رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مازلنا مع تفاصيل صناعة الفقر كَمُكَون أساسي من مكونات صناعة الكفر. تحدثنا في المقال السابق عن بعض أهم الأساليب الكلية التي يتبعها أعداء الإنسانية في تنفيذ مخططاتهم تلك. واليوم نكمل مع بعض أهم الأساليب الجزئية لصناعة الفقر، ومنها «البورصة»، والمضاربات المالية، وما يسمى (Speculators) أي المضاربين الذين يشعلون حروب العملات فيهاجمون عملة دولة ما فتنهار بين ليلة وضحاها. وكان من أكبر مجرمي هذه العملية الملياردير الراحل جورج سوروس الذي ركّع بنك انجلترا في حادثة معروفة. هؤلاء الذين وضع أساس وجودهم على ساحة الاقتصاد العالمي، الولايات المتحدة، ومَن وراءها، خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كانوا يجهزون خططهم المالية والتنفيذية لحكم العالم بعد انتهاء الحرب.
وفي هذا قصة معبرة عن خطورة المضاربة في العملات، نقدم لها باستنتاج مهم مفاده أن حكام العالم الفعليين، ومع اقتراب نهاية الحرب الثانية، كانوا قد قرروا نقل مقر حكمهم المؤقت للعالم من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، التي كانت تتبلور وقتها كأكبر قوة على الساحة العالمية، ومعهم انتقلت كل مراكز الثقل المالي والأكاديمي والفني، إلخ..، من ضفة الأطلسي الشرقية إلى ضفته الغربية. ونعود إلى قصة المضاربات ونلخصها بأنه في يوليو 1944، اجتمعت القوى الكبرى لوضع أسس المؤسسات التي ستُستخدم لتقنين حكم العالم وابتزاز دوله ونهب ثرواتها بعد الحرب. كان ذلك في بلدة «بريتون وودز» بولاية نيوهامبشاير الأمريكية. حينها تصادم ممثل بريطانيا (القوة العظمى الغابرة) في الاجتماع وهو الخبير الاقتصادي الكبير جون مينارد كينيز مع ممثل الولايات المتحدة هاري ديكستر وايت بشأن عدد من الإجراءات التي كان من شأنها تحقيق قدر من التوازن بين الدول وحفظ حقوق الدول الأقل تقدما. وقتها حذر كينيز من أن غياب تلك الإجراءات «سيزيل السلطة من المسؤولين المنتخبين ويضعها في أيدي المستثمرين الأثرياء»، ويجعل الحكومات «رهينة» لتقلبات السوق، ويحول الاقتصاد العالمي إلى «كازينو قمار»، وهو ما حدث بالفعل، (مرشد العولمة ص 73،99،114).
حينها اقترح كينيز إنشاء (Clearing Bank)، بنك مقاصة ليكون بمنزلة بنك مركزي عالمي يُمكِّن الدول من إتمام تعاملاتها التجارية بعملاتها المحلية دون الحاجة لعملة حاكمة تقاس إليها قيمة بقية العملات، والتي ستصبح الدولار الأمريكي لاحقا. وقد أحبط المندوب الأمريكي مقترحات كينيز. كما تم لاحقا إحباط مقترحات أخرى منها ما يسمى «توبين تاكس» (Tobin Tax)، وكان من شأنها تثبيت أسعار العملات والسيطرة على جشع المضاربين، بفرضها على عمليات المضاربة. وبإحباط تلك المقترحات اكتملت «الجريمة»، التي طُبخت على نار هادئة، وتحقق لأعداء الإنسانية ما أرادوا، ومهدوا الساحة لاستغلال المجرمين، ما سبَّبَ كوارث اقتصادية «متعمدة» كثيرة منذئذ، منها أزمة النمور الآسيوية ومنها الضربات التي تتعرض لها العملة التركية بين الحين والآخر، مثالا لا حصرًا. ويذكر كتاب (Dirty Dealing)، «الصفقات القذرة»، لمؤلفه بيتر ليللي، ص 109، أن السناتور كارل ليفين أعد في العام 2002 تقريرا رصد فيه خطورة ظاهرة شركات المضاربة وانضواء كل أنواع المجرمين تحتها من تجار مخدرات ودعارة وحتى سياسيين.
وهناك أيضا ما يعرف باسم (Hedge Funds) أي «صناديق التحوط» وهي باختصار، وبحسب دراسة لباتريك كيلي وآخرين،2014، صناديق استثمارية ظهرت بُعيد الحرب، أعمالها محاطة بسرية تامة، قد لا تتيح حتى للمستثمرين أنفسهم معرفة طبيعة استثماراتها. ويكفي أن نعرف أن هناك الآلاف من تلك الصناديق في أنحاء العالم، ما يجعل المستثمر الطبيعي كمنافس يبدو كمن يحارب منافسا أو عدوا لا يراه، تماما مثل الشيطان الذي يحاربنا هو وقبيله من حيث لا نراهم. ويكفي أيضا لتوضيح خطورة تلك الصناديق أن نعرف أن شركة «بلاك روك» وهي إحدى الشركات التي تتحكم في جزء كبير من الاقتصاد العالمي تمتلك عددا كبيرا من تلك الصناديق. وتحت مظلة صناديق التحوط تنضوي معظم عمليات تهريب الأموال والحسابات السرية (سويسرا) والملاذات الآمنة (دول وجزر المحيط الهادي)، وأمور أخرى خطيرة، منها كروت الائتمان «مجهولة الهوية».
وهناك نظام التأمين (Insurance) الذي يقوم عليه جزء كبير من الاقتصاد في أغلب دول الغرب والذي يعتبره كثيرون في كندا مثلا «أكبر عملية سرقة مقننة على وجه الأرض»، كونها عملية تفرضها الحكومات وتحميها القوانين، وتحقق أرباحا بمئات المليارات لشركات أعداء الإنسانية «الخاصة»، ولا يستفيد منها الجمهور إلا لماماً، مع أنها تخالف الشرائع السوية، في عملية مشابهة بدرجة كبيرة للإتاوات التي كان يفرضها البلطجية على الناس قديما.
هناك أيضا وسيلة أخرى لصناعة الفقر لا تقل شيطانية وإجراما عن ما سبق ألا وهي حساب العمل بالساعات بدلا من الراتب الشهري، وهو ما يحرم العامل أو الموظف من كثير من الحقوق والامتيازات تبدأ من أن الساعة التي لا يعمل فيها لا يؤجر عليها، ولا تنتهي عند حرمانه من حق الإجازة السنوية المدفوعة، ومن الرعاية الطبية ومن مكافأة نهاية الخدمة المعمول بها في أي نظام توظيف إنساني عادل. وهذا يُذكِّر بتاجر البندقية، فما كان يقتطعه ذاك التاجر من جسد المدين بلا حق، يقتطعه هؤلاء، إربا إربا، من وقت الملايين بدم بارد، فلا يعدو ذلك إلا أن يكون «ربا الوقت»، وهو ما يندرج تحت ما سماه ماركس بالفعل «فائض القيمة».
وخلاصة ذلك أن النظام المالي الذي يحكم العالم منذ الحرب الثانية وللآن، ولد فاسدا ومتحيزا «مع سبق الإصرار والترصد»، تحقيقا لصناعة الفقر. لكن الأخطر في صناعة الفقر ما هو قادم لا قدر الله،،، وهو تحويل كل الثروات في العالم إلى عملات معدنية بهدف تحويل أموال كل إنسان بل هو ذاته إلى «معسكر اعتقال رقمي» يتم التحكم فيه عن بعد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026