رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

147

هديل رشاد

"صاوبتهم؟"... آخر ما سأل

28 يوليو 2026 , 11:21م

ليست كل البطولات بحاجة إلى تخطيط، أو إلى تفوق في العدد والعتاد، أحيانًا تختصرها لحظة واحدة، يقرر فيها رجل أعزل، بكامل إيمانه ويقينه بالله، أن يتقدم، فيما يتقهقر الخوف، هكذا دخل الشهيد الشيخ فاروق رمضان ذاكرة الفلسطينيين؛ لم يكن باحثًا عن بطولة أو مجدٍ مستعار، بل كانت البطولة هي التي بحثت عنه، في اللحظة التي هاجم فيها المستوطنون قريته في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، فاختار أن يقف في وجههم مفتوح الصدر مقبلاً غير مدبر.

فما جرى في قرية "تل"، جنوب غرب نابلس في الضفة الغربية، كان أكبر من أن يصدقه عقل أو منطق، فلم يكن حدثًا عادياً، ففي تلك اللحظات، انتزع الشيخ فاروق رمضان، الأخ الأكبر لسبعة إخوة، والأب لخمس بنات، سلاح أحد المستوطنين، واستخدمه في مواجهة قوة مدججة بالسلاح، فقتل ضابطًا في جيش الاحتلال وجنديًا من المسافة صفر، قبل أن يرتقي شهيدًا مع ثلاثة من أبناء عمومته، وخلال دقائق، تحولت الحكاية من اشتباك ميداني إلى واحدة من أكثر العمليات التي ستبقى راسخة في الوعي الفلسطيني، لأنها كسرت الصورة التي سعى الاحتلال طويلًا إلى ترسيخها عن المستوطن بوصفه الطرف الذي لا يُقهر.

لم يكن الشهيد الشيخ فاروق رمضان جندياً في جيش نظامي، ولم يتلقَّ تدريباً عسكرياً خاصاً، بل كان رجلاً بسيطاً منشغلاً بشؤون أسرتيه الصغيرة والكبيرة، ويقصده أبناء قريته في كثير من شؤونهم الدنيوية والشرعية حتى عُرف بـ"أبي الكل"، لكنه امتلك ما هو أهم من كل ذلك؛ امتلك يقيناً راسخاً بأن الإنسان الذي يدافع عن أرضه مقاييس القوة لديه مختلفة لا تشبه موازين القوة لدى المحتل، لذلك لم يكن مستغرباً أن تكون كلماته الأخيرة وهو ينزف قبل دقائق من استشهاده "صاوبتهم؟"، إذ لم يكن يشغله في لحظاته الأخيرة سوى أن يطمئن إلى أن المواجهة لم تذهب سدى، وأن رصاصاته أصابت هدفها قبل أن يلقى ربه.

ولعل أكثر ما استوقفني في استشهاد الشيخ فاروق رمضان أنه جاء رداً عملياً على الفرية التي يرددها البعض بأن الفلسطيني باع أرضه، فالشعوب لا تدافع عن أرضٍ فرّطت بها، ولا يقدّم الإنسان روحه ثمناً لما باعه بإرادته، لقد أثبت فاروق رمضان، كما أثبت آلاف الشهداء قبله، أن الفلسطيني لا يساوم على أرضه ولا على كرامته، وأنه، مهما أحاطه الاحتلال بالمستوطنات والحواجز والسلاح، يبقى قادراً على قلب المعادلة لصالحه حين يُكون المقابل فلسطين.

ولم يكن رد فعل الاحتلال بعد العملية إلا دليلاً إضافياً على حجم الأثر الذي أحدثته، فلم يتعامل معها بوصفها حادثة انتهت بتصفية منفذها، بل أطلق حملة اقتحامات واعتقالات واسعة طالت ما لا يقل عن 80 فلسطينياً في الضفة الغربية، وداهم المنازل، وفرض إجراءات عقابية على القرية بأكملها في إطار سياسة الانتقام الجماعي، فالاحتلال يخشى الشهداء لأنهم يرحلون، لكن حكاياتهم تبقى حيّة، قادرة على بث روح التحدي في مجتمع بأكمله، وهذا تحديداً ما يحاول طمسه برواياته الملفقة تارة، وتشويه حقائق التاريخ تارة أُخرى.

المؤرخون سيكتبون تفاصيل العملية، وسيحصي العسكريون نتائجها، لكن الفلسطينيين سيحتفظون بصورة أخرى، صورة رجل أعزل واجه قوة مدججة بالسلاح، قاتل حتى الرمق الأخير، ثم ترك وراءه سؤالاً صار عنواناً لحكايته "صاوبتهم؟"، في هذا السؤال اختصر الشهيد الشيخ فاروق رمضان الحكاية كلها؛ وأراد أن يترجم حبه لهذه الأرض بالأفعال، وبأن ما قدمه كان دفاعاً عن أرض تستحق أن يُبذل من أجلها كل شيء، حتى في أن يسقى تراب الأرض بدمائهم الزكية، لإيمانهم بأنها ستنبت نصراً حتى ولو بعد حين.

ختاما...

ولهذا، فإن استشهاد الشيخ فاروق رمضان لا يُقرأ خارج سياق التضحيات المتواصلة التي قدّمها الشعب الفلسطيني في سبيل تحرير أرضه من الاحتلال، إنما بوصفه حلقةً في مسيرة طويلة من الذين آمنوا بأن الوطن لا يُستعاد إلا بالبذل والتضحية، لقد أعاد استشهاده التذكير بأن موازين القوة لا تُقاس بالعدة والعتاد، بل بما يحمله في قلبه من يقين بعدالة قضيته، واستعدادٍ لأن يدفع حياته ثمناً لها، ولعلّ أصدق ما يختزل هذه المعاني ما نظمه الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود في قصيدته المشهورة "الشهيد" قائلا:

سأحملُ روحي على راحتي...وأُلقي بها في مهاوي الرَّدى

فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديقَ...وإمّا مماتٌ يغيظُ العِدى.

مساحة إعلانية