحة.
وترصد عين الصقر أن 27 مليونا خرجوا لانتخابات المجلس النيابي، وأن شبابا من شباب الثورة حصل على بعض المقاعد، وأنهم كانوا بحالة السيولة التنظيمية يواجهون التنظيمات الدينية وحدهم، وحديث الدين صار بوابة تجميد حركة التغيير بل الأخطر أنه صار البوابة الخضراء للرؤى الأمريكية، بعد أن كشف تقريرا صحفيا نشره رئيس تحرير جريدة الفجر المصرية عن اللقاء المنتظر بين رجل الإخوان القوي "خيرت الشاطر" ـ الذي أفرج عنه المجلس العسكري من سجنه لأسباب "صحية" بعد الثورة ـ وبين الإدارة الأمريكية، كما كان قد نشر من قبل تقريرا تم نفيه في عجالة عن لقاء بين ذات الشخص والمجلس العسكري منذ ثلاثة أشهر، وهذا كله يوضح ما الذي أنتجته بالفعل الفترة الانتقالية التي قاربت العام.
بعد اغتيال السادات ووصول مبارك إلى السلطة، خرجت أقوال جديدة أنه يجب منح الرجل فرصة لأن الظروف حساسة وهي ذات المقولة التي تتردد الآن أنه بعد الغياب لنظام مبارك من الواجب أن نترك الفرصة للتنظيمات الدينية التي لم يؤسسها حسن البنا كما يقولون ولكن أسس أوعية تكوين عناصرها الحالية وبأوامر من أنور السادات كل من محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان، وهو الجيل الذي تكون في رحم السبعينيات ويتصدى اليوم للقيادة، وتغييبا لحقائق زمن التكوين الجديد وممارساتهم خلاله، يجري الحديث عن فرصة جديدة لهم، دون أن يتحدث أحد عما يعرضون من رؤية أو تصور يتسق ومطالب الثورة، حتى أن رئيس حزب الحرية والعدالة وأمين الحزب العام قاما بزيارة لرئيس اتحاد الصناعات المصرية صاحب الكويز وربيب جمال مبارك والذي جاء به رشيد محمد رشيد الهارب الآن خارج مصر.
الفرصة التي يطالبون بإتاحتها هي الآن متاحة أمام نظام السادات (منصور حسن وقيادات الإخوان الجديدة) ونظام مبارك (الجنزوري وجهاز الإدارة) وجهاز أمن الدولة الغائب الحاضر (السلفيون)، وبمباركة أمريكية سعودية وبحماية من المجلس العسكري، وكأننا في مصر بعد الثورة نتحرك عكس قوانين المجتمع فبدلا من أن ينتج "الجديد من قلب القديم" الذي يحمل بذور فنائه، صار أمر عجز الساسة والنخب ينتج "القديم من قلب الجديد" وينفيه ليبقى، غير مدركين أن عوامل فنائه مازالت قائمة، وستعمل أثرها مهما قاوموا.
قبل أن نبحث في أمر مجلس الشعب القادم والرئيس والدستور، علينا أن نتساءل من هو الذبيح القادم على أعتاب الثورة من شبابها؟ أليس هذا السؤال يحمل من الواقعية أكثر من أحاديث الفرص المتاحة لخليط أعداء الشعب، رغم الفرص الضائعة من الثورة التي قام بها الشعب؟
كسرت ثورة يناير قيودا لا حدود لها، وتجاوزت كل التنظيمات التي كانت والنخب المترهلة، وليس أدل على ذلك من طبيعة تشكيل مجلس الشعب الجديد، ولكن ما يحاول البعض تجاهله أو هو لا يدركه أنها كسرت معادلات الثورة في العالم، وكسرت الشرنقة التي كانت تحيط خيوطها الحريرية أو الحديدية بدور الشباب، وأن الشباب قد وضع شعارا منهجيا بالإضافة إلى نداء الشعب "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وتمثلها الشعار المنهجي أن خيارات الشباب لا تنضوي تحت المنهج التقليدي الذي يوقع صكوك الولاء حتى الانحناء، وأنه لن يوقع أبدا، وأن كل شيء محل النقاش والتقييم، وعلى ذلك فإن المنهج الذي أنتجه يمكن وضعه تحت عنوان "استمرار الثورة"، سواء كان تجديدا بالتوالي العددي أولى وثانية وثالثة والتي استدعت من القدم من عصر السادات قبل 30 عاما أن يصف المنهج هذا "بغير الأخلاقي" لأنه منهج في الأساس يقضي بنفيه هو وما يمثله ومن أتى به، أو كان معنى الاستمرار هو مسيرة الشهداء المستمرة.
إن محاولة أخرى غير أخلاقية تستبدل المجلس المنتخب بالحركة الشعبية، أو بالميدان، وهنا يبين الاختلاف المنهجي، فبينما هم يرون أنفسهم بديلا عن الحركة، وبالتالي يدخلون الشباب ثلاجة الجلسات ومقاعد اللجان بالمجلس، إلا أنهم لا يستحون أن انعقادهم يتم خلف أسوار تفصلهم عن الشعب بعضها حجري والآخر من الأسلاك الشائكة، وإذا كانت حكومة للوفد جاءت فوق دبابات الجيش البريطاني، وحكومة العراق جاءت فوق دبابات أمريكية، فإن برلمان 2012 جاء من فوهة بنادق اغتالت الشباب وسحلته واعتقلته وحاكمته عسكريا، وكانوا يشيحون بوجههم بعيدا.
وبالقطع سيتساءل أحدهم ثم ماذا بعد؟ والإجابة بسيطة وليس بها أي تعقيد، أن كل ما يلزم لإحداث التغيير الحقيقي واجب أخلاقي قبل أن يكون مهمة للثورة، وأن تلك الصور المتنوعة لإجهاض الثورة هي بالقطع أبواب إلى مزيد من الانفجار والصراع، وبدلا من أن يكون برلمان الثورة هو مصدر الشرعية، سيكون هو رمز الانقلاب على الثورة، وسيكون محط رمي الجمرات.
النور الذي فجرته ثورة يناير لن يستطيع تحالف الانقلاب على الثورة أن يطفئه، بل سيعمي أبصارهم، ويفتح الباب على مصراعيه لجيل جديد سيحقق التغيير الذي يحتاجه الوطن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7221
| 11 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
1467
| 16 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو تشغيلية؛ فبعضها تصنعه القيادة بصمت، عندما تغيّر بسلوكها ثقافة المؤسسة. أحيانًا لا يتغير في المؤسسة سوى اسم المدير، لكن يشعر الموظفون أن كل شيء قد تغير. يتراجع الحوار الصريح، وتختفي المبادرات، ويصبح الحذر سلوكًا يوميًا، ويقدّم الموظفون حماية أنفسهم على أهداف المؤسسة. عندها لا تكون المؤسسة قد خسرت موظفيها بعد، لكنها تبدأ في خسارة أهم أصولها: ثقافتها التنظيمية. لا تُعرف الثقافة التنظيمية بما يُعلّق على الجدران أو يُعلن في الاجتماعات، بل بما يفعله الناس عندما تغيب أعين الإدارة. إنها الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، ويُدار بها الاختلاف، ويُكافأ بها الأداء. ولهذا يؤكد عالم النفس التنظيمي إدغار شاين أن الثقافة لا تصنعها الشعارات، بل السلوك الذي يتكرر حتى يصبح القاعدة غير المكتوبة داخل المؤسسة. فالموظفون لا يحكمون على القيم المعلنة، بل يراقبون من يحصل على التقدير، وما السلوك الذي يُغضّ الطرف عنه، ومن تُفتح له الفرص. ومن هذه الرسائل اليومية تتشكل الثقافة. فإذا كانت القيادة تكافئ الكفاءة، أصبحت الكفاءة هي المعيار. وإذا كانت تكافئ التعاون، ترسخت روح الفريق. أما إذا كانت تمنح اهتمامها لمن ينقل الأخبار عن زملائه، أو يتتبع أخطاءهم، أو يسعى إلى كسب رضا القيادة أكثر من سعيه إلى تطوير العمل، فإنها ترسل رسالة غير معلنة مفادها أن هذا السلوك هو الطريق إلى التقدير. وأخطر ما قد تفعله القيادة هو أن تجعل نقل الأخبار عن الزملاء سلوكًا يحظى بالاهتمام أو المكافأة. فعندما يلاحظ الموظفون أن من يراقب الآخرين أو ينقل أحاديثهم يحظى بالقرب من القيادة، فإنهم يتعلمون سريعًا أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر مراقبة الآخرين. عندها تتآكل الثقة، ويبدأ الموظفون في بناء الحواجز بدلًا من بناء جسور التعاون. ويفسر عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الناس يتبنون السلوك الذي يرونه محل تقدير ومكافأة. لذلك، فإن السلوكيات السلبية لا تنتشر لأنها مكتوبة في اللوائح، بل لأنها تجد من يشجعها، أو يتسامح معها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ظهور ما يُعرف بـ«الدائرة المقرّبة». فقد أوضح الباحثان في القيادة التنظيمية جورج غراين وماري أول-بيين أن تفضيل مجموعة محددة ومنحها فرصًا أو معلومات لا يحصل عليها غيرها يخلق شعورًا بأن العلاقة الشخصية أصبحت أهم من الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تتراجع العدالة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الموظفون في الاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في الأداء. ويتعاظم الضرر عندما تتسع الفجوة بين ما تقوله القيادة وما تمارسه. فقد ترفع شعار العمل الجماعي، بينما تدير المؤسسة من خلال دائرة مغلقة، أو تتحدث عن العدالة، بينما تختلف قراراتها باختلاف الأشخاص. ويشير الباحث في السلوك التنظيمي توني سيمونز إلى أن اتساق القائد بين أقواله وأفعاله هو أساس بناء الثقة، وأن فقدان هذا الاتساق من أسرع الطرق التي تُضعف الثقافة التنظيمية. وتضيف الباحثة في القيادة والسلوك التنظيمي إيمي إدموندسون بُعدًا آخر لهذه الصورة، إذ ترى أن المؤسسات المتميزة هي التي يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي؛ أي بالقدرة على إبداء الرأي، وطرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء دون خوف. أما عندما يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصراحة، فإن المؤسسة لا تخسر الحوار فحسب، بل تخسر التعلم والابتكار أيضًا. وعندما تتولى قيادة جديدة مؤسسة تضررت ثقافتها، تبدأ مهمتها بإعادة بناء الثقة، وترسيخ العدالة، ومكافأة الكفاءة، وتشجيع الحوار. فإصلاح الثقافة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يعيد للموظفين شعورهم بالأمان والانتماء. فالقادة يرحلون، أما الثقافة التي يتركونها خلفهم فهي التي تبقى.
1218
| 16 أغسطس 2026