رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

420

روضة مبارك راشد العامري

ضمير المنفى.. حين يصبح المثقف موقفًا أخلاقيًا

24 مايو 2026 , 01:08ص

في وقتنا المعاصر، لم تعد الثقافة مجرد مساحة للقراءة أو الترف الفكري، بل أصبحت محاولة مستمرة لفهم الإنسان وسط هذا العالم المتغير والمتشابك. وربما لهذا السبب ظلّ إدوارد سعيد حاضرًا في الوعي الثقافي العالمي، لا بوصفه مفكرًا عابرًا، بل بوصفه ضميرًا إنسانيًا آمن بأن الثقافة مسؤولية أخلاقية، وأن المثقف الحقيقي لا يكتفي بتفسير العالم، بل يحاول أن يقف بصدق أمام أسئلته الكبرى. 

حين كتبت كتابي «ضمير المنفى”، لم أكن أبحث فقط في أفكار إدوارد سعيد، بل كنت أبحث أيضًا في معنى أن يكون الإنسان وفيًا لصوته الداخلي، قادرًا على التفكير الحر، وعلى حماية استقلاله الفكري مهما اشتدت الضغوط أو تشابهت الأصوات. فقد كان سعيد يرى أن من أبرز وظائف المثقف ألا يكتمل دوره إلا عندما يكون مقرونًا بموقف نقدي أخلاقي مستقل تجاه المعرفة السائدة والسلطة والخطابات الجاهزة. 

وكان يؤمن بأن وعي الفرد هو الأصل في كل جهد إنساني، وأن الفهم الحقيقي لا يبدأ على المستوى الجمعي إلا عندما يبدأ الإنسان أولًا بمراجعة ذاته وأفكاره وموقفه من العالم. وربما يبدو عالمنا اليوم وكأن وعي الإنسان فيه قد تعرض للتشويش أو الإرباك أو حتى القصف المعنوي، لكن الإنسان ما يزال قادرًا على إحداث التغيير متى ما احتفظ بحريته الداخلية، وبشجاعته الأخلاقية، وبقدرته على التفكير خارج الخوف والتكرار. 

ومن هنا، فإن المثقف ليس فقط ذلك الشخص الذي يكتب في الصحف أو يظهر في الندوات والمؤتمرات، بل هو الإنسان الصادق مع قضاياه، الحاضر أخلاقيًا في زمن الالتباس، والقادر على تحويل المعرفة إلى موقف، والكلمة إلى أثر، والفكر إلى مسؤولية إنسانية. 

وفي هذه الرحلة الفكرية والإنسانية، أشعر بامتنانٍ عميق لكل من آمن بالكلمة والثقافة والمعرفة. أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الثقافة على دعمها للمشهد الثقافي، وإلى مشروع «بذور المعرفة” الذي ما يزال في عامه الأول، لكنه يحمل روحًا واعدة تؤمن بأن المعرفة يمكن أن تكون بذرةً للجمال والتغيير والوعي. 

كما أتقدم بالشكر إلى معهد الدوحة للدراسات العليا الذي منحني مساحة للتفكير والبحث والحوار، وإلى جريدة الشرق التي كانت دائمًا نافذة للكلمة الحرة، لأن المثقف يحتاج دائمًا إلى أدوات ومساحات تُخرج ما في داخله من أفكار ومشاعر وأسئلة ورؤى تجاه الحياة والإنسان والعالم. 

والشكر الأكبر للحياة نفسها… للعائلة التي أنتمي إليها، للوالدين اللذين غرسا في داخلي قيمة العلم والصدق والمحبة، للإخوة الذين تشاركنا البدايات والأحلام، للزوج والأبناء، ولكل لحظة إنسانية جعلتني أكثر امتنانًا للوجود، وأكثر إيمانًا بأن الثقافة في جوهرها ليست انعزالًا عن الحياة، بل حبًا عميقًا لها، وإيمانًا دائمًا بأن الإنسان ما يزال قادرًا على صناعة النور مهما ازدادت العتمة.

مساحة إعلانية