رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التعليم هو شريان الحياة في المجتمع، وهاجس يومي لكل أسرة وكل بيت، حيث تجد أن الكل له علاقة بتداعيات التعليم سواء التداعيات الإيجابية أم القرارات السلبية والتي بالطبع لها تأثير على الأبناء والبنات كطلبة وطالبات وعلى الآباء والأمهات سواء كانوا ملتحقين بالتعليم ككادر إداري أو تدريسي أو حتى وإن لم يكونوا تحت مظلة الأجهزة التعليمية، تبقى معاناة الجميع تؤثر إيجاباً أو سلباً وعلى حسب قرارت المسؤولين عن التعليم. وبالتالي فإن هذا الهم وهذا الهاجس ينتقل من البيت الصغير كأسرة صغيرة إلى البيت الكبير كمجتمع له دينه وعاداته وتقاليده وثقافته التي يفترض أن نحافظ عليها ونعتز بها.
• هيبة المعلم والمعلمة
نريد من المسؤولين عن التعليم أن يعيدوا إلى التعليم هيبته ومكانته وخصوصاً الاهتمام بالكوادر البشرية بمختلف التخصصات بشكل عام، وإعادة ورد اعتبار المعلم والمعلمة بشكل خاص والذين هم عصب وروح التعليم، والذين تعرضوا في السنوات الماضية إلى قرارت تعسفية من "بعض" أصحاب التراخيص ومديري ومديرات المدارس، ونوعية التعامل الذي يشوبه نوع من التوتر وعدم الانسجام وانعدام الثقة بين المنظومة التعليمية بين الإدارات التنفيذية وبين المدارس بشكل عام في عدم وضوح الرؤية وازدواجيتها وعدم فهمها وتطبيقها بالشكل المطلوب داخل المدارس على وجه التحديد، ناهيك عن حالات استخدام أسلوب تعسفي من "بعض" مديري ومديرات المدارس، واستعمال أساليب فيها نوع من الذل والتعصب والمحاباة بسبب الصلاحيات المطلقة والتي استخدمها "البعض" استخداماً لايجوز شرعاً ولا قانوناً ولا عُرفاً، وبدون حسيب أو رقيب عليهم!!
• عودة "التربية" والتعليم كـ"روح"
نريد من المسؤولين عن التعليم عودة التربية كـ"روح" ونريد من الإدارات التنفيذية والمدارس أن نتعامل فيها من ناحية إنسانية تضمن للإنسان كموظف أو معلم الكرامة والاحترام والتقدير المعنوي والمادي قبل التوجيه الجاف والتعليم لمجرد أنه تعليم مادي مرتبط بآلات وأجهزة بشكل مادي ومحسوس يتم من خلاله إذلال المعلم كونه يستلم راتب أو مكافأة وبالتالي يتعامل معهم البعض بما يسمى بالتعليم "الجاف والقهري" بعض الأحيان. وفي المقابل فإنني أقصد بالتربية داخل المدرسة على اعتبار أنها البيت الثاني لأبنائنا وبناتنا، حيث إنهم يعيشون يومياً في بيتهم الثاني "المدرسة" من 6 ـ 7 ساعات يومياً وبالتالي فإنهم يحتاجون جرعات تربوية أساسها ديننا وعقيدتنا وعاداتنا وتقاليدنا المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، مع مواكبة العصر من تكنلوجيا ومتغيرات ومفاهيم جديدة لاتتعارض مع الشريعة الإسلامية السمحة.
• المدارس الخاصة والفروقات الاجتماعية
نحن ـ ولله الحمد ـ في دولة غنية تستطيع دعم وتغطية كافة قطاعات التعليم سواء التعليم الخاص أو العام وبشكلٍ متساوٍ، وليس من الطبيعي أن يتم دعم التعليم الخاص ومعاملته معاملة خاصة على أساس أن المدارس الخاصة هي الأكفأ من المدارس الحكومية العامة، وهذه التفرقة لها آثار سلبية على الكيان التعليمي في الدولة من جهة، وعلى التركيبة الاجتماعية والفروقات التي سيتأثر بها المجتمع إذا تم اهتمام الدولة بالمدارس الخاصة والمميزات التي يحصل عليها العاملين في تلك المدارس وعلى العاملين بها وكذلك طلابها من اهتمام كبير يشعرهم بأنهم في منطقة تعليم "درجة أولى"، وسينعكس هذا سلباً على المدارس الحكومية والعاملين بها وكذلك على طلابها حيث إنهم سيشعرون بأنهم "درجة ثانية". لذلك من وجهة نظري المتواضعة بأننا كدولة غنية لا نحتاج إلى هذا التفريق في التعامل بين المدارس الخاصة ومخرجاتها وبين المدارس الحكومية ومخرجاتها، بل يجب دعم القطاعين معاً حتى لا يتسبب ذلك في وجود فروقات اجتماعية نحن في غنى عنها وخصوصاً أننا من أغنى دول العالم ولله الحمد.
• التعليم أمانة
أوصي كل مسؤول وكل من له علاقة بالتعليم أن يتقي الله سبحانه ويراقب الله جل وعلا، وأن يستشعر هذه الأمانة الثقيلة وعِظَم المسؤولية التي تتعلق بأبنائنا وبناتنا، هم فلذات الأكباد، وثروة البلاد، ومستقبل الأمجاد، وماضي الأجداد.
• القدوة الصالحة
قدوتنا الصالحة هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معلم الناس والذي قال: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"، لذلك أوجه رسالة لجميع العاملين في التعليم بشكل عام وإلى أخي المعلم وأختي المعلمة بشكل خاص، حيث نحسبكم بأنكم على خير وأنكم من أهل الصلاح والإصلاح ولانزكيكم على الله، ولكنها رسالة تذكير بتتبع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومنهجه السمح في تعليم الناس والتعامل معم بالرغم من اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم وأعمارهم.
• دعم القيادة والحكومة
نحن نكن كل التقدير لقيادتنا الرشيدة على الدعم اللامحدود مادياً ومعنوياً لقطاع التعليم، وندرك تماماً اهتمام الحكومة بتطوير هذا الصرح العظيم.
• إلى الإدارات التنفيذية في التعليم يسروا ولا تعسروا
نرجو من الإدارات التنفيذية في قطاع التعليم أن تترجم هذا الدعم المادي و"المعنوي" على أرض الواقع بكل سهولة ويسر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا)، لذلك يجب أن تكون هناك انسيابية ومرونة في الأداء والتعامل، ومسامحة المخطىء والصبر عليه وتدريبه وتأهيله وإشعاره بأنه كمورد بشري من أهم الموارد والتي هي أساس الموارد الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها.
• الرأفة بالمرأة: وتقليل ساعات الدوام لها ومراعاة أنها ترعى شؤون الأسرة وأنها المربية للأبناء وتدريسهم في البيت، إضافة إلى التزاماتها الأخرى.
• رسالتي إلى مجلس الوزراء
ليس من الطبيعي أن يكون كل مجتمعنا على خطأ، ومجلس التعليم فقط على صواب!!
• رسالة للجميع
لتكن نصيحتنا للمسؤولين بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس بأسلوب الصراخ والعويل!! ومهما كان فإن الكلمة الطيبة لها أثر طيب، لذلك أتوجه بنداء المحب إلى الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأبناء والبنات في مجتمعنا الطيب، بأن نضع أيدينا في أيدي بعض مع قيادتنا وحكومتنا بوزاراتها ومؤسساتها، وأن نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وأن نتعاون على الخير والبر والإحسان والتقوى والتناصح "بالتي هي أحسن" وبالكلام الطيب غير الجارح، وبالنقد الهادف الإيجابي والبنّاء، وذلك لتعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات، ولاننسَ بأن الذين يعملون في تلك الوزارات والمؤسسات من وزراء ومديرين وموظفين هم من إخواننا وأخواتنا، قد يصيبون وقد يخطئون، لذلك أوصي نفسي وإياكم بالتحلّي بالحكمة والموعظة الحسنة.
• هناك من يتابعنا من المسؤولين ويقرأ مقالاتنا وكذلك في مواقع التواصل الاجتماعي ولهم كل تقدير، ونرجو أخذ نصائحنا بعين الاعتبار لأنها نابعة من قلب يعشق وطنه وأمته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3867
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1623
| 30 أبريل 2026
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
1227
| 06 مايو 2026