رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بينما تكشر الحياة كثيراً عن شراستها، وتنشر شوكها العنيد الجارح، وتغيب مشاعر التواد والرحمة، وتعلن القسوة أنها المتحدث الرسمي الوحيد عن كثير من بشر هذا الكوكب يوقفك فجأة خبر، حكاية، منظر، فعل، يجعلك تتأمله سعيداً جداً به، فرحاً جداً بوجوده، تماما كما حدث معي وأنا أقرأ أمس بالشرق خبراً يقول إن سائق حافلة كنديا توقف فجأة، ونزل من الحافلة ليخلع حذاءه ويعطيه لمشرد كان يمشي حافيا، ولما سأله الركاب لماذا فعلت ذلك أجاب: لقد قال المشرد إنه لا يملك حذاءً وكان يجب أن أمنحه حذائي، كان يجب أن أفعل شيئاً، الراكبة دينس كامبيل قالت إن هذا المنظر أجمل ما رأيته في حياتي، وعلى الفور استدعى كلامها عن السائق والمشرد، ما تماثل مع هذا المنظر، عادت بي إلى آخر شهر يناير كنت في الحي السابع بمدينة أكتوبر، البرد قارس، الوقت ليلاً، وبينما أمشي على مهل والمطر يهمي رأيت سيدة تنزل من سيارتها، خلعت شالها الصوف واتجهت مسرعة نحو حارسة عمارة مسنة ووضعته على كتفيها بإحكام بعد أن ربتت على كتفها ثم عادت مسرعة إلى سيارتها تتابع سيرها! إنها لقطة متكررة، تهز المشاعر، لزهور الحياة الجميلة النبيلة التي قد تنبت في كندا، أو مصر، أو قطر، أو الصين، أو حتى في بلاد الواق واق، نعم ليس للنبل جنسية، ولا للرحمة وطن، إنه اللغة العالمية للحنان الإنساني، إنه الجمال الذي يبرق فجأة والإظلام تام ليخطف قلبك ويلفته لتتأمل أجمل لقطات الحنان التي يهديها الإنسان للإنسان.
* * *
* أرسل لي رسالة فيها يقول قرأت مقالتك (مش خايف) عن المسؤول المدير، وأريد أن أقول لوجه الحقيقة (إن فيه مديرين رائعين) وأنا أيضا لا أغفل ذلك وأقول لوجه الحقيقة إنه إلى جانب المدير الدكتاتور الذي هو أساس قهر موظفيه وكل أمراضهم وتعاسة بيوتهم أيضا، هناك فئات رائعة لا يمكن تجاهلها فأنا أعرف مديرا كان إذا (عصب) على فراش لا يذهب إلى بيته بعد انتهاء الدوام إلا إذا استرضى الفراش ونفحه (خمسين) ريالاً، واسمع عن مدير عندما عرف أن في موظفيه من يحضر للماجستير تسامح في أي ساعة فراغ ليراجعوا ويذاكروا، واعرف مديرا لما علم بما يعانيه أخو موظفه من مرض السرطان وعجزه عن الإنفاق على أسرته تعهد بإعالة الأسرة وتوفير مصاريف علاجه وهو خارج الدوحة ليس مقيما بها دون أي إعلانات لزوم البروزة والحصول على لقب (المحسن البار) وأعرف مديرا بكى موظفوه في حفلة وداعه وقد انتقل إلى موقع آخر، وأعرف علاقات إنسانية بديعة مازالت تربط بين موظفين ومديريهم رغم أنهم استقالوا أو سافروا أو انتقلوا لمواقع أخرى، أبداً لم اقصد التعميم، فكما أن هناك مديرين يتمنى موظفوهم فراقهم، هناك آخرون رائعون تتجدد محبتهم بقلوب موظفيهم وهم بالتأكيد الذين أدركوا أن الموظف إنسان ومشاعر، وطاقة لا يمكن أن تعطى إلا في ظل المودة والاحترام.
آلام مصر
* مضطرون أن نقول لمتعمدي الفوضى، والداعين للوقفات الاحتجاجية لعرقلة دورة الحياة وتعافي مصر اقتصاديا (عندما يلتقي هدفك مع هدف عدوك عليك أن تعرف أنك على خطأ) مصر أولاً وأخيراً وطنكم جميعا الذي يستحق الوفاء، متعرفوش الوفاء؟ اتعلموا من الكلاب.
* الأخبار المحزنة تقول إن الميكروب الحلزوني المسبب لسرطان القولون والمعدة منتشر في مصر وهو ينتقل بسهولة، فعطسة واحدة من المشتغلين في المطاعم قادرة على نقل العدوى لبلد بحاله، ياريت تنتبه (الأمهات) إلى أنهن صمام الأمان لأسرهن باعداد الطعام الآمن من غير (عطس) وضروري من وجود حملة شعبية لمحاربة الميكروب بدلاً من التحريض على الشغب، والإضراب.
* أتفرج على سوق الإعلاميين، ألحظ التغيير المفاجئ، وركوب الموجة، ألحظ المرفوض الذي أصبح مقبولا، والمشتوم الذي أصبح مكرما، والطالح الذي أصبح إمام الصالحين، وغصبا عني أسأل أهي كلمة حق ورجوع عن باطل وزور، أم أن الحرص أذل أعناق الرجال أيها المنافقون؟
* رسب (وائل الابراشي) رسوباً مدوياً في العاشرة مساء، الذي كانت تقدمه المتألقة بجد (منى الشاذلي) حاول الابراشي نقل نفس طريقة (التوليع) التي كان ينتهجها في برنامجه (الحقيقة) فكان فشله الذريع، لقد تألمت جدا عندما استضاف العالم المحترم (زغلول النجار) لبهدلته بمداخلات الضيوف الذين صبوا كل ما عندهم من وحل الانحطاط في الأسلوب، كما استضاف معه ثلاثة من أعدى أعداء الدين دون أن يخبر ضيفا بحجم وقيمة العالم الجليل بمن سيشاركه في الحلقة ليترك لهم الهجوم بشراسة على الضيف المحترم دون أن يتيح له فرصة كافية للرد على المداخلات المرتبة بهدف النيل من الرجل الكريم، وبهذا اللقاء الراسب بامتياز كشف (وائل الابراشي) عن وجه جديد ما كنا نعرفه، لكن الثابت الآن أن مقدم العاشرة مساء إعلامي مثير للفتن ويحمل في جيبه كلما أطل علينا (نار وزيت حار) لزوم التوليع، الغريب أنه لم يفطن حتى الآن أنه أضاع رونق العاشرة مساء وأسقطه ربما للأبد، أسجل مرة ثانية إعجابي وتقديري ومحبتي للرائعة منى الشاذلي، وضروري أن أقول للسيد وائل لقد أظهرت بفجاجة حوارك روعة من سبقتك طبعا دون قصد!.
* أحاول أن أفهم سر الهجمة على العالم البديع زويل، هل لأنه عاد إلى مصر ليبني شيئا محترما بعد طول خراب؟ أم هي الغيرة من الإبداع؟ أم هي الفلول مازالت تطارد النجوم لتطفئها؟
* * *
طبقات فوق الهمس
* كان دمثا، متواضعا، متعاونا، الابتسامة لا تفارق محياه، صوته خفيض لا يكاد محدثه يسمعه، بعد فترة رقي ليكون أعلى الهرم الوظيفي على الكرسي الهزاز، وبدأ التغيير، الصوت الخفيض علا، مكان الابتسامة تكشيرة سوبر، الدماثة هاجرت ليكون تأنيب موظفه أمام الفراش أمرا عاديا، التواضع تلاشى وعلا مستوى الخشم كثيراً عما كان، انتفخ صدر الرجل وتغيرت مشيته الخجول، انتهى عهد الإفطار الودي الجماعي والتباسط، انتهت الوداعة وأصبحت (الوكرة) تسمع صوته إن تعكر مزاجه و(عصب) باختصار أصبح الرجل (واحد تاني) التمت الرؤوس المندهشة تسأل بعضها (وايش فيه) وجاء الجواب الشافي (أصله أخد الجنسية)!ّ!.
* كل يوم جديد يعني زمنا جديدا للبذر، كل صباح نخرج وفي أيدينا بذورنا (نوايانا) التي قد تطرح ورداً أو حنظلاً، شجراً ظليلاً أو شوكاً لا يحمي من هجير، مهم قبل أن نلقى بذورنا في شقوق الأرض أن ننقي النوايا ليخرج زرعنا بهجة تسر الناظرين.
* أي إدارة، أي وزارة لا تعرف البيروقراطية أو المركزية توقع أن تكون ثمار كل أعمالها مدهشة.
* الرقابة الشعبية مهمة جدا وهي الحل السحري الذي يوقف المخالفين ويضيع على الفاسدين فرصة استغلال مناصبهم.
* قال ينصح صديقه الساهي اللاهي الغارق في انشغالات فارغة لا تنتهي إن آخر دعاء لعمر رضي الله عنه في خطبته كان اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني في غرة، ولا تجعلني من الغافلين.
* وزير الخارجية الفرنسي (بدل ما ينكسف) ويعتذر عن الإساءة طالب بإغلاق القنوات الفضائية الدينية بدعوى أنها تذدري الأديان، ونقول للمحترم إذا كانت هذه القنوات تحرض على ازدراء الأديان فماذا نقول في القنوات الفاضحة المفضوحة التي تذدري الإسلام والمسلمين كلهم بالترويج للعري والقذارة والدعارة! "صحيح اللي اختشو ماتو".
* في العلاقات الإنسانية كثيراً ما يتحدثون عن (الجحود) الذي يكسر القلب، والذي قد يتألم كثيرون منه بفعل وجعه العظيم، لكن يظل أيضا ما لا يمكن أن يجحد كيف يمكن للواحد منا أن ينسى الذي واساه لحظة ألم، أو احتواه لحظة حزن، أو وقف خلفه كجدار لحظة انهيار، أو من كان له أهلا ووطنا وهو غريب بلا وطن؟ كيف ينسى الواحد منا من علم على قلبه بعلامات كالوشم لا تضيع، وسقى روحه بحنان أصفى من الشهد؟!
* الأمانة ليس لها شهود، ولا شيكات، ولا قسم، الأمانة ضمير الإنسان وأصله.
* بمناسبة الجحود أرى أنه من الجحود ألا أقدم تحية تليق بكل قسم التصحيح الذي يتفانى في ضبط إيقاع كل ما يكتب ليخرج في أبهى صورة، لقد لاحظت كم أن المجهود كان عظيما في رمضان من رصة الأعداد الكبيرة بملاحقها الكثيرة، الشكر موصول لكل أقسام الشرق العزيزة على مجهود لا يستهان به.
* دائماً الكاره يهدم، والمحب يبني.
* إذا تعذر أن تكون إلى جانب حبيبك وهو يتألم لا تنس الدعاء له.
* كيف لم أنتبه إلا اليوم إلى أن الهاتف ينقل مسرات قليلة وأحزاناً كثيرة كثيرة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3009
| 24 سبتمبر 2026