رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يمكن تحقيق النمو من دون تواصل سلعي ومالي مع الخارج. العودة إلى الانغلاق مضرة حتى في فترات أزمات وضيق. كي تكون التجارة الدولية مفيدة إلى أقصى الحدود، لا بد من دعمها بسياسات مالية ونقدية وسعر صرف مناسب يعزز الفوائد. سعر الصرف الاصطناعي أي المحدد إداريا يضر بالاقتصاد، كان مرتفعا أو منخفضا. لا بد من اعتماد سعر السوق مع حق المصرف المركزي بالتدخل لمنع التقلبات المرتفعة. في الواقع كل الاقتصاديين منذ "أدام سميث" مؤسس العلوم الاقتصادية يجمعون على أن فوائد التجارة الدولية كبيرة جدا. لذا يجمعون على رفض الحمايات إلا في ظروف استثنائية محدودة ومعلنة. فالحمايات تعزز مصالح مجموعات داخل الدولة على حساب مجموعات أخرى، وبالتالي تضر بالاقتصاد العام. هنالك مصالح داخل الاقتصاد تسعى إلى تغيير السياسات العامة لمصلحتها حتى على حساب مصلحة الوطن. الخاسرون الأكبر من سياسات الحماية والدعم والانغلاق هم المستهلكون خاصة الفقراء منهم الذين يدفعون عندها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أسعارا أعلى لسلعهم المعيشية. يكون المستهلك ضحية الانغلاق، وبالتالي لا بد من رفض هذه السياسات منطقيا ولمصلحة الاقتصاد.
هنالك خوف حاصل اليوم بشأن تأثير الانفتاح على الاستقرار والعكس هو الصحيح، أي أن الانفتاح الواعي والمدروس والمراقب هو الذي يمنع الأزمات ويحمي الاقتصاد. نتيجة لأزمة 2008 المستمرة وبسبب الخوف، تحصل أخطاء جدية ومقلقة بشأن دور التجارة الدولية في تحقيق البحبوحة للجميع. لا تحل مشكلة العجز التجاري عبر الأقفال أو الانغلاق، بل عبر السياسات المنفتحة التي تعزز دور القطاع الخاص خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، كما تشجع على الادخار والاستثمار. الاستيراد ليس سيئا بالضرورة، إذ يشير إلى تحسن الأوضاع الاستهلاكية في الاقتصاد، كما أن من أهداف التصدير الرئيسية الحصول على النقد النادر الذي يسمح بشراء الواردات. من فوائد الواردات تعزيز المنافسة الداخلية مع الشركات المحلية التي تحاول أحيانا تثبيت احتكارها لسلع أو خدمات معينة. من هذه الأوهام الرائجة ما يلي:
أولا: الأفضليات المقارنة لم تعد موجودة وبالتالي لا يحمي الاقتصاد إلا الانغلاق وهذا خاطئ جدا. الأفضليات المقارنة موجودة وهي تميز الاقتصادات وتجعل التجارة الدولية مفيدة إلى أقصى الحدود. تسمح التجارة الدولية للدول النامية والناشئة بالحصول على التكنولوجيا المتطورة مقابل تصدير سلعها الزراعية بأسعار مفضلة. ما يميز ألمانيا هي صناعاتها وسويسرا هي خدماتها وفرنسا زراعتها وهلم جرا. على الحكومات أن تساعد الأفضليات المقارنة الناتجة عن الثروة البشرية والمادية على الظهور بقوة، وبالتالي تفيد الاقتصاد كما الشعوب.
ثانيا: الاقتصاد يتضرر إذا نمت التجارة الدولية أكثر من نمو الاقتصاد العام. هذا خاطئ أيضا وناتج عن الخوف غير المبرر من نمو التجارة الدولية من دون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم باستثناء سنة 2009. نمو التجارة يساعد على نمو الاقتصاد، إذ يشير إلى فتح الأسواق أمام التبادل كما الاستثمارات التي تخلق بدورها النمو وتحارب البطالة.
ثالثا: مشاكل ميزان الحساب الجاري ناتجة عن التجارة الدولية وبالتالي يجب معالجتها عبر تعديل السياسات التجارية المعتمدة، وهذا خاطئ أيضا إذ إن ميزان الحساب الجاري يرتبط بأكثر بكثير من التجارة كالمناخ الاستثماري العام الذي يشجع على الإنتاج. فالصادرات بحد ذاتها كما الواردات بحجمها وتوزيعها مرتبطتان بما ننتج في الداخل وبالسياسات التسويقية المدعومة من القطاع العام. لا يمكن حل مشكلة عجز ميزان الحساب الجاري عبر سياسات تجارية، بل إن المشكلة أكبر بكثير وترتبط بعمق الاقتصاد ونضوجه ونوعية الإدارة العامة.
رابعا: العلاقة السلبية بين التجارة الدولية من جهة وفرص العمل والأوضاع الاجتماعية من جهة أخرى، وهذا مقلق بل في غاية الخطورة. هنالك من يعتقد أن التجارة الدولية خاصة الاستيراد يقلل فرص العمل في الداخل وبالتالي يهدد الاستقرار الاجتماعي، لذا فالانغلاق يحميه ويضرب البطالة. في الحقيقة تشير كل الدراسات إلى العلاقة الإيجابية بين التجارة في الاتجاهين ودرجة النمو. لكن هذا لا يعني أن السياسات الاقتصادية العامة غير مهمة، بل إن حسن تحديدها يحفز التجارة الدولية ويقويها لمصلحة الاقتصاد.
خامسا: لأن سبب الأزمة المالية الدولية كان ضعف الرقابة والجشع وسوء القوانين والإجراءات المعتمدة، لذا يتهم الانفتاح التجاري بالتسبب بالمشكلة. الموضوعان مختلفان والانفتاح التجاري منفصل كليا عن التحرير الاقتصادي الداخلي والدولي. الانفتاح التجاري لا يعني سوء رقابة السلع والخدمات وترك رؤوس الأموال تتحرك دون رقابة. هنالك مؤسسات وطنية وإقليمية ودولية تعنى بالاستقرار المالي والنقدي وفي مقدمتها صندوق النقد والمصارف المركزية كما المؤسسات والمصارف الإقليمية. الانفتاح التجاري يصبح أفضل وأنفع في ظل الرقابة المالية والنقدية الضرورية في كل الأوقات.
التجارة الدولية هي حقا في خطر اليوم ليس فقط بسبب الأوهام المذكورة أعلاه، وإنما أيضا بسبب عدم الوصول إلى اتفاق دولي جديد بشأنها كما بسبب تفاقم الاتفاقيات التجارية الإقليمية التي تمنع عمليا حصول اتفاق دولي بسبب تمييزها بين دولة وأخرى تبعا لموقعها الجغرافي. ما هي التحديات التي تواجه التقدم في تعزيز التجارة الدولية؟
أولا: دور منظمة التجارة العالمية التي أسست في سنة 1995 والتي هدفت إلى الاتفاق على جولة جديدة من المفاوضات. لم تستطع الوصول إلى هدفها رغم 12 سنة من المفاوضات الرسمية الشاقة. ها هي تنتقل هذا الصيف إلى إدارة جديدة ربما تستطيع وضع أفكار خلاقة تنجح مع الوقت إذا حسنت النوايا.
ثانيا: البدء في المفاوضات في شأن الاتفاق التجاري بين أوروبا والولايات المتحدة. الاتفاقات الثنائية أو الإقليمية تكون حاجزا أمام الاتفاقيات الدولية حتى لو تمت بين فريقين كبيرين. يبلغ حجم التجارة بين أوروبا والولايات المتحدة نصف التجارة الدولية، كما أن الاستثمارات المباشرة في الاتجاهين ضخمة.
ثالثا: حقوق العمال وحمايتها في الظروف الصعبة، حيث يكون العامل دائما الضحية الأولى عند تعثر الأوضاع فيصرف، كما يكون المستفيد الأخير عندما تتحسن الأمور حيث لا يحصل إلا على جزء قليل من الأرباح الإضافية الكبيرة. لا يهمنا فقط الموضوع المالي أي الأجور، إنما أيضا موضوع الحقوق من نواحي عدد ساعات العمل والإجازات والمنافع الإضافية وحقوق التقاعد العادلة وغيرها التي لا تحترم في معظم الدول النامية والناشئة. يعاني العامل أحيانا من سوء المعاملة في شروط وظروف العمل وهذا سيئ جدا.
رابعا: حماية البيئة التي تكون عموما في آخر أولويات الدول النامية والناشئة. البيئة هي المستقبل أي حياة الأجيال الصاعدة التي لها الحق في الحصول على حياة نظيفة خالية من الأمراض وتسمح لهم بالعيش النوعي. حصل النمو الاقتصادي في العقود الماضية على حساب البيئة من ناحية التلوث المضر للصحة. لم تنجح اتفاقيات البيئة في الوصول إلى أهدافها وما زال المجتمع الدولي يدور في الفراغ. "النمو الأخضر" هو المطلوب اليوم لكن من يطبقه؟
خامسا: للانغلاق التجاري مساوئ كبيرة منها إحداث حروب تجارية بين المجموعات الاقتصادية. لن تقبل أي دولة وضع حواجز على صادراتها دون أن تضع هي نفسها حواجز ضد صادرات الغير. الحروب التجارية مضرة للجميع، ولحسن الحظ تسعى كل المجموعات الكبيرة إلى تجنبها بما فيها الصين والولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية.
"صاوبتهم؟"... آخر ما سأل
ليست كل البطولات بحاجة إلى تخطيط، أو إلى تفوق في العدد والعتاد، أحيانًا تختصرها لحظة واحدة، يقرر فيها... اقرأ المزيد
66
| 28 يوليو 2026
قراءة في تصريحات إيلون ماسك حول الإسلام
نلاحظ أنه عندما تشتبك أدوات التأثير الرقمي العابر للقارات مع الجهل المريع الثقافي، ينتج حينها خطاب إعلامي يحمل... اقرأ المزيد
39
| 28 يوليو 2026
التطعيم الأول.. النموذج العملي لمناعة الأجيال الرقمية
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن السؤال الذي انتهينا عنده وقتها: كيف يمكن ترجمة الدروس التي... اقرأ المزيد
90
| 28 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
2562
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1524
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
771
| 23 يوليو 2026