رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أحداث أمريكا عام ٢٠٠١ م برزت ظاهرة الحرب على الإرهاب التي تزعمها آنذاك الرئيس الأمريكي بوش الابن والتي غلفها في البداية بطابع ديني صليبي عندما صرح بأن حربه على ما سماه (الإرهاب) ستكون حربا صليبية!! ولعل أحدهم أوعز إليه بأنه ارتكب حماقة كبيرة في إعلان ما ينوي فعله فحاول تبرير قوله ولكن الواقع بعد ذلك أثبت أنه كان يعني ما قال.
بوش الابن استدعى تاريخ الحروب الصليبية التي دعا إليها البابا إربان الثاني حيث أمر المسيحيين بالتوجه إلى بيت المقدس لاسترداد القدس من أيدي المسلمين، وهكذا بدأت الحرب التي استمرت مائتي عام والتي انتهت بطرد الصليبيين من بلاد المسلمين.
وفعلا بدأ بوش ينفذ حربا صليبية قذرة ضد المسلمين، بعضها كان معلنا وبعضها الآخر كان يُخطط له في الخفاء وقد كشفت الأحداث بعد ذلك بعض ما كان مخبئا ومازالت الأيام حبلى بالأحداث فالحرب التي بدأت لم تنته بعد فمازال الكثير مما يودون فعله هذا إذا سمحت لهم الظروف بفعلها.
احتلال أفغانستان ثم العراق كان بداية تلك الحرب المعلنة، ولم تكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي السبب فيها وإن كانت مبررا للتسريع فيها، وقد قيل الكثير عن هذه الأحداث مما لا يتسع هذا المقال للحديث عنها.
محاربة الإرهاب - كما قيل آنذاك - كانت هي السبب وراء تلك الحروب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الأرواح البريئة ومازالت أرواح المسلمين تحصد حتى الآن وكل ذلك يتم تحت غطاء مكافحة الإرهاب، وللأسف فإن بعض المسلمين يشارك في هذه الحرب بوعي أحيانا وبغباء في أحيان أخرى!!
المجتمع الدولي ومنذ ٢٠٠١ م وحتى الآن لم يضع تعريفا محددا للإرهاب رغم الاجتماعات الكثيرة التي عقدت من أجل محاربة الإرهاب، والهدف أن الدول الكبرى تريد تفصيله بحسب المقاسات التي تريدها ؛ فما هو إرهاب اليوم قد لا يكون إرهابا غدا، فالبعض يستخدم (الإرهاب) لمحاربة خصومه السياسيين، أو المطالبين بالإصلاحات السياسية أو الاقتصادية، فهؤلاء إرهابيون يجب محاربتهم وسجنهم واضطهادهم، ولأنهم (إرهابيون) فلا يجوز لأحد الدفاع عنهم، والدول الكبرى - خاصة أمريكا - تحدد مواقفها من هذه القضايا حسب مصالحها ؛ فالمتظاهرون في أوكرانيا ضد الروس محقون في مطالبهم أما المتظاهرون في بعض الدول العربية ولنفس الأسباب فهي أما أن تصمت على قمعهم أو تساعد عليه، أما ما تفعله إسرائيل من قتل وسجن وتشريد ضد الفلسطينيين فهي محقة فيه بل وتجب مساعدتها عليه!! من جانب آخر فإن مصطلح (الإرهاب) جُعل هلاميا كي يسهل استخدامه في محاربة الإسلام ومعاداة أهله؛ فبعض الدول تخشى من الاتهام بالعنصرية إذا كشفت صراحة عن عدائها للإسلام والمسلمين فلجأت - كاذبة - إلى الادعاء بأنها تحارب التطرف الإسلامي، وقد تكرر هذا الكلام على لسان قادة أمريكا وبعض قادة أوروبا، وأيضا يردده بعض المسؤولين العرب دون التمييز بين ما هو تطرف حقيقي أو تطرف مصطنع.
إن المتتبع لأحاديث الغرب عن (الإرهاب) أو ما يسمونه (تطرفا) أحيانا يجد أن هذه الاتهامات محصورة على المسلمين وحدهم دون سائر خلق الله مع أن الإحصاءات التي صدرت عن الغربيين أنفسهم تؤكد أن الغالبية العظمى ممن يمارس الإرهاب هم من الغرب ومن أمريكا، لكن هؤلاء في عرفهم ليسوا إرهابيين!! والشواهد كثيرة جدا ومنها ما يحصل حاليا من قتل آلاف المسلمين في ميانمار وسيريلانكا وإفريقيا الوسطى وغيرها، فهذه المذابح على بشاعتها لم تصنف إنها عمل إرهابي، ولم تتحرك الأمم المتحدة لإيقافها ومحاكمة مرتكبيها!! وأيضا فرنسا عندما قتلت آلاف المسلمين في مالي لم يقل أحد أنها تقوم بعمل إرهابي بل صفق لها الكثيرون لأنها كانت تحارب المتطرفين الإسلاميين، بل إن بعض الدول العربية قدمت لها مساعدات مالية من أجل ذبح المتطرفين! وعندما قام جيش مالي بعد ذلك بذبح المسلمين لم يتهم بالعنصرية أو ممارسة الإرهاب والسبب أن القتلى من المسلمين!!
من المؤكد أنهم كذبوا علينا عندما أقنعوا بعضنا بأنهم يحاربون الإرهاب وهم إنما كانوا يحاربون الإسلام والمسلمين، وفي مقال جميل كتبه معالي الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - ونشر بعد وفاته أورد كثيرا من النصوص التي تؤكد ما ذهب إليه وهو: أن الحرب المزعومة على الإرهاب إنما حرب إيديولوجية على الإسلام، ومن النصوص التي أوردها قول وزير خارجية أميركا الأسبق (هنري كيسنجر): (إن الإسلام العربي هو العدو الجديد)، وكذلك قول وزير الدفاع في عهد بوش الابن (ديك تشيني): (الإسلام هو العدو البديل)، وأيضا فإن لجنة الحادي عشر من سبتمبر أكدت أن مصطلح الإرهاب مصطلح مضلل وأوصت بإعادة تسميته ليحوي تأكيدا إيديولوجيا أكبر ضد الإسلام. ونقل الشيخ الحصين في مقاله نصوصا تؤكد أن الحرب على الإسلام هي الهدف النهائي من كل ما يقال إنه حرب على الإرهاب.
المجتمع الدولي عامة وأمريكا على وجه الخصوص - وهي أكثر دولة تتحدث عن الإرهاب – لا يعني لهم الإرهاب شيئا إلا إذا مس مصالح دول بعينها أو مصالحهم بشكل خاص، فمثلا: قتل بشار الأسد عشرات الآلاف من السوريين مستخدما الأسلحة المحرمة دوليا كما هجر الملايين ومع هذا لم يقل المجتمع الدولي إنه قام بعمل إرهابي، كما أن أمريكا لم تتخذ أي إجراء ضده بل إنها ضغطت على كل الدول التي كانت تنوي تقديم المساعدات العسكرية للثوار لمنعهم من ذلك، فعلت كل ذلك من أجل إسرائيل، وأيضا كي لا يصل الإسلاميون إلى السلطة، وفي العراق مارست الدور نفسه فسكتت عن إرهاب المالكي لأنه صنيعتها، وهكذا نجد الشيء نفسه يتكرر في كل بلد يقتل فيه المسلمون، فلا أمريكا تصف القتلة بالإرهابيين ولا أوروبا تستنكر ما يحدث لهم وبالتالي لا أحد يتدخل لحمايتهم.
الغرب والأمريكان مثلهم ومنذ فترة طويلة جعلوا من الإسلام عدوا لهم - خاصة الذي أطلقوا عليه الإسلام السياسي - وقرروا محاربته بكل طاقتهم ولكن بصورة لطيفة تجعل الآخرين يتقبلون فكرة محاربته، كما تجعل شعوبهم - أيضا - تقتنع بما يقومون به؛ فعندما يصفون المسلمين بالتطرف وأن أعمالهم تلحق الأذى بأمريكا والغرب عندها تقتنع غالبية شعوبهم بجدوى حرب أولئك المتطرفين حتى وإن كانوا في أقصى الأرض، أما قادتهم فلا يعنيهم إلا تحقيق أهدافهم في محاربة الإسلام الذي قرروا اتخاذه عدوا لهم!! ومن هنا لا نستغرب كيلهم بمكيالين في موقفهم من الإرهاب ومن يقوم به!!
الجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي كله وفي دول الخليج بشكل خاص لقيت من الأمريكان حربا شعواء، فاتهموا الجمعيات والقائمين عليها بأنها تدعم الإرهاب، ولفقوا لبعضهم تهما كاذبة ليجدوا مبررا للضغط على دولهم لإغلاقها، كانوا يعرفون أنهم يمارسون أسوأ أنواع الكذب ولكنهم كانوا يهدفون إلى تجفيف منابع الخير والدعوة إلى الإسلام فقالوا كذبا: إنهم يريدون تجفيف منابع الإرهاب!! أما جمعياتهم التي تنفق المليارات على تنصير المسلمين وبأبخس الطرق فهي تسرح وتمرح في معظم أنحاء العالم ولم يصفها أحد منهم أنها تقوم بعمل إرهابي أو تدعم الإرهاب!! وهكذا نجد الشيء نفسه لكل الجمعيات الأخرى التي تتبع كل الأديان والملل الأخرى تتحرك بحرية تامة وتتلقى الدعم الذي تريده وبحرية تامة.
أعتقد أن الأمريكان ومن يدور في فلكهم يعرفون تماما أن قهر الشعوب والاستيلاء على مقدراتها وكبت حرياتها هو الذي يقود إلى الإرهاب، كما أن الاستعمار - على غرار ما تفعله إسرائيل - هو الذي يجعل الشعوب تقام مستعمرها بكل الوسائل التي تملكها، لكنهم لا يريدون الإقرار بذلك لأنه لا يحقق مصالحهم في استغلال مقدرات الدول الإسلامية، وإذا كنت أعتقد أنهم يمارسون عملا إرهابيا ضد عالمنا العربي - خاصة - والإسلامي - عامة - فإنني أعتقد أن الساكت عن مقاومة ما يفعلون يمارس إرهابا بحق بلاده أسوأ من إرهابهم.
خدعونا طويلا بحديثهم عن الإرهاب والتطرف الذي يمارسه المسلمون وحدهم من دور سائر البشر، وكذبوا علينا كثيرا، صدقهم البعض وكذبهم البعض الآخر، وجاء الوقت لنقول لهم: كفى كذبا وخداعا، نعم بعض المسلمين يقومون بعمل إرهابي، والمسلمون هم أول من ينكره ويتصدى له، وحتى ما حصل في أمريكا في ٢٠٠١ م بادر المسلمون إلى إنكاره وشجب فاعليه ولكن الإرهاب ليس منتجا إسلاميا حتى يوصم به المسلمون وحدهم به، واتخاذه ذريعة لاستغلال بلادهم ومحاربة دينهم يجب أن يتوقف، ولن يوقفه إلا وعي الشعوب العربية والإسلامية بهذه المخططات واتحادها جميعا من أجل وقفها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5502
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4923
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3054
| 24 سبتمبر 2026