رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبيع (عنيك) بكام؟ مليون ريال؟ لأ، بثلالة؟ لأ، إيه رأيك في عشرة ملايين؟ برضه لأ، طيب بكم تبيع قدميك؟ أو وحيدك، أو حاسة سمعك أو شمك؟ بكم تبيع جهاز تنفسك؟ أو جهاز هضمك؟ عايز كام في أي عضو أو حاسة؟ آمر، اطلب، أراك لا ترد، إذن أنت مقتنع إلى حد اليقين بأنك أغنى بما تملك، وبأن المعروض عليك من ملايين لا يساوي شيئاً أمام ممتلكاتك الغالية من أعضاء عديدة تمكنك من النظر، والسمع، والمشي، والشم، والتنفس، وابتلاع ما تأكل، وهنا أسأل: هل نقدر حقيقة ما نملك؟ هل نشكر لله ما نحن فيه من نعم حرم غيرنا منها ليصبح ضرباً من الخيال أن نساوم عليها (لبيعها)؟ الحقيقة أننا لا نشكر، فكم مرت بنا ضوائق أعمتنا عن الشكر، وكم صادفتنا ابتلاءات حجبت عنا تقدير ما نحن فيه من نعم لا تقدر بثمن، أي ثمن! دائماً أبداً نفكر فيما ينقصنا لا ما في أيدينا، بل إن القلق والخوف من الآتي طالما أحرق جذور أعصابنا ودمر صلابتنا إذا ما بارت بضاعتنا، أو ضاعت أموالنا، أو كسرتنا البورصة، أو تعرضنا لما نكره فتفاقمت ديوننا، وادبر اليسر ليحتل العسر مكانه وانشغلنا حتى عن التفكير، بما يخرجنا مما نحن فيه بالألم، كثيرون منا تعرضوا لهزات مزلزلة فاستسلموا لقوة الضربة فلم يتماسكوا بل انفرط كل ما فيهم، وتكسر حاجز صد الهموم بأرواحهم، ربما غير عارفين بأن كل ما ذهب يمكن أن يعوض وأن بعد العسرين يسرا، وإننا جميعاً نملك الملايين بالقدرة على النظر، والمشي، والتذوق، والتنفس، وواثقة أنا الآن لو أنني أعدت سؤالك بكم تبيع عينيك لقلت ولا بملايين العالم، ربما لأنك فكرت للحظة في حالك وأنت تدور في ظلام دامس معزولاً عن حركة الكون تحتاج إلى من يأخذ بيديك مع كل خطوة، مع كل حركة، وفي وقت ينشغل فيه ناس الكون بهمومهم وربما لا وقت لديهم للاعتناء بأنفسهم فكيف وأنت هم مضاف لهمومهم؟ ستوقن حتماً الآن أنك ستعذب ألف مرة وأنت تحتاج إلى من ييسر لك حياة الظلام دون أن تجده، وسيعز عليك جداً أن تنادي فلا يسمعك أحد، باختصار أن تبصر النور، وتتحرك، وتمشي، وتتنفس ثروة لا تقدر بثمن، يعني كلنا مليونيرات والغريبة مش عارفين!! جميل أن نحسب في نهايات الأعوام ثرواتنا التي تفوق كل ما جمعته الجبال من الماس، وكل ما حوته خزائن الأرض من ذهب لنتصدق دفعاً للبلاء ولو بكلمة طيبة.
• طبقات فوق الهمس
• دخلت أحد مراكز التسوق فهالتني الاستعدادات المهولة والتحضيرات والمعروضات احتفالاً برأس السنة، الغريب أن المتسوقين كانوا منا، من الذين إذا دخل غيرهم جحر ضب تبعوهم وهم لا يدرون حتى الآن أننا في شهر صفر من السنة الهجرية الجديدة، (مالهم وطلع البدر علينا) عايزين فرفشة، أيوه فرفشة وسهرة حتى صياح الديك فيها حاجة دي؟!
• نسهو فيذكرنا مذكر، نبتعد فيقربنا واعظ، وقد نفرط فيرجعنا إلى الجادة صوت حق، تابعت فضيلة الداعية الشيخ محمد بن محمد المهدي وهو يتحدث في خطبة الجمعة عن حسرات يوم القيامة وينبه إلى أن الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه حذر من الغفلة وهو يقول (ما جلس قوم مجلساً لا يذكرون الله فيه ولا يصلون على نبيهم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة) لأن الغفلة يتبعها التفريط وصاحب السوء لا يرضى إلا أن يبعدك عن طاعة الله وذكره.. هذه الكلمات الطيبة نهديها للذين يحضرون من الآن لسهرة رأس السنة لعل وعسى.
• وأنت تنزع آخر ورقة من أوراق الرزنامة قد تسرح قليلاً في عمرك الذي ركض، وربما يكون سرحانك مثمراً أكثر من شهور طويلة ركضت منك وأنت تدور كما أنت مربوطاً في ساقية الحياة همك ما تجمع، وتوفر، وتبني، وتستثمر، همك مشاريعك دون أن تسأل مركبك الذي يمخر عباب العمر إلى أين أمضي؟ وإلى أي مآل أسير؟ (مش فاضي) تسأل وأنت المغمور بالانشغالات التي لا تحصى، وقد تخالف الركض فتقف للحظة لتسأل (أنا على فين رايح) لتعرف أنك المغبون الذي ما كان جل همه إلا يومه! قد تسأل ماذا تركت لأولادك من ضمانة بعدك؟ مال كثير؟ ومنذ متى كان المال هو الحماية، والضمانة، والأمان؟ ألم تزلزل الوفرة فلذات أكباد كثيرين فضيعتهم؟ كثيرون تركوا بعد ركض الأعوام مالاً كثيراً لكنهم في ذات الوقت تركوا ذرية فقيرة الدين والخلق والأمثلة كثيرة فضاع الذي جُمع كله، البعض تداركته الرحمة فصحح واستفاق وكثيرون هزوا أكتافهم فلم يعيروا ذلك الخاطر الذي برق في سؤال آخر العام أدنى أهمية إذ المهم جمع المال وتوريثه، ليس مهماً المآل، ولا ما يفعل المال بالعيال دون استرشاد بنفوس مضيئة وضيئة، المهم المال ثم المال ثم المآل، وليرحم الله العيال!
• في لحظة سرحانك وقد خلت الرزنامة من أوراقها قد تفكر في حالك مع الناس لتتجلى دروس الحياة التي علمتك أنك يمكن أن تكون فقير المال لكنك غني جداً بقلوب اخوان صدقوا في مودتك، وقد تفطن إلى أن المحبة ليست (دحلبة) وكلاماً جميلاً يقال، إنما هي مشاعر ضافية تبذل بسخاء لا يقدره إلا كريم، وقد تعرف أن الأصيل الأصيل هو ذلك الذي قد يغيب وقد أفرغت سلال الأيام بين يديك من الخير الكثير سعادة، وأفراحاً، واكتفاء، ورخاء بينما هو الموجود أبداً يوم تهزمك دمعة، أو يوجعك هم، أو يؤلمك كرب، أو يسورك حزن، وقد تراجع سلوكك في نهايات الأعوام فتتذكر أنك تعاليت على اعتذار وجب، أو تغاضيت عن رفقة صديق عنك ابتعد ولم تسع لاسترجاعه وقد حمدت له مواقف عديدة، قد تراجع سلوكك مع أصدقائك الخُلص لتستبين أنك جرحتهم بمواقف صعبة، أو كلمات تفلتت دون قصد احتملوها كارهين ليس لذلة فيهم، ولا لكرامة تنقصهم، وإنما وفاءً لعشرة العمر وصوناً للعيش والملح، في نهايات الأعوام وحساباتها قد تنتبه لآلام رفقتك الطيبة فتضمد، وتعتذر، تعترف بتقصيرك، وترد على الود الصافي بما يليق به، وقد تعترف بينك وبين نفسك بأنك تمتلك كنوزاً بالأوفياء لا تتكرر.
• في نهاية العام أضف إلى رزنامتك الجديدة ما تعلمه الأيام لنا..
• كل ما ينطلق لا يمكن إرجاعه! هل يدعونا ذلك إلى لجم ألسنتنا التي لن يوردنا المهالك إلا هي.
• تأكد، قدر قيمتك سيوجه النقد لك.
• الذين يهتمون بسمعتهم جداً يعلمون جيداً أنها ستكون ميراثاً لأولادهم قبل الدرهم والدينار.
• لا تدهش عندما يتخلى عنك كل الذين توقعتهم سنداً ورفداً، بينما يحتويك من لم تتوقع منه مروءة قط، إنها مفاجآت الأيام والأعوام!
• تعلم ألا تعطي أذنك لنمام يسعى بالقطيعة فقد يفسد عليك مروءتك وصلاتك، وصداقاتك، ويوقعك في إثم الاستماع إليه.
• قد يستغل البعض طيبتك بادعاء المحبة والتودد المبالغ فيه، كن فطناً واعلم أن لهذا الصنف منافعه التي يجنيها من تقربه إليك.
• افرح بكل صديق تضمه الأيام لصحبتك لأنه زهرة تهدى لك، رغم بستان الحياة القاحل.
• أشجان الوطن
• هل آن أن يسكت المتنطعون، والكاذبون، والمزايدون، والراقصون على كل حبل، والمهرجون، والمنافقون، والبائعون أوطانهم، والبلطجية المأجورون بعد أن صدر دستور مصر وقال الشعب كلمته، هل آن لجبهة (الإفلاس الوطني) أن تأكل لسانها وتسكت ليتنفس الوطن الذي قتلوه دون أدنى رحمة.
• يا عامنا الجديد شبعنا جراحاً.. نريد أمناً، وسلاماً، ومحبة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
3840
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
2802
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2490
| 04 مارس 2026