رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أن ينطلق بالأولاد إلى المدرسة نظر الزوج إلى زوجته الجميلة "قطر" نظرة حزن وشفقة، فقد أعياها المرض وأضاف إلى عمرها الحقيقي عدة سنين، حتى بدت وكأنها تخطت الأربعين، وهي لم تبلغ الثلاثين من عمرها حتى الآن. فهي عانت وتعاني من انسدادات مستمرة في بعض الأوردة والشرايين، أدت بها إلى إجراء عدة عمليات قسطرة حتى اليوم.
كانت شعلة من النشاط قبل إصابتها بالمرض، كانت بالإضافة لقيامها بمهامها كَرَبَّة بيت من الطراز الأول، تشتري احتياجات الأسرة الصغيرة، وتشارك بنشاط في خدمة أحد مراكز التأهيل الاجتماعي، وتعطي دروس تقوية لطلاب المدرسة القريبة من المنزل. واليوم لا تستطيع أن تركز على إنجاز شيء واحد في اليوم.
ودَّعت زوجها واحتضنت الأولاد وهي تلبس عباءتها، فموعدها اليوم مع طبيب استشاري زائر، قد يرى فيها ما قد يكون خفي على الأطباء الآخرين. فرغم أن المسافة للمستشفى لا تبعد أكثر من 3 كيلومترات (حوالي 10 دقائق بالسيارة) فإن "قطر" كانت حريصة على ألا يفوتها الموعد، فخرجت من المنزل قبل الموعد بـ 45 دقيقة.
دخلت على الطبيب على استحياء، فقد كانت متأخرة عن موعدها بأكثر من نصف ساعة، بسبب زحمة المواصلات، ولصعوبة الحصول على موقف للسيارة، كما قالت. أغلق الطبيب ملفها بعد قراءته، وألقى عليها نظرة فاحصة، فعرف بعين الخبير، وعلى الرغم من مساحيق التجميل ومحاولتها التظاهر بأنها متماسكة، أن علتها أنهكتها.
طلب منها الجلوس ليستمع إليها، وهو يجس نبض تدفق الدم في عروق يدها البارزة، كان كما توقع ضعيفاً يتدفق بوتيرة أقل من الطبيعي. قالت: إنها تعاني من أزمات يومية في الصباح والمساء، تسبب لها ضيقاً في الصدر مع ألم في الرأس، وأحيانا تحس بتنمل في الأطراف، وإنها على الرغم من زيارتها لعدد من الأطباء، ومداواتها بعمليات القسطرة، وبعدد من العقاقير، فإن أياً منهم لم يستطع علاجها بشكل كامل، وإن ما تحصل عليه الآن أشبه بمسكنات لا تجدي نفعاً، وإنما تهدئها لفترات قصيرة، لتعود العلة بعدها بأشد منها مع مرور الأيام والشهور.
وضع الطبيب سماعته على قلبها، فتأكد له أن العلة قد تكون أكبر مما شخصه لها الأطباء في ملفها. قرر أن يجري لها فحصاً كاملاً، فيخضعها لجهاز رسم القلب، ليتعرف على مسببات ضعف تدفق الدم. أمضت جل ما تبقى من يومها بين المختبر وأقسام الأشعة المختلفة، لتنجز المطلوب منها. فموعدها القادم بعد يومين، وتحتاج إلى النتائج قبل أن ترى الطبيب مرة أخرى.
خرجت من المستشفى وهي منهكةٌ ومرهقةٌ، إلى درجة أنها نسيت أين أوقفت سيارتها. اتصلت بزوجها ليسعفها، فجاءها بعد حوالي الساعة ليوصلها للمنزل. شكرت زوجها واعتذرت له عن إخراجه من العمل، واضطراره للعودة مرة أخرى إليه. طمأنها بأن صحتها أولى من كل شيء، وأنه لن يرجع للمكتب نظراً لعدم جدوى قضاء ساعة أو ساعتين في الطريق، ثم الوصول إلى العمل على نهاية الدوام.
بعد يومين، كانت مع زوجها في عيادة الطبيب مرة أخرى.. جلست تستمع بإسهاب لما يقوله الطبيب، الذي بدأ بقوله: إنه يرغب أن يكون صريحاً معها في شرح علتها، والخيارات المتاحة لها للعلاج. العلة الأولى ـ كما قال ـ : أنها تعاني من التصلب العصيدي للشرايين أدى إلى عدة انسدادات في الأوردة الدموية، والثانية أن الأوردة الموصلة للقلب والخارجة منه تعاني من ترسبات دهنية، جعلت من الصعوبة للدم في الوصول للأجزاء الحيوية للجسم، بالمقدار الذي يحتاجه من الدم النقي، وهذا كان سبب صداع الرأس، وخاصة في الصباح، وإعياء شديداً في المساء، وتنمل الأطراف في بعض الأحيان.
كما أن الغدد المسماة "بالوكالات" تنتج وتفرز صفائح دموية أكثر بكثير من قدرة استيعاب الشرايين والأوردة. وأن علاجها يكمن في إجراء عمليات قسطرة لعدد من الشرايين، كما يحتاج الجسم لتوصيلات جديدة لتخطي الاختناقات في بعض الأجزاء من الجسم، وخاصة ما يتعلق بأضخم شريان بالجسم وهو الشريان الأميري الممتد بين أذين الوكرة وبطين الخور. واسترسل الطبيب ـ وهو يتحدث للزوج بصوت خافت حتى لا تسمع الزوجة ـ: التدخل الجراحي لعلاج زوجتك بات ضرورياً لتفادي احتمال إصابتها بذبحة صدرية مميتة أو جلطة دماغية، قد تسبب شللاً لبعض أجزاء الجسم.
نظر الزوج إلى زوجته الحبيبة ثم إلى الطبيب، وهو يقول: لقد كنت أقول للأطباء الآخرين: إن الادوية والمهدئات والقسطرات لا تجدي شيئاً، إلا أنهم كانوا مصرين على رأيهم، وكانت نظرتهم قصيرة في عدم التفكير بعلاج جذري للمشكلة، وكان جل تركيزهم على إزالة الاختناقات باستخدام القسطرة، مع أن الإزالات السابقة لم تأتِ بالنتيجة المرجوة.
طمأن الطبيب الزوجين بقوله: إن العلاجات الحديثة لهذا النوع من الأمراض باتت متوافرة، فكل ما نحتاجه هو تسليك مرور الدم عبر الصمامات، لتكون أحادية الاتجاه وتركيب شرايين تاجية تتخطى مواقع الاختناقات والترسبات الدهنية، لتساعد في إبقاء جريان الدم بتدفقاته الطبيعية بدون أي عوائق. ثم إن هناك حلولاً إضافية؛ تتمثل في تسليك وتوسيع الشعيرات الدموية الأخرى، لتساعد على إيصال الدم بالكميات التي تحتاجها الأطراف المعنية.
ابتسم الزوج في وجه زوجته قبل أن يقطع ابتسامته الطبيب بقوله: إنه لن يستطيع أن يجري الجراحة اللازمة، حيث إن فترة انتدابه وزيارته للمستشفى ستنتهي بنهاية الأسبوع، وإن عليه مراجعة المسؤولين والأطباء للاتفاق على الخطوة التالية بشأن العلاج.
الحكاية لم تنتهِ بعد، وأنا لا أعرف نهايتها للأسف. وأرجو أن تكونوا فهمتم المقصد فيما كتبته سابقاً، وإلا أعيدوا القراءة، وفي بالكم أن المريضة هي "قطر" وأن الشرايين والأوردة هي شوارع قطر، وما تعانيه من ازدحامات مرورية يومية، تكاد تخنق الدولة، وتسبب لها جلطة اقتصادية.
للأسف ليس في الأفق ـ حتى الآن ـ أي حل لهذه المشكلة المرشحة للاستفحال بشكل أكبر مع ازدياد عدد السكان. وإذا اعتقد المسؤولون أن الانتهاء من توسيع الاختناقات المرورية، وتحويل الدوائر إلى إشارات، أو إن شبكة المترو ستكون حلاً للمشكلة، فعليهم أن يعيدوا التفكير مرة أخرى قبل أن يفاجئهم المستقبل المنظور.
فحسب معلومات من ادارة المرور فإن عدد السيارات الجديدة التي يتم تسجيلها شهريا أكثر من 4 آلاف سيارة، أي 48 ألف سيارة سنويا. فهل لشوارعنا القدرة على استيعاب هذا العدد سنويا.
لا ينكر أحد حجم الاستثمار الذي قامت به الدولة في قطاعات تطوير الغاز والبترول وبناء المطار والميناء والمدارس والمستشفيات والكثير غيرها، والتي ستعود بالخير على المواطن ورفاهيته، إلا أنها — برأيي الشخصي — لم تدرك أهمية المواصلات، في ربط كل هذه الاستثمارات باستفادة الوطن والمواطن منها..
فما مدى استفادة الطالب من التعليم، وهو يقوم الساعة الرابعة صباحاً، ليركب الباص، فيدور فيه، أكثر من ساعتين قبل الوصول للمدرسة، ثم مثلهما في العودة؟ ما استفادة الدولة من موظف يصل إلى العمل، وهو مرهق و"منرفز" من قيادة السيارة ومجاراة السائقين في الحصول على أحقية المرور أمام الدوارات والإشارات؟ كم ساعة تتطلبها الشاحنة في انتقالها من الميناء إلى المنطقة الصناعية، مع احتساب أوقات حظر دخولها في ساعات الذروة؟ ما القيمة الاقتصادية للأوقات المهدورة بالاختناقات المرورية التي تشهدها الدولة يومياً صباحاً ومساءً؟
لا يوجد أدنى شك أن هناك تكلفة باهظة تتحملها الدولة جراء الاختناقات المرورية، وتشمل جوانب عديدة؛ اقتصادية، واجتماعية، وصحية وبيئية. فعلى سبيل المثال: أثبتت دراسة أجراها معهد تكساس للنقل، أن خسارة الولايات المتحدة الأمريكية من وقود السيارات من جراء ازدحام الطرق، يقدر بـ 67 بليون دولار سنوياً. كما أن تقدير تكلفة الاختناقات المرورية في كندا 6 بلايين دولار سنوياً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تستطيع جهة ما أن تحسب تكلفة الاختناقات المرورية على اقتصاد الدولة؟
الموضوع ـ باختصار ـ أن المواصلات أصبحت ألماً ووجع رأس الوطن والمواطن، حتى بات الحديث عن المرور والازدحامات وأعمال الطرق هي الحديث الدائم في مجالس قطر. وأن الدوحة تحتاج إلى شبكة طرق سريعة، تقطع العاصمة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها بدون دوارات، وبدون إشارات، وبدون رجال شرطة يقفون لتنظيم المرور، فإما هذا وإلا فلا.. وسلامتكم.
◄ فاصلة أخيرة:
أصبح من المتعارف عليه عالمياً عن البريطانيين، أن أي لقاء يبدأ عادةً بالحديث عن الطقس. في قطر.. يبدأ أي لقاء بالاعتذار عن التأخر، بسبب الزحمة والاختناقات المرورية!!!!
التوكل على الله
نسمع كثيرا عمن لا يخطط تخطيطا دقيقا قبل الإقدام على موضوع معين، مع وجود نواقص في دراسته أو... اقرأ المزيد
81
| 10 أبريل 2026
الطاقة الشمسية المنزلية في قطر.. عائد المواطن
مع تسارع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تبرز الطاقة الشمسية المنزلية كأحد الحلول الذكية لتقليل استهلاك الكهرباء وتحقيق... اقرأ المزيد
159
| 10 أبريل 2026
الطامة الكبرى
نعيش اليوم مرحلة مؤلمة ومقلقة في ظل ما شهدته المنطقة من تصاعد في الاعتداءات والانتهاكات، التي طالت الأبرياء... اقرأ المزيد
204
| 10 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
9972
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3168
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1530
| 06 أبريل 2026