رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تكن مدينة الموصل يوما من الأيام، مبعث خطر أو قلق للعراق بشكل خاص، والعالم بشكل عام، بل كانت على الدوام منارًا للعلم، ووهجًا مشرقًا للإنسانية، لما تكتنزه من نسيج اجتماعي متحضر نقي، وعقول متنوعة من العلوم بكل أشكالها واختصاصاتها.
والموصل مدرسة من الطراز الأول لصناع الجندية وعلومها وفنونها العسكرية، ولهذا لقبت بـ"مدينة الرماح والحدباء وأم الربيعين وأم القلاع والعلا "، ومن أجل كل ذلك تآمر المتآمرون عليها، وامتدت يد الخيانة والغدر إليها، وتكالب الأعداء والأشرار على أهلها الطيبين؛ لينالوا من عليائها.
ستحتضن واشنطن في الأيام المقبلة اجتماعًا مهمًا يضم العشرات من وزراء الدفاع والخارجية؛ لتقييم معركة الموصل ضد تنظيم داعش، والتركيز بشكل متزايد على الجائزة الكبرى، المتمثلة بالقضاء على أكبر معقل للجماعات المسلحة في العراق. ولهذا يتحدث مسؤولون أمريكيون، وخبراء دوليون في الأمم المتحدة عن صعوبة المعركة، والخطورة الإنسانية التي ستنجم عنها جراء العمليات العسكرية فيها، حيث تقدر الإحصاءات الدولية وجود أكثر من مليوني نسمة فيها، فإذا كانت الفلوجة التي يقطنها ما يقرب (150) ألف نسمة، تعرضت لأبشع عملية قتل في تاريخ الإنسانية، فما بالكم بمدينة الموصل التي تحتضن هذا الخزين البشري الكبير، الذي لا يهم القاتل الأعداد التي سيقتلها بقدر ما يتحدث عن أن أكبر عملية إغاثة في التاريخ ستحصل فيها وحجم الكوارث التي ستشهدها.
أن الجميع يسعى لتحقيق غايته المنشودة من معركة الموصل، فالحكومة ليست لديها رؤية عسكرية واضحة المعالم، ورئيس الوزراء قد يراهن على مستقبله السياسي من خلال استجوابه، وسحب الثقة منه في حال استجاب للضغوط الخارجية، لأن جميع قيادات الحشد الشعبي لا توافق على مشاركة الأمريكان بهذه المعركة، وآخرون يرون أنها ستخلق أزمات وانقسامات سياسية خطيرة داخل البرلمان العراقي في حال شاركت القوات الأمريكية، وقد تكون الموافقة على مشاركة قوات البيشمركة الكردية في معركة تحرير الموصل، بمثابة الانتحار السياسي للعبادي، إذ ستزداد الصراعات الطائفية والعرقية بين "السنة والشيعة والأكراد"، وكل ما ذكر من تكهنات وتوقعات متوقفة على قدرة الجيش العراقي في استعادة السيطرة على المدينة دون "مساعدة لفترات طويلة وكبيرة" من قوات البيشمركة الكردية، والميليشيات الشيعية، التي ستعمق الخلاف، وتزيد من تعقيد الشارع العراقي المتأزم الذي يرنو إلى المصالحة الحقيقية، وليس إلى إثارة النعرات فيه.
ورغم أن المسؤولين العراقيين والأمريكيين لم يعلنوا جدولا زمنيا للتحرك نحو المدينة، إلا أن القوات العراقية المدعومة من قبل القوة الجوية الأمريكية استعادت قاعدة القيارة الجوية جنوب الموصل، التي ستكون مركز الخدمات اللوجستية للهجوم الرئيسي على المدينة، ولعل الجدل الأمريكي الذي يحيط بالجدول الزمني لهذه المعركة، يكمن في طبيعة المعركة، ومرحلة ما بعد تحريرها من قبضة تنظيم داعش، فالموصل والرقة قرينتان لبعضهما بعضا من حيث الأهمية للتنظيم، وهذا ما يعني أن معركة الموصل ستكون لها أبعاد إستراتيجية؛ وهذا ما يدفعنا للتساؤل ماذا بعد الموصل؟ وهل سيتكرر مشهد الفلوجة؟ أم أن لكل معركة أسلوبها وخططها، على اعتبار أن الموصل أكبر من الفلوجة بخمس مرات من حيث المساحة، وعدد السكان.
تقول الأمم المتحدة إنها تحتاج بشكل فوري إلى 280 مليون دولار لبدء الإمدادات المسبقة لتجهيز عشرات الآلاف من الخيام، ومئات العيادات الصحية المتنقلة، في ظل سيناريو أسوأ الحالات، عند بدء المعركة المتوقعة، مما يجعل مصير أكثر من مليون ونصف المليون مواطن مجهولًا، خصوصًا ونحن نتحدث عن معركة مفتوحة، وسيناريوهات متعددة ومصالح مختلفة لأكثر من جهة، وقد يفاجئنا "داعش" باستخدام أساليب جديدة في مواجهاته العسكرية ــ في حال خسر هذه المعركة المصيرية ــ ستنعكس بشكل قاس ومدمر على أبناء الموصل.
فليفهم القاصي والداني حجم المؤامرة على أبناء المحافظات السنية من خلال السماح للتنظيم بالاستيلاء عليها ليفعل فعلته؛ ثم يبدأ بتنفيذ مخطط إخراجه عن طريق العمليات العسكرية؛ لاستنزاف خزين المحافظات السنية البشري وتدمير بنيتها التحتية، كما هي الحال بالنسبة للمدن الشيعية التي ارتهن مصيرها بيد إيران، وميليشياتها التي تفجر السيارات الملغمة لقتل أبنائها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026