رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انعقد خلال الأسبوع الماضي (مؤتمر ميونخ) للأمن العالمي في دورته التاسعة والخمسين وكان منبرا لقادة دول الناتو تداولوا فيه على الخطابة ليستشرفوا مصير الحرب الروسية الأوكرانية وكان كل من الرئيس الفرنسي (ماكرون) والمستشار الألماني (شولتز) أقرب هؤلاء القادة الى الاتجاه للمستقبل يستجوبان أحداثه المتوقعة ويقدمان للمؤتمرين رؤيتهما الشخصية لما عساه يكون بعد عام أو خمسة أعوام أو عشرين عاما في القارة الأوروبية وتميزت مداخلات الرجلين بالوضوح لكن مع جرعة ارتباك من هول الحرب وخوف من المجهول. ومن جهتي كمتابع هاو للإستشرافات المستقبلية أستنير دائما بما أعثر عليه من بحوث عربية تتسم بالجدية وتتميز بالطابع الأكاديمي لأنها تمنع التخبط الإيديولوجي الذي هو داء العقل العربي واستفدت جدا هذه الأيام من قراءة كتاب جديد للزميل الدكتور وليد عبد الحي صدر بعنوان (دراسة مستقبلية للعلاقات الدولية: نماذج تطبيقية) وهو باحث أكاديمي متعمق في علمه يصل الى استنتاجات موضوعية في مجال العلاقات الدولية دون الوقوع في مطبات الانحياز الأيديولوجي الذي يحجب الحقائق!
واخترت في هذا المقال أن أستعرض لقرائي الكرام بحثا اشترك في كتابته خبراء عرب هم: ندى غانم وأحمد زكي وأحمد أبو بكر ومحمد الحسين يحمل هذا العنوان (الحروب الأهلية العربية: قراءة استشرافية) يبدأ فيه الأساتذة المحترمون بالتأكيد على أن العالم العربي تظلله ثقافة جامعة (يقصدون طبعا اشتراك الأمة العربية في الدين واللغة وجينات التاريخ وعدم التفكك الجغرافي) ويشيرون الى أهم عوامل التفرقة والشقوق التي يتسلل منها أعداء الأمة لبث الفوضى وزعزعة تلك الوحدة فيكتبون: « إلا أن العديد من بلدان العالم العربي لديها تعددية عرقية ودينية ومذهبية شكلت مبرراً للأنظمة الاستبدادية التي حكمت دولها بالقبضة الأمنية تحت حجة حماية الدولة من التفكك والانهيار».
وكذلك شكل ملف الأقليات مدخلا دائما للتدخلات الأجنبية والضغط السياسي (بدعوى حماية الأقليات والتي لم تشعر أنها أقليات إلا بعد أن نفخ الاستعمار فيها فوارق طبيعية تعايش أهلها مع الأغلبيات في أمن واحترام متبادل طيلة قرون).
ويقدم الباحثون قراءة مختصرة لأسباب ونتائج بعض الحروب الاهلية في العالم العربي أولها في السودان وكذلك محاولة لاستشراف شبح الحرب الأهلية في سوريا.
ففيما يتعلق بالحرب الأهلية السودانية... شهد السودان حرباً أهلية ممتدة خلفت وراءها ما يقرب من المليونين قتيل وبلداً تمت تجزئته مؤخراً إلى دولتين تواجهان خطر الحرب الشاملة. السبب الأول والأهم هو أن السودان بلد متعدد الأعراق والأديان وبعد انتشار الإسلام في شماله أصبح منقسما عرقيا ودينيا وجغرافيا إلى شمال فيه عرب مسلمون وجنوب به أفارقة مسيحيون وخليط من ديانات أخرى وتميز هذا البلد بالتنوع العرقي حيث تكون من حوالي 19 جماعة عرقية مختلفة وحوالى 600 جماعة عرقية فرعية.
ورغم التعدد العرقي للجنوب إلا أنه توحد في مواجهة الشمال الذي يمثل الثقافة العربية الإسلامية حيث رأى الجنوبيون أنفسهم أفارقة بشرتهم سوداء تجمعهم المسيحية كوسيلة لمجابهة الإسلام «رغم عدم اعتناق كل الجنوبيين للمسيحية».
السبب الثاني اقتصادي فالسودان - حسب الدراسة - من أكثر الدول التي تعاني من غياب العدالة الاجتماعية في تقسيم الثروة فالجنوب يعانى من غياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية مقارنة بالشمال الذى استحوذت حكوماته على الحكم وبالتالي على توزيع الثروات وكذلك فإن اكتشاف البترول في الجنوب فترة السبعينيات كان له أثر كبير على تأجج الصراع. السبب الثالث هو الاستعمار ثم الاستقلال بدون توافق فقد عمل الاستعمار البريطاني على تسييس الخلافات الدينية والعرقية وفصل الشمال عن الجنوب وتم تشجيع نشر المسيحية ومنع أي مظاهر عربية أو إسلامية في الجنوب مع العلم أن الفصل (شبه العنصري والإثني) من قبل الاستعمار البريطاني قام بسبب رؤية الجنوب كجزء من المستعمرات الإفريقية بينما الشمال هو جزء من الشرق الأوسط العربي وأيضاً بغاية خلق حاجز بين الشمال والجنوب يعمل على منع الانتشار الإسلامي والخوف من قيام حركات شعبية مقاومة للاحتلال كالثورة المهدية. وتحقق الاستقلال عن بريطانيا في 1956 دون وجود ترتيبات مؤسسية كافية أو وجود توافق وطني بين الشمال والجنوب حول نظام الدولة حيث رأى الجنوبيون أن النظام الفيدرالي هو الحماية الوحيدة لهم من التبعية للشمال ورأى الشماليون أن الفيدرالية هي الخطوة الأولى نحو الانفصال وأن الحكم يجب أن يظل مركزيا.
تجدر الإشارة الى أن نظام الحكم في السودان لم يشهد استقراراً منذ الاستقلال وذلك لتعدد قيام الانقلابات العسكرية مع غياب الديموقراطية الأمر الذي أدى إلى تفاقم الصراعات مع الجنوب وغياب صيغة مقبولة للتشارك في الحكم وكانت الحرب الأهلية الأولى 1955- 1972 حين بدأت شرارة الحرب بين الشمال والجنوب قبيل تحقيق الاستقلال من بريطانيا وفى ظل الخوف من عدم الحصول على حكم ذاتي بيد أن البداية الحقيقية للحرب الأهلية كانت في 1964 بعد اتباع الفريق ابراهيم عبود أول رئيس للسودان برنامجاً لأسلمة وتعريب الجنوب طبقا لاعتقاده أن توحيد السودانيين تحت هوية واحدة هو السبيل لتعزيز وحدة السودان وخلق هوية وطنية.
وحلل الباحثون من جهة ثانية ظاهرة تفكك الدولة السورية وشبح الحرب الأهلية حيث بات مصطلح «الحرب الأهلية» مصطلحاً مفتاحياً حال ذكر الثورة السورية مما يثير التساؤل حول ارتباط الحرب الأهلية بشعب سوري لم يعرفها قبلاً رغم تركيبته المتنوعة التي طالما اعتبرت مصدر ثراءٍ لا تناحر وسفك دماء.
وحاول الباحثون في سطور قليلة تسليط الضوء على الواقع السوري واحتمال نشوب حرب أهلية فيه وأسبابها وما قد يترتب عليها. يمثل فهم تركيبة النظام السوري مدخلاً هاماً لفهم الحالة السورية فقبل عام 1970 عانت سوريا من عدم الاستقرار كنتيجة لتكرار الانقلابات العسكرية منذ انقلاب حسني الزعيم 1949 والتي كان انقسام الجيش عاملاً أساسياً فيها علاوة على تناحر النخب السياسية إلا أنه وبوصول حافظ الأسد للسلطة في 1970 قام بتدعيم نظام حكمه عن طريق الاعتماد بشكل أساسي على تنظيم اعتبره أغلب السوريين (طائفيا) ففي حين تصل نسبة المسلمين السنة حوالي 70% إضافة لأقليات أخرى درزية وإسماعيلية علاوة على أقليات مسيحية تقدر بحوالي 10%، هذا على صعيد التنوع الطائفي أو المذهبي أما على الصعيد العرقي فيوجد في سوريا ما تتراوح نسبته بين (7 – 10)% من عوامل قد تدفع في هذا الاتجاه العامل الأول يتعلق بادعاءات النظام بأن الداعين للثورة عملاء مأجورون لبث الفتنة والحرب الأهلية في البلاد، وصولاً للاستخدام المفرط للعنف ضد المدنيين الأمر الذي قاد لانشقاقات في الجيش النظامي السوري وتكوين ما يسمى بـ «الجيش السوري الحر» الذي يتكون من الضباط المنشقين والمدنيين المسلحين هذا إلى جانب نحو 200 إلى 300 فصيل مسلح في المناطق المحلية الأمر الذي يجعل السلاح في يد الجميع مما يجعل نزع السلاح من أيدي الفصائل عملية عسيرة ويعيد للأذهان سيناريو الاقتتال الليبي وسلاح حزب الله.
التميز في قطر خيار وتطبيق في كل المجالات
من المتعارف المثل المتداول (إنما تعرف الإخوان عند الشدة) هذا على مستوى الأفراد وهو صحيح وهو ما أطبقه... اقرأ المزيد
264
| 06 مارس 2026
رمضان.. حين يعيد الإنسان صناعة نفسه
ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس... اقرأ المزيد
126
| 06 مارس 2026
المثابرة الأكاديمية كجسر نحو القمة
تُعد المثابرة صفة جوهرية تُمكّن المتعلم من مواصلة مساعيه لتحقيق أهدافه التعليمية المنشودة، بما في ذلك مواجهة التحديات... اقرأ المزيد
120
| 06 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2901
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1629
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1044
| 04 مارس 2026