رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصدرت المحكمة الإدارية العليا في مصر حكما يقضي بأن حكم الدستورية العليا بشأن حل مجلس الشعب حكم ملزم للتنفيذ ونهائي، وبهذا وضعت حداً لحالة الخفة العقلية التي أصابت قانونيين وسياسيين تفسر وتشرح على هواها حكم المحكمة الدستورية، ووضعت حدا أيضا لحملة شنها نواب من جماعة الإخوان توحي بأن عودة مجلس الشعب أمر في حكم المنتهي وعلى الأقل عودة ثلثي المجلس.
أصدرت المحكمة حكمها على مرحلتين؛ الأولى صباح السبت 22 أغسطس وقضت بتأجيل الحكم في الدعوى المنظورة أمامها إلى منتصف أكتوبر، وأنهت حالة التوتر والتربص من المحامين المنتمين لجماعة الإخوان ومن جرى حشدهم بالمحكمة، وعادت للانعقاد الساعة الخامسة بعد الظهر لنظر دعوى أخرى في ذات الموضوع ولتعلن حكمها هذا، وكأن هيئة المحكمة أدارت معركة سياسية قضائية، لتتجنب حالة الانفلات الإخواني في مواجهة القضاء كما هو في كل الاتجاهات.
حالة "الخفة العقلية" والاستقواء بقاعدة "الحكم لمن غلب" سائدة الآن في مصر، وإذا كانت قضية حل مجلس الشعب وجدت السبيل لمواجهتها من القضاء وساعد تعدد الدعاوى في نفس الموضوع على ذلك، غير أن هذا غير متوفر في باقي المواجهات الجارية الآن في مصر.
الارتجال هو السمة السائدة في الأداء السياسي في مصر، ومحاولة إلباس الارتجال عباءة الدين هو خطأ وخطر، ولم يعد الأمر مجرد خطف الثورة، ولكن تم الانتقال بأطوار المرحلة الانتقالية ــ وانتخاب رئيس للجمهورية هو إجراء ضمن المرحلة الانتقالية التي تستهدف وضع الدستور الجديد ــ إلى محاولة خطف الدولة والنظام الواجب بناؤه بعد الثورة.
جدول أعمال التغيير في مصر من القضاء على بيئة الفساد إلى امتلاك مفهوم واضح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدل الاجتماعي، ومواجهة الخطر الخارجي المتمثل في إسرائيل، وخططها بالنسبة لسيناء والحصار الجغرافي والسياسي لمصر، تستلزم رؤية وأهدافا محددة وخطة إستراتيجية ممن يتصدى للعمل سواء في منصب الرئيس أو الحكومة أو المجالس النيابية، ومجرد الركون إلى إطلاق الشعارات أو التناحر سيدفع إلى انفجار في المجتمع أكثر خطورة من نظام الفساد.
ليس كافيا أن نخرج من حكم الاستبداد إلى حكم الدراويش، وليس كافيا التسامح والقول بأن من يعتلي كرسي السلطة يملك الحق المطلق بذاته كي يستعين بمن شاء، وليس من الكفر أن نسأل ماذا تعنون بأن هناك مشروعا للإسلام السياسي، فقد كشفت الوقائع والأحداث أن مشروعهم يؤدي إلى الفتنة الطائفية والسياسية والوصول إلى السلطة والتشريع باستغلال حاجات المواطنين، وأن لكل صوت ثمنا، وأن الرشاوى السياسية والانتخابية هي سبيلهم للسيطرة والتمكين.
نعم مصر تحتاج إلى حوار بين كافة الأطراف، وجهد كل الأطراف، ولكن السؤال الجوهري هل كل الأطراف ــ دون استثناء ــ مهيأة لهذا الحوار؟ وهل يملك أي منهم قدرة التعامل مع الآخر؟ أم أن الكافة يتحدثون عن مصر الوطن والشعب والمستقبل والدور دون امتلاك لرؤية ومشروع حضاري، وأن كلا منهم يرى أن الحل "هو" شخصه بذاته؟ وأن الكل لا يرى التاريخ كي يتعلم منه، بقدر ما يرى إمكانية الاستنساخ دون امتلاك أدواته ودون استيعاب حقائق العصر والإمكانات الوطنية ودلالة الاستقلال الوطني ومهامه في عصرنا الحالي.
العبث والخفة العقلية تشمل المواقف الجزئية والكلية معا، وصارت القضايا كقطع الفسيفساء المتنافرة والتي لا تصنع لوحة، بقدر صلاحيتها للتراشق وصناعة المواقف المتصارعة.
محاولة مريبة لإعادة قانون الطوارئ، ويبلغ الأمر بوزير العدل، وهو من قضاة الاستقلال!، أن يقول بأن قانون الطوارئ وارد في القرآن الكريم، قد يعني الرجل معنى غير الذي وصل للناس، ولكنه قالها، وكأن كل مطالبة بإلغاء قانون الطوارئ هي تناقض مع القرآن الكريم!! وذات الوزير كان من أوائل من هاجموا حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وهو أيضا يحمل في جعبته رؤية لإلغاء المحكمة الدستورية من هيكل القضاء، أمور بلغ فيها العبث مبلغه، كونها تتم دون رؤية كاملة للدستور والاستخفاف بالقضايا والمؤسسات غير عابئين بما يترتب على تلك المواقف.
وفي ذات الوقت تجرى محاولات لإصدار تشريع يجرِّم المظاهرات والإضرابات والاعتصام تحت عنوان تنظيمها، وهي تكرار لمحاولات سابقة لنواب من الإخوان، والآن تتكفل عناصر من الإخوان باستخدام الحجارة لفض الوقفات الفئوية كما حدث منهم في مواجهة موظفي الجامعات أمام الجامعات، وبدأت الداخلية في التعامل الأمني لفض الاعتصامات العمالية وتحويل العمال إلى النيابة العامة بادعاء أنهم يخربون منشآت عامة ويحولون دون استمرار العمل، وكأن الشعب استبدل داخلية الرئيس المنتخب بداخلية الرئيس المخلوع، وبدون محاولة لاستيعاب الأسباب والتعامل معها، بل الحل أمني وهو المنع والتجريم، وهذا لن يلغي قضايا المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، بل هو مرشح لانفجار الغضب.
الارتجال وغياب الرؤية والاكتفاء بأحاديث الدراويش يكاد يصيب الأمن القومي بصدع خطير.
ارتهن النظام السابق سيناء بيد معاهدة كامب ديفيد والترتيبات والإجراءات المتبادلة فوق الأرض التي جعلت سيناء قضية إسرائيلية يناقشها الكنيست الإسرائيلي أكثر منها قطعة مقدسة من كبد الوطن وليست زائدة دودية يمكن الاستغناء عنها، وفتحت سيناء لدخول الإسرائيليين دون حاكم أو ضابط، وصارت الأرض محل البيع والشراء، وعند البيع والشراء فالمال الصهيوني حاضر، وهو أقل كلفة من الحرب، وزرع النظام السابق فتنة بين المواطنين المصريين أهل سيناء وبين الدولة، وتجاهل إعمار الأرض، بل وتجاوز الأمر إلى اتهامات بالخيانة.
ولم يعالج نظام الارتجال الذي أعقب الثورة هذه الحالة، بل لم يتركها دون أن يزيد من حدتها، ودخل إلى مخاطرة كثعبان أسطوري مزدوج الرأس، فقد تولدت بؤر لجماعات دينية مسلحة، استقطبت من الداخل ومن الخارج عناصر يطلقون عليها الجهادية، ليعلنوا أن سيناء إمارة إسلامية، وتمثل الرأس الثاني للثعبان الأسطوري قي التعامل مع قضية حصار غزة بغير رشد واجب، وصارت حكومة حماس وكأنها ومكتب الإرشاد أصحاب القرار في شأن المعبر، واختزلت القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها وآلامها في مجرد فتح معبر رفح بل وبلغ الأمر بالمرشد أن يطلب عدم إغلاق الأنفاق؟!، دون مسوغ حتى قانوني له للحديث في السياسة، فهو رئيس جمعية تابعة للشؤون الاجتماعية ولم توفق أوضاعها بعد، وطبقا للقانون ما كان لها أن ترشح أو تنتخب أو تدعو أو تتحدث عن حزب الحرية والعدالة بأنه الجناح السياسي لها، وهذا ما أورثه لنا ارتجال المجلس العسكري السابق.
رأسا الأفعى هما خطر داهم على الأمن القومي المصري في مواجهة عدو يرى أن أرض سيناء ضمن مشروع تبادل الأراضي وبديل للفلسطينيين في غزة عن الأراضي التي جرى احتلالها بعد 1967 ويجرى بناء المستوطنات فوقها.
والحديث عن جهاد إسلامي ينطلق من سيناء في مواجهة الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين، هو حديث حق يراد به باطل، فهو البوابة الذهبية لصدام قادم حتما بين مصر وإسرائيل، وهذه التصرفات تضع الجيش المصري بين شقي رحى وتزج بمصر إلى صدام في غير توقيته، ودون الاستعداد له، والخطط الإسرائيلية جاهزة، وآلة الإعلام الصهيوني تجهز العالم بأن سيناء خارج السيطرة ومصدر للإرهاب وهناك حاجة لوقفه!، بينما التغني بالجهاد يشبه فحيح الأفاعي.
إسرائيل تحركت في جنوب مصر ونجحت في فصل جنوب السودان وهي تعمل بكل قوة في دارفور، ويمتد أداؤها إلى منابع النيل.
وإسرائيل موجودة في العراق وفي الشمال الكردي، وهي موجودة في الجنوب اللبناني وسوريا، بل إن إسرائيل موجودة في مياه بحر العرب والخليج العربي، وتكاد تحكم سيطرتها على مضيق باب المندب والذي كان مضيقا عربيا في حرب 1973، وهي تتحرك في اتجاه الوجود في ليبيا، بينما أدى الارتجال بمصر أن تصبح سيناء أرض اقتتال بين الجيش المصري وعناصر الإمارة الإسلامية.
الخفة العقلية والسياسية والدينية أودت بالحوار الداخلي إلى مقدمات الحرب الأهلية، رغم أن طبيعة الشعب المصري تحول دون تفاقمها، فكيف بالارتجال أن يواجه الحقائق فوق أرض سيناء.
إن كانت الخفة العقلية ألمت بالمواقف من حكم المحكمة الدستورية وقانون الطوارئ والتظاهرات والإضرابات وبلغت حد محو جداريات الجرافيتي التي كانت تسجل قصة الثورة والشهداء، وعجزت عن حل مشكلة إدارية بين جامعة النيل وجامعة زويل حتى صار البحث العلمي محل صراع يحسمه الأمن المركزي، فإن حالة الارتجال والعناد والاستكبار أصابت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وصار كالحمل خارج رحم الأمة، إيذانا بمولود مبتسر بعيدا عن إرادة المجتمع وقواه الاجتماعية.
إن الرؤية التي تحتاجها مصر للتنمية والعدالة الاجتماعية تنبع من داخلها، ولا يجري البحث عنها عبر مواقف جزئية في خارجها.
إن خطوة واحدة في الاتجاه الخاطئ داخليا، تفتح أمام الخطر الخارجي أميالا معبدة دون جهد منه لتحقيق أهدافه، وتزيد من حالة الانقسام الداخلي إلى حد الصدام وليس التنوع والحوار.
إن استمرار الحديث عن صراع بين إسلاميين وغير إسلاميين هو نوع من خداع النفس، إن ما نواجهه هو حالة من العجز عن رؤية العصر ومواجهة تحدياته، وهو إجهاض للإرادة الوطنية التي صنعت الثورة وتجاوزت كل الأيديولوجيات.
خطر الارتجال والاستخفاف بالعقول والعناد مع الحقائق يعجل بمواجهة عسكرية مع العدو الإسرائيلي، وفي حده الأدنى تسليم لإرادة خارجية لا يعنيها وحدة الوطن.
الجمعية التأسيسية للدستور لكل المصريين، ودستور مصر ليس مجرد صياغات، بل هو إرادة شعب، ولا يجب القبول بالاستفتاء عليه بقاعدة الزيت والدقيق والبطاطس.
والقضية الفلسطينية ليست قضية حكم ذاتي تحت الاحتلال، وتقسيم فلسطين إلى شمالية وجنوبية بين فتح وحماس، ولكنها قضية الوجود العربي، قضية شعب وليست قضية معبر.
والمواجهة مع إسرائيل ليست رعونة، هجمة هنا وهجمة هناك، بادعاء أداء واجب حرب العدو المقدسة، لتهدر إرادة وطن وأمنه وواجب حماية الأرض والشعب والمصالح.
الاقتتال فوق أرض سيناء يؤكد من جديد ضرورة بناء جيش وطني قوي، مؤهل للدفاع عن الأرض والشعب وحماية الدستور، ويفرض استعادة السيادة فوق أرض سيناء المقدسة.
هل نقيس ساعات التدريب.. أم قيمة التغيير؟
قد تنجح مؤسسة في تنفيذ خطتها التدريبية بنسبة مائة في المائة، وتحقق العدد المستهدف من البرامج والمتدربين والساعات،... اقرأ المزيد
60
| 10 أغسطس 2026
مقومات نجاح التوطين في القطاع الخاص
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد أهم ركائز الاقتصاد، فهو المحرّك الرئيس للنمو، والشريك الأساسي في... اقرأ المزيد
165
| 10 أغسطس 2026
قطر وسلطنة عُمان.. علاقات أخوية راسخة
تعكس الزيارات المتبادلة على أعلى المستويات بين دولة قطر وسلطنة عمان، حرص القيادة الحكيمة في كلا البلدين، على... اقرأ المزيد
51
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4851
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
969
| 06 أغسطس 2026