رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رسم الفنان مصطفى حسين كاريكاتير في جريدة الأخبار المصرية، لطائرة تطير في سماء القاهرة فوق مبنى مجلس الشعب ومواطن مصري يقول "يا كابتن أنا لو قفزت دلوقت على مجلس الشعب حتنكسر رقبتي... شوف لي "دستور باراشوت" أقدر أنزل بيه سليم". فيولد تعبيرا وصفيا جديدا للحالة في مصر "الدستور الباراشوت"، وهو يوصف به الصراع بين لجنة الإخوان المسلمين "البشري سابقا"، والمطالبات الدستورية الأخرى والمتداولة على استحياء والتي تستخدم ذات منهج الإخوان في الإقصاء، بل تكاد الفتنة الدستورية تصل مداها في صورة مواجهة بين من يقولون إنهم الدينيون وغير الدينيين، وأصبحت الدولة المدنية، والتي تعني دولة الدستور والقانون، هي دولة إقصاء الدين، ونسي الجميع الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية للثورة.
وبلغ الأمر بالمحامي الإخواني صبحي صالح أن يقول وبكل وضوح في مواجهة الشعب المصري: "نحن كجماعة لا نعترف بمفاهيم مسلم ليبرالي ومسلم علماني ومسلم يساري، نحن لا نعرف إلا مسلم يكفيه دينه عما سواه من المناهج".، ويفتح بهذا القول مرحلة اقتتال واشتباك جديد ينحرف بالثورة والمجتمع انحراف فتنة الجاهلية، وفقط نقول: من فوضك في الحكم على المصريين ومنح شهادات بالإسلام أو منعها؟ ولجنة البشري تصمت عن جريمتها المركبة وهي صبحي صالح والتعديلات التي اقترحتها اللجنة.
ومن جهة أخرى دعا المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا المواطنين للخروج في مظاهرات مليونية إذا تأخر إجراء الانتخابات يوماً واحداً، محذراً من "أن هناك من يريد الالتفاف على نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية لأنها لا تصب في مصلحته"، أي أن هناك مصالح متعارضة قي الإعلان الدستوري وعليه فالفقيه القانوني والمفكر الإسلامي ينحاز لمصلحة دون أخرى وهو ما يمثل إدانة للتعديلات ذاتها!! وحول ما يثار بشأن دفاعه عن عدد من رموز النظام قال «العوا»: "أدافع عن رجلي أعمال فقط لإيماني بأن الحكومة استفادت منهما وضحكت عليهما"، ولم يكشف عن موقفه من الشعب الذي استغلته الحكومة ورجال الأعمال، وها هو الرجل يجمع بين الحسنيين، أموال رجال الأعمال، وتعديل دستوري ينحاز لمصلحته.
هكذا الكاريكاتير بعين الصقر ومن خارج الصندوق يرى أن الدستور أصبح وسيلة انقضاض على المجلس النيابي، بينما جماعة "لجنة البشري" ومن حولها تخشى ألا يستكمل الانقضاض أهدافه، ويتخذون من الدين غطاء. والمجلس العسكري وبعين النملة يغرق في تبريرات الالتزام بالإعلان الدستوري الذي التزم بخيارات "البشري ولجنته"، ويأبى إلا أن تحدث انتخابات تشريعية في سبتمبر، معاندا الواقع والحقيقة كرجل أراد أن يغيظ وجهه فقطع أنفه.
الأهل تعني قرابة الدم، وأخص الناس بالشخص، وهو تعبير ينم عن التآلف والانتماء بين الجماعة، مرادف للعشيرة، هو التعبير الذي استخدمه شركاء أيام وليالي ومعارك الثورة المصرية لتحديد طبيعة العلاقة بينهم، فبعد أن اقتسموا كسرة الخبز ـ وأعني ما أقول... كسرة الخبز ــ أيام الحصار، ها هم ينقلون العلاقة إلى زمن ما بعد الحصار داخل الميدان، ويتكاتفون وتلتئم لحمتهم دفاعا وحماية لأي منهم إن تعرض لأزمة ما. وشاءت الظروف أن أذهب إلى حيث مكان النيابة العسكرية يوم نظر قضية بعض ممن كانوا يتظاهرون أمام السفارة الإسرائيلية، من بالداخل لديهم قصصهم، ومن بالخارج والشمس تحرق جلودهم لديهم دموعهم وتشتتهم وعدم الدراية بالتعامل مع الأماكن العسكرية، وعلى هؤلاء جميعا يعيش بعض عناصر أمن الدولة بين الرصد والمتابعة، وفي مشهد مكمل للصورة يخرج رئيس تحرير جريدة الشروق الذي كان مستدعى للتحقيق أمام النيابة واثنين من الصحفيين لنشر خبر عن رسالة "طلب السماح" من الرئيس المخلوع، بعد توقيع على تعهد ما؟
مصر الثورة تمثل أمام النيابة العسكرية، ولا أحد يراعي أن شباب الوطن، خرجوا وأطاحوا بنظام فاسد وكأنهم يعاقبون على فعلتهم. وإعلام مصر أيضاً أمام النيابة العسكرية، بينما الأنباء تتردد عن الإفراج المتتالي عن رموز النظام السابق، ويعقبها إلغاء للإفراج، حالة من التأرجح مبررها الوحيد أنهم يحاكمون بقوانين صاغها النظام السابق، وأن المحاكمات تدور حول الفساد المالي، ولم يقترب أحد من الإفساد السياسي بعد وكأنها ليست ثورة شعب من أجل الحرية والكرامة والعدل، ولكنها تجريدة دائنين على جماعة القراصنة، انقلاب بالثورة وعليها للتخلص من المسؤوليات التي تفرضها.
هكذا يبدو الحال الآن في مصر، الثورة في مفترق طرق، والبعض اعتقد أن مكاسبه نتيجة الثورة تمنحه حق المنح والمنع للشعب، والبعض الآخر يحاول أن يحول نتائج الثورة لصالحه حتى وإن غامر بمستقبل الوطن. وتبلغ صورة العناد حدا مزريا بالحديث المتتالي أن المجلس النيابي القادم سيختار لجنة من 100 عضو لوضع الدستور، إجراء أقل ما يوصف به هو الجهل بطبيعة الدستور ومسؤولية وضعه كعقد اجتماعي بين الشعب، وأن هذا الإجراء أقرب إلى الخيانة الوطنية ممن لا يملكون حق التقرير في شأنه ولكنهم اغتصبوا هذا الحق بحلف أسود بينهم وبين جماعة الإخوان التي لا يمكن وصف ما تفعل غير أنه انقلاب على الشعب والثورة.
كل هذه المشاهد تفرض الحرص على حماية نتائج الثورة، من الطبيعي أن تظهر قوى مضادة للثورة، ولكن من غير الطبيعي أن تختفي قوى الثورة. وأخطر من القوى المضادة للثورة.
حالة القوى السياسية ومرشحي الرئاسة التي وصلت إلى حد التلاسن والانشغال عن قضايا الوطن والصراع على التورته المسممة، وهذا كله ليس من طبائع الشعوب الثائرة ولكنه من سمات المنافقين والانتهازيين. وبلغ النداء إلى مليونية يوم الحرية 27 مايو لفرز القوى الحقيقية.
وضع الدستور المصري ليس محطة وصول ولكنه رحلة ممتدة بطول الوطن وعرضه وعمقه:
1. فالمنوط به وضع الدستور هو الشعب، بواسطة جمعية تأسيسية تمثل كل قواه الاجتماعية والسياسية في تجمع مناظر للمؤتمر الوطني القوى الشعبية الذي اجتمع في أول الستينيات، ومثل مصر كلها، وليس مجرد تمثيل نيابي عبر الدوائر الانتخابية وما تحمله الدوائر من عصبيات وانحرافات في التعبير عن الرأي باستغلال الاحتياج الاقتصادي للشعب.
2. والدستور يسبقه خيار اقتصادي ورؤية لمعادلة التنمية والنظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ولعل كتابات الأساتذة زياد بهاء الدين، ووائل جمال، وإبراهيم العيسوي، وأحمد النجار في المسألة الاقتصادية تفرض علينا الالتئام في مؤتمر اقتصادي يبحث القضايا الاقتصادية، وعدم الركون إلى تصريحات رئيس حكومة تسيير الأعمال عن الخيار الاقتصادي، فهذا أمر لا تقرره تصريحات، ولكن تقرره رؤى ودراسات وإحصاءات وإمكانات وظروف داخلية وعالمية.
3. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول مباشرة الحقوق السياسية، تلك التي يجري التعامل معها بقوانين الصدمة، فقانون الأحزاب مشكلة، وقانون الصحافة مشكلة، والتصويت يترنح بين المنح والمنع، والحاجة إلى ربط المصريين بالخارج بوطنهم عبر الإدلاء بأصواتهم، والذي تتراوح فيه الآراء بين المنح والمنع. وغير هذا فإن الحقوق السياسية مرتبطة أيضاً بحالة الإفساد التي جرت طوال 30 عاما مضت، فمن الذين يجب تجميد ممارستهم للعمل السياسي؟ ومن الذين يجب ضمان حقهم وتوفير فرص التعبير عن إراداتهم، وما يدور من حول انتخابات النقابات، يؤكد أننا في حاجة للمشاركة وليس الإقصاء.
4. ويسبق الدستور حوار مجتمعي حول الأمن القومي، الداخلي والخارجي:
أ. مصر التي زرعت فيها عناصر النظام المنحل نصف مليون بلطجي، لخدمة أهداف ترويع المجتمع عند الحاجة، ومصر التي انتشرت فيها الأسلحة البيضاء كما تنتشر في رواندا وبوروندي، يظلل هذا الخطر كل فرص التنمية والبناء، وهو أمر يجب التعامل معه، والقضاء عليه، وبدون خطة أمنية وثقافية وبدون القضاء على البطالة، واستقرار الحالة الإعلامية والقضاء على الفساد والصور الانتهازية في المجتمع، لن يمكن القضاء على هذا الوجود السرطاني، فهم ليسوا محتلا أجنبيا، ولكنهم خلايا مشوهة لها ذات سمات خلايا المجتمع السليمة.
ب. والمجتمع يجب أن يتصدى لدور الشرطة داخله ومهمة إعادة بناء الجهاز، والتغافل عما يحدث من قيادات الجهاز يدلل أن الجهاز منقسم، بين أغلبية لا تريد العودة وفق أصول العمل الشرطي، وأقلية تسلم بدور للشرطة وفق حاجة المجتمع ولصالحه وفي الإطار القانوني لهذا الدور.
ج. والحوار يجب أن يربط بين القضاء وأمن المجتمع، والتصريحات بأن القضاء لم يطله الفساد تبدو كمن يدفن رأسه في الرمال ويعتقد أن لا أحد يراه، ولعل تصريح المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة السابق بأن الثورة لم تصل إلى القضاء يستدعي هذا الحوار.
د. والحديث عن الأمن الخارجي ومواجهة مصادر الخطر والنطاق الأمني المصري وارتباطه بنطاقاته العربية والإفريقية، وحدود النفوذ والتأثير، ومصادر المياه والأسواق، كل هذا يفرض حوارا مجتمعيا بديلا عن حالات التشرذم الواقعة داخل المجتمع والتي خلطت بين العدو والصديق، ولعلنا في هذا الصدد نحتاج إلى دراسة للقدرة العسكرية المصرية والتزامات تطويرها، ولعلنا نكتشف حاجتنا لنبيل العربي وزيرا للخارجية أكثر من الحاجة إليه أمينا لجامعة الحكومات العربية.
المجتمع في كل هذه المهام يجب أن يكون تحت مظلة تؤمن له حرية الحوار، ومن غير المقبول تكرار مقولة أن المجلس العسكري يريد العودة فورا إلى ثكناته، فالمطلوب منه أن يؤدي مسؤولياته، وليس المطلوب منه التزام ثكناته، ودون تحقيق كل ما سبق من حوار والوصول إلى دستور الشعب وبواسطة الشعب لن يستقر أمن ولن يتمكنوا من العودة إلى الثكنات.
مقصلة الثورة الفرنسية حافظت على اندفاع الثورة إلى الأمام، حتى أنها نالت من المفكرين والفلاسفة، ولكنها مثلت صمام عدم الرجوع، والبحث المصري الآن عن مقصلة مصرية، ليس بالضرورة أن تكون مهمتها فصل الرقاب عن الأجساد لضمان الحركة للأمام، ولكنها على الأقل تحول دون الارتداد، فكيف السبيل إليها؟
الفريج القطري
تعد الأحياء السكنية في قطر (الفرجان) رمزاً للهدوء والخصوصية، حيث تمتاز المناطق التي تقطنها العائلات القطرية والمقيمون القدامى... اقرأ المزيد
30
| 03 أغسطس 2026
عندما يغادر الأعزاء .. لا يغادرون تمامًا
هناك أوجاع لا تُسمع، لأنها لا تخرج على هيئة صراخ، بل تعيش في التفاصيل الصغيرة. في المقعد الذي... اقرأ المزيد
114
| 03 أغسطس 2026
تنسيق ومشاورات مكثفة لدعم الحلول السلمية
انطلاقا من موقف دولة قطر الداعم لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
72
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12267
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
1911
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1875
| 29 يوليو 2026