رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكما يقضي بأن حكم الدستورية العليا بشأن حل مجلس الشعب حكم ملزم للتنفيذ ونهائي، وبهذا وضعت حداً لحالة الخفة العقلية التي أصابت قانونيين وسياسيين تفسر وتشرح على هواها حكم المحكمة الدستورية، ووضعت حدا أيضا لحملة شنها نواب من جماعة الإخوان توحي بأن عودة مجلس الشعب أمر في حكم المنتهي وعلى الأقل عودة ثلثي المجلس.
أصدرت المحكمة حكمها على مرحلتين؛ الأولى صباح السبت 22 أغسطس وقضت بتأجيل الحكم في الدعوى المنظورة أمامها إلى منتصف أكتوبر، وأنهت حالة التوتر والتربص من المحامين المنتمين لجماعة الإخوان ومن جرى حشدهم بالمحكمة، وعادت للانعقاد الساعة الخامسة بعد الظهر لنظر دعوى أخرى في ذات الموضوع ولتعلن حكمها هذا، وكأن هيئة المحكمة أدارت معركة سياسية قضائية، لتتجنب حالة الانفلات الإخواني في مواجهة القضاء كما هو في كل الاتجاهات.
حالة "الخفة العقلية" والاستقواء بقاعدة "الحكم لمن غلب" سائدة الآن في مصر، وإذا كانت قضية حل مجلس الشعب وجدت السبيل لمواجهتها من القضاء وساعد تعدد الدعاوى في نفس الموضوع على ذلك، غير أن هذا غير متوفر في باقي المواجهات الجارية الآن في مصر.
الارتجال هو السمة السائدة في الأداء السياسي في مصر، ومحاولة إلباس الارتجال عباءة الدين هو خطأ وخطر، ولم يعد الأمر مجرد خطف الثورة، ولكن تم الانتقال بأطوار المرحلة الانتقالية ــ وانتخاب رئيس للجمهورية هو إجراء ضمن المرحلة الانتقالية التي تستهدف وضع الدستور الجديد ــ إلى محاولة خطف الدولة والنظام الواجب بناؤه بعد الثورة.
جدول أعمال التغيير في مصر من القضاء على بيئة الفساد إلى امتلاك مفهوم واضح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدل الاجتماعي، ومواجهة الخطر الخارجي المتمثل في إسرائيل، وخططها بالنسبة لسيناء والحصار الجغرافي والسياسي لمصر، تستلزم رؤية وأهدافا محددة وخطة إستراتيجية ممن يتصدى للعمل سواء في منصب الرئيس أو الحكومة أو المجالس النيابية، ومجرد الركون إلى إطلاق الشعارات أو التناحر سيدفع إلى انفجار في المجتمع أكثر خطورة من نظام الفساد.
ليس كافيا أن نخرج من حكم الاستبداد إلى حكم الدراويش، وليس كافيا التسامح والقول بأن من يعتلي كرسي السلطة يملك الحق المطلق بذاته كي يستعين بمن شاء، وليس من الكفر أن نسأل ماذا تعنون بأن هناك مشروعا للإسلام السياسي، فقد كشفت الوقائع والأحداث أن مشروعهم يؤدي إلى الفتنة الطائفية والسياسية والوصول إلى السلطة والتشريع باستغلال حاجات المواطنين، وأن لكل صوت ثمنا، وأن الرشاوى السياسية والانتخابية هي سبيلهم للسيطرة والتمكين.
نعم مصر تحتاج إلى حوار بين كافة الأطراف، وجهد كل الأطراف، ولكن السؤال الجوهري هل كل الأطراف ــ دون استثناء ــ مهيأة لهذا الحوار؟ وهل يملك أي منهم قدرة التعامل مع الآخر؟ أم أن الكافة يتحدثون عن مصر الوطن والشعب والمستقبل والدور دون امتلاك لرؤية ومشروع حضاري، وأن كلا منهم يرى أن الحل "هو" شخصه بذاته؟ وأن الكل لا يرى التاريخ كي يتعلم منه، بقدر ما يرى إمكانية الاستنساخ دون امتلاك أدواته ودون استيعاب حقائق العصر والإمكانات الوطنية ودلالة الاستقلال الوطني ومهامه في عصرنا الحالي.
العبث والخفة العقلية تشمل المواقف الجزئية والكلية معا، وصارت القضايا كقطع الفسيفساء المتنافرة والتي لا تصنع لوحة، بقدر صلاحيتها للتراشق وصناعة المواقف المتصارعة.
محاولة مريبة لإعادة قانون الطوارئ، ويبلغ الأمر بوزير العدل، وهو من قضاة الاستقلال!، أن يقول بأن قانون الطوارئ وارد في القرآن الكريم، قد يعني الرجل معنى غير الذي وصل للناس، ولكنه قالها، وكأن كل مطالبة بإلغاء قانون الطوارئ هي تناقض مع القرآن الكريم!! وذات الوزير كان من أوائل من هاجموا حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وهو أيضا يحمل في جعبته رؤية لإلغاء المحكمة الدستورية من هيكل القضاء، أمور بلغ فيها العبث مبلغه، كونها تتم دون رؤية كاملة للدستور والاستخفاف بالقضايا والمؤسسات غير عابئين بما يترتب على تلك المواقف.
وفي ذات الوقت تجرى محاولات لإصدار تشريع يجرِّم المظاهرات والإضرابات والاعتصام تحت عنوان تنظيمها، وهي تكرار لمحاولات سابقة لنواب من الإخوان، والآن تتكفل عناصر من الإخوان باستخدام الحجارة لفض الوقفات الفئوية كما حدث منهم في مواجهة موظفي الجامعات أمام الجامعات، وبدأت الداخلية في التعامل الأمني لفض الاعتصامات العمالية وتحويل العمال إلى النيابة العامة بادعاء أنهم يخربون منشآت عامة ويحولون دون استمرار العمل، وكأن الشعب استبدل داخلية الرئيس المنتخب بداخلية الرئيس المخلوع، وبدون محاولة لاستيعاب الأسباب والتعامل معها، بل الحل أمني وهو المنع والتجريم، وهذا لن يلغي قضايا المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، بل هو مرشح لانفجار الغضب.
الارتجال وغياب الرؤية والاكتفاء بأحاديث الدراويش يكاد يصيب الأمن القومي بصدع خطير.
ارتهن النظام السابق سيناء بيد معاهدة كامب ديفيد والترتيبات والإجراءات المتبادلة فوق الأرض التي جعلت سيناء قضية إسرائيلية يناقشها الكنيست الإسرائيلي أكثر منها قطعة مقدسة من كبد الوطن وليست زائدة دودية يمكن الاستغناء عنها، وفتحت سيناء لدخول الإسرائيليين دون حاكم أو ضابط، وصارت الأرض محل البيع والشراء، وعند البيع والشراء فالمال الصهيوني حاضر، وهو أقل كلفة من الحرب، وزرع النظام السابق فتنة بين المواطنين المصريين أهل سيناء وبين الدولة، وتجاهل إعمار الأرض، بل وتجاوز الأمر إلى اتهامات بالخيانة.
ولم يعالج نظام الارتجال الذي أعقب الثورة هذه الحالة، بل لم يتركها دون أن يزيد من حدتها، ودخل إلى مخاطرة كثعبان أسطوري مزدوج الرأس، فقد تولدت بؤر لجماعات دينية مسلحة، استقطبت من الداخل ومن الخارج عناصر يطلقون عليها الجهادية، ليعلنوا أن سيناء إمارة إسلامية، وتمثل الرأس الثاني للثعبان الأسطوري قي التعامل مع قضية حصار غزة بغير رشد واجب، وصارت حكومة حماس وكأنها ومكتب الإرشاد أصحاب القرار في شأن المعبر، واختزلت القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وآلامها في مجرد فتح معبر رفح بل وبلغ الأمر بالمرشد أن يطلب عدم إغلاق الأنفاق؟!، دون مسوغ حتى قانوني له للحديث في السياسة، فهو رئيس جمعية تابعة للشؤون الاجتماعية ولم توفق أوضاعها بعد، وطبقا للقانون ما كان لها أن ترشح أو تنتخب أو تدعو أو تتحدث عن حزب الحرية والعدالة بأنه الجناح السياسي لها، وهذا ما أورثه لنا ارتجال المجلس العسكري السابق.
رأسا الأفعى هما خطر داهم على الأمن القومي المصري في مواجهة عدو يرى أن أرض سيناء ضمن مشروع تبادل الأراضي وبديل للفلسطينيين في غزة عن الأراضي التي جرى احتلالها بعد 1967 ويجرى بناء المستوطنات فوقها.
والحديث عن جهاد إسلامي ينطلق من سيناء في مواجهة الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، هو حديث حق يراد به باطل، فهو البوابة الذهبية لصدام قادم حتما بين مصر وإسرائيل، وهذه التصرفات تضع الجيش المصري بين شقي رحى وتزج بمصر إلى صدام في غير توقيته، ودون الاستعداد له، والخطط الإسرائيلية جاهزة، وآلة الإعلام الصهيوني تجهز العالم بأن سيناء خارج السيطرة ومصدر للإرهاب وهناك حاجة لوقفه!، بينما التغني بالجهاد يشبه فحيح الأفاعي.
إسرائيل تحركت في جنوب مصر ونجحت في فصل جنوب السودان وهي تعمل بكل قوة في دارفور، ويمتد أداؤها إلى منابع النيل.
وإسرائيل موجودة في العراق وفي الشمال الكردي، وهي موجودة في الجنوب اللبناني وسوريا، بل إن إسرائيل موجودة في مياه بحر العرب والخليج العربي، وتكاد تحكم سيطرتها على مضيق باب المندب والذي كان مضيقا عربيا في حرب 1973، وهي تتحرك في اتجاه الوجود في ليبيا، بينما أدى الارتجال بمصر أن تصبح سيناء أرض اقتتال بين الجيش المصري وعناصر الإمارة الإسلامية.
الخفة العقلية والسياسية والدينية أودت بالحوار الداخلي إلى مقدمات الحرب الأهلية، رغم أن طبيعة الشعب المصري تحول دون تفاقمها، فكيف بالارتجال أن يواجه الحقائق فوق أرض سيناء.
إن كانت الخفة العقلية ألمت بالمواقف من حكم المحكمة الدستورية وقانون الطوارئ والتظاهرات والإضرابات وبلغت حد محو جداريات الجرافيتي التي كانت تسجل قصة الثورة والشهداء، وعجزت عن حل مشكلة إدارية بين جامعة النيل وجامعة زويل حتى صار البحث العلمي محل صراع يحسمه الأمن المركزي، فإن حالة الارتجال والعناد والاستكبار أصابت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وصار كالحمل خارج رحم الأمة، إيذانا بمولود مبتسر بعيدا عن إرادة المجتمع وقواه الاجتماعية.
إن الرؤية التي تحتاجها مصر للتنمية والعدالة الاجتماعية تنبع من داخلها، ولا يجري البحث عنها عبر مواقف جزئية في خارجها.
إن خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ داخليا، تفتح أمام الخطر الخارجي أميالا معبدة دون جهد منه لتحقيق أهدافه، وتزيد من حالة الانقسام الداخلي إلى حد الصدام وليس التنوع والحوار.
إن استمرار الحديث عن صراع بين إسلاميين وغير إسلاميين هو نوع من خداع النفس، إن ما نواجهه هو حالة من العجز عن رؤية العصر ومواجهة تحدياته، وهو إجهاض للإرادة الوطنية التي صنعت الثورة وتجاوزت كل الأيديولوجيات.
خطر الارتجال والاستخفاف بالعقول والعناد مع الحقائق يعجل بمواجهة عسكرية مع العدو الإسرائيلي، وفي حده الأدنى تسليم لإرادة خارجية لا يعنيها وحدة الوطن.
الجمعية التأسيسية للدستور لكل المصريين، ودستور مصر ليس مجرد صياغات، بل هو إرادة شعب، ولا يجب القبول بالاستفتاء عليه بقاعدة الزيت والدقيق والبطاطس.
والقضية الفلسطينية ليست قضية حكم ذاتي تحت الاحتلال، وتقسيم فلسطين إلى شمالية وجنوبية بين فتح وحماس، ولكنها قضية الوجود العربي، قضية شعب وليست قضية معبر.
والمواجهة مع إسرائيل ليست رعونة، هجمة هنا وهجمة هناك، بادعاء أداء واجب حرب العدو المقدسة، لتهدر إرادة وطن وأمنه وواجب حماية الأرض والشعب والمصالح.
الاقتتال فوق أرض سيناء يؤكد من جديد ضرورة بناء جيش وطني قوي، مؤهل للدفاع عن الأرض والشعب وحماية الدستور، ويفرض استعادة السيادة فوق أرض سيناء المقدسة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026