رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زيارة إلى سريلانكا برفقة مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، تم افتتاح المرحلة الأولى من مشروع مدينة الشيخ جاسم في محافظة "منار" الإسلامية في سريلانكا، وبلغ عدد الوحدات السكنية في المرحلة الأولى 446 وحدة سكنية، وتم توزيعها على 6 قرى منها قرية نورة بنت محمد محمود وتضم 100 وحدة سكنية عن طريق مؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية "راف"، و150 وحدة سكنية عن طريق منظمة الأمم المتحدة للإسكان، و17 وحدة سكنية عن طريق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الدولة، وذلك بالتعاون مع سفارة قطر في العاصمة السريلانكية كولومبو، ونصيب الأسد قامت به مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية حيث تبرعت بـ 179 وحدة سكنية بمجموع يصل لـ 446 وحدة سكنية هي نتاج المرحلة الأولى من مشروع مدينة الشيخ جاسم السكنية النموذجية في سريلانكا.
كان السفر يوم الخميس الموافق الثالث عشر من الشهر الجاري، واليوم الذي يليه الجمعة كان موعد الافتتاح حيث قامت مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية باستئجار هليكوبتر لتقوم بنقلنا إلى محافظة "منار" ذات الغالبية المسلمة، والتي قام نمور التاميل بتشريد أهلها وطردهم من بيوتهم ومزارعهم وممتلكاتهم، ولم يستطيعوا أن يأخذوا معهم أبسط الأمور كالملابس الخاصة بهم، وأُذكِّر حتى يعي القارئ الكريم حجم الظلم والذل الذي وقع بإخواننا المسلمين هناك أنها تمّت في عام 1990م حتى عام 2009م، أي ما يقارب العشرين عاما وهم يتوسدون الأرض ويلتحفون السماء ويغتسلون بماء المطر، ولم تقف معهم لا حكومات ولا منظمات إلا ما ندر، وبعد أن تولى الرئاسة الرئيس الحالي، حاول القضاء على المتمردين، وإدخال الأمن والأمان إلى كل فئات الشعب السريلانكي بكل أطيافه، وعند عودة معظم اللاجئين لم يجدوا لهم بيوتا أو ممتلكات أو أي شيء يمكن أن يدل على مسكن أو مسجد أو أي شيء آخر، بل وصل الأمر إلى طمس معظم المعالم للقرى والمناطق، فكانت الوقفة العظيمة للجمعيات الخيرية القطرية وعلى رأسها مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، التي قامت بأخذ المبادرة والعمل على إعادة المسلمين إلى ديارهم ومناطقهم، والمساهمة في أن تدب الحياة مرة أخرى في نفوس أهل المناطق والقرى، ولتكون رسالة لمن تخلّف للعودة إلى دياره بكل أريحية ويسر وسهولة، وقد كان لمؤسسة "راف" دور ومساهمة فعالة في البناء وإعادة الإعمار أيضا، وقد كانت جمعية الشيخ عيد حاضرة في محاولة منها لدراسة الأوضاع لتحديد نوعية المشاركة في المستقبل، وكذلك مؤسسة الأصمخ للأعمال الخيرية، وكان هناك حضور لمنظمة الدعوة الإسلامية، وجميعها تصب في المشاركة والاحتفال بافتتاح المرحلة الأولى، والتي امتزجت فيها الدموع بالضحك عند كل مشروع على حدة، فمن افتتاح للوحدات السكنية للمساجد والمدارس والمراكز الصحية، وكان الاستقبال عند كل مشروع بالورود كما هي العادة السريلانكية في كل فعالية للترحيب بالضيوف، والأجمل أن المشروع كما أوضح السيد سعيد مذكر الهاجري الرئيس التنفيذي لمؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، يأتي انطلاقا من توجهات القيادة الرشيدة وما أخذته دولة قطر على عاتقها من مساعدة ومساندة الشعوب التي عانت من ويلات الحروب والصراعات، التي ألحقت الضرر بالجميع في المناطق المنكوبة، وهذا ما تم العمل عليه وذلك بالتنسيق مع الحكومة السريلانكية في محاولة من المؤسسة في إعادة إسكان ما يقارب عشرين ألف نازح سريلانكي شردتهم الحروب من مناطقهم في محافظة "منار"، كما أكّد على أن التعاون الذي حصل بين مؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية والجمعيات الأخرى، انطلاقة نحو ترسيخ قواعد العمل الخيري المشترك بين مؤسسات المجتمع المدني وبين الحكومات والجهات الرسمية بهدف تحقيق التنمية المستدامة للشعوب، خاصة تلك المناطق التي تحتاج إلى مد يد العون إليها.
والجميل الذي أفرحني ما وجدته من فرح وسرور على ملامح أهل محافظة "منار" حصول العائلة على مسكن خاص بها ومزرعة بمساحة 2500م، حتى تستغل كل عائلة هذه المساحة للزراعة أو الاستثمار، ويكون لها مصدر دخل ثابت تستطيع من خلاله العيش والاعتماد على نفسها دون مد اليد للآخرين، وقد أوضح الهاجري أن هذا المشروع والمساحة التي تم طلبها من الحكومة للعوائل المسلمة، هي في الأساس المشروع الرئيسي، لأنه وكما أوضح أن رؤية المؤسسة تتمثل في (التمكين والبناء والتنمية) حتى تتحقق الحياة الكريمة نحو مستقبل أفضل، فمن خلال هذه الرؤية أستطيع أن أقول بكل ثقة هذا هو المطلوب من الجمعيات الخيرية القطرية، فليس المطلوب أن تقدم مأوى دون أن تحاول أن تضمن مصدر دخل ثابت؛ حتى تستفيد العوائل من المِنح التي حصلت عليها، وإن لم تتوافر فمن المؤكد أن هناك من المتربصين بهم من يحاولون شراء منازلهم ومزارعهم بأبخس الأثمان، وبالتالي تذهب جميع هذه الأعمال هباء منثورا، ولكن عند العمل والمحاولة على إيجاد فرص السكن مع فرص ربطها بمصدر دخل ثابت سيجعل كل عائلة استفادت من هذه المشاريع الخيرية تتمسك بما حصلت عليه، فقد أوضح السيد الهاجري أن التفاوض تم مع الحكومة السريلانكية بأن يتم تخصيص 2500م لكل عائلة، وأن تستفيد من الأرض بزراعتها أو استثمارها، كما تم التوصل مع الحكومة السريلانكية أيضا إلى أن تقوم ببناء المدارس والمراكز الصحية والبنية التحتية، وتتحمل المؤسسة وبعض الجمعيات الأخرى بناء الوحدات السكنية، وهذا ما تم بالفعل تنفيذه، كما أن التوزيع تم ترتيبه بين الحكومة والمؤسسة، وقامت الحكومة بتسجيلها بأسماء المستفيدين وتسلمت المؤسسة صور شهادات التسجيل حفاظا على حقوق المستفيدين.
انتهت المرحلة الأولى بتسليم 446 وحدة سكنية لمستحقيها، وتم التوقيع بعد حفل الافتتاح بيوم على المرحلة الثانية والتي ستشمل بإذن الله 554 وحدة سكنية، والعدد الإجمالي سيتم تنفيذه على أربع مراحل ليصل عدد الوحدات السكنية في نهاية المشروع إلى 2000 وحدة سكنية، وقد لمس أعضاء الوفد المشارك فرحة الشعب السريلانكي، وكما قال لي خطيب صلاة الجمعة بعد الافتتاح: أشكر قطر دولة وحكومة وشعبا ولا ننسى الدور المهم للجمعيات الخيرية القطرية التي أصبحت مضربا للمثل فيما تقدمه وتعمل عليه، وأريد أن أقول لك إن كل وحدة سكنية بالنسبة لنا أهم من بناء المساجد والخدمات، لأن من تتوافر لهم المساكن يستطيعون الصلاة في أي مكان، كما أن المدارس والمراكز الصحية تأتي في المرتبة الثانية حتى يتعلم أبناؤنا وبناتنا ويتسلحوا بالعلم والعمل، ويكون لهم دور مثل السيد إرشاد بدرالدين.
والسيد إرشاد بدرالدين هو وزير التجارة والصناعة في الحكومة السريلانكية، وهو أحد أبناء المنطقة الذين تم طردهم منها، ولكنه بالعلم والعمل أصبح عضوا في مجلس البرلمان ووزيرا للتجارة والصناعة، وقد كان في استقبالنا منذ اللحظة الأولى، وملازما لنا في جميع تحركاتنا حتى توديعنا مرة أخرى في المطار، وكان نشيطا وحيويا لدرجة أنني أشك أنه لم ينم منذ وصلنا حتى عودتنا إلا ساعات معدودة، وقد شاهدت سعادة الوزير ودموعه تنهمر عند افتتاح بعض المشاريع في ذلك اليوم.
كلما أحاول أن أنهي المقال أتذكر بعض الصور المؤثرة والتي أُحب أن أذكرها جميعا، لكن المجال لا يتسع، وسوف أسرد هنا قصة للعبرة، فعند حفل الافتتاح ألقى كل من السيد إرشاد بدرالدين وزير التجارة والصناعة كلمة ثم تحدث السيد سعيد الهاجري الرئيس التنفيذي لمؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية، ثم الدكتور عايض القحطاني مدير عام مؤسسة (راف)، ولا تسمع إلا التكبير والتصفيق من الحضور، وشد انتباهي إحدى السيدات التي لم أستطع رؤية وجهها لتغطيتها بيديها من شدة البكاء، وعند سؤالي للشيخ السريلانكي، الذي يجيد اللغة العربية عن سبب بكائها وقد تبادر إلى ذهني أنها تريد مساعدة ولم يسمح لها الحرس بالاقتراب نحونا، قلت له انظر ما بها، وعند عودته أخبرني أنها لا تريد شيئا بل أخذت تدعو لكم بالخير والبركة وأن يحفظ الله قطر وأهلها من كل سوء، وهي تبكي فرحة بأنها رأت بأم عينيها إخوانها العرب والمسلمين ماثلين أمامها، وهي التي اعتقدت أنهم نسوهم في سريلانكا!! فكم كانت فرحتي بهذه الكلمات التي سمعتها وحزني أيضا لما كانت تشعر به!! لدرجة أنني كنت أتساءل مع نفسي هل كانت تشعر بهذه المشاعر منذ سنة؟ أم أكثر من ذلك بقليل؟ أم منذ تهجيرهم وتشريدهم عام 1990!!
قصة أخرى وأخيرة، فعند الانتهاء من الاحتفال التقيت أحد الإخوة السريلانكيين، ويتحدث العربية بطلاقة، وقد زار دول الخليج كثيرا، وقال بما معناه أُحب أن أشكر دولة قطر ومؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية على ما قاموا به وسيقومون به لاحقا، ويكفينا شرفا أن تكون المدينة باسم عربي هو "مدينة الشيخ جاسم" فقد فرحنا وبكينا كثيرا بهذا الاسم العربي على إحدى مناطقنا السريلانكية، والتي تم تغيير أسماء كثير من مناطقنا بأسماء لا صلة لنا بها، أسماء مخالفة لديننا ومعتقداتنا، واليوم بعد أن تم إطلاق اسم الشيخ جاسم عليها، تم نسف جميع الأسماء السابقة ويبقى اسم مدينة جاسم محليا ورسميا من الجهات الحكومية، وهو ما يؤكد هويتنا الإسلامية بإطلاق الأسماء العربية، وفعلا فترديد اسم الشيخ جاسم كثيرا بلغتهم وفي خطاباتهم سوف يعمل على ترسيخ الاسم والمعتقد والدين أيضا.
الأهم من ذلك أن هذه الأعمال الخيرية عندما تكون في الدول التي تستحق وفيها من الإخوة والأخوات الذين يشاركوننا الدين والإنسانية، تكون ذات وقع في نفوس المستضعفين فيدعون من قلوب نظيفة بأن يحرس الله دولة قطر قيادة وحكومة وشعبا من كل سوء ومكروه... ونحن نُردد معهم آمين، فشكرا لمؤسسة جاسم وحمد بن جاسم الخيرية على هذه المشاريع الضخمة والكبيرة والمُختارة بعناية ودراسة؛ حتى يكون نفعها لهم ولمن بعدهم إن شاء الله، والشكر موصول لمؤسسة (راف) ولجميع الجمعيات الخيرية لما تقوم به من مشاريع خيرية لا تملك إلا أن تفتخر بها وبمن وراءها والعامل عليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1119
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
621
| 12 أكتوبر 2026