رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الاقتصادات القوية تتميز بوجود شبكة من البنوك ومؤسسات التمويل الناجحة، لأن لها دوراً حيوياً في دعم وتعزيز الاقتصاد وتحفيز النمو الاقتصادي. فهي ليست مجرد مراكز لتبادل الأموال وتوفير الخدمات المالية، بل هي عماد النظام المالي الذي يعزز الاستثمار والتنمية الاقتصادية إلى جانب توفير الائتمان المصرفي وحشد موارد المجتمع للتنمية، حيث تلعب البنوك دور الوساطة بين المدخرين والمستثمرين، باعتبار أن الدور التنموي للبنوك قائم على الادخار والاستثمار. ويفشل النظام البنكي إذا أعتبر أن مهمة البنوك تنحصر في تبادل ونقل وحفظ الأموال وتوفير الخدمات المالية مهما كانت، وكذلك البنوك من العناصر الأساسية لتوفير التمويل للشركات والأفراد. مما يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية. كما تؤدي البنوك دورًا فاعلا في تحقيق الاستقرار المالي عن طريق الأدوات والمنتجات المالية التي تُسهل إدارة المخاطر وتحمي من تقلبات الأسواق المالية، بالإضافة إلى مساهمة البنوك في تحقيق الشمول المالي وتمكين الفرد العادي من الوصول إلى الخدمات المالية واستخدامها بشكل مستدام وسهل، وهذا لا يلغي هدف البنوك في الحصول على الأرباح والمكاسب والحفاظ على حقوق المساهمين ولا شك أن ذلك يتطلب وجود قيادات مصرفية على مستوى المسؤولية وتتمتع بخبرات وبقدرات فنية وإدارية، قادرة على التعامل والتفاعل الإيجابي مع التكتلات الاقتصادية العملاقة والاستفادة منها، بما يمكنها من الحفاظ أولا على وجودها في السوق المصرفية وثانيا تعزيز قدرتها على المنافسة، وتبني تمويل المشروعات التنموية الوطنية العملاقة، التي تعد عصب الاقتصاد لأن للبنوك دورا في تمويل الاستثمارات، وإدارة الأموال، حتى بعد أن اهتزت كثيرا بعض البنوك العريقة أثناء وبعد جائحة كورونا وتوابعها من ركود وتباطؤ أدى إلى تعثر مئات الشركات وتسريح آلاف العمال.
وهنا نجد الدور الغائب للبنوك التجارية في التمويل وفي تنشيط الحياة الاقتصادية ومساعدة الشركات المتعثرة التي أصبحت مؤشرا على الفساد أو سوء الإدارة أو كليهما.
بعد أن أصبح اهتمامها الأكبر بالأعمال العادية التقليدية المتمثلة في قبول الودائع ومنح القروض وبرامج المسؤولية الاجتماعية إذا وجدت، ثم التوجه للاستثمارات الخارجية على الرغم من المخاطر، ولا سيما عند حدوث الأزمات الاقتصادية،
ولذلك يمكن القول بأن البنوك التجارية في الدول النامية وإن كانت تحتفظ بالكثير من الأموال والودائع ما زالت ضعيفة الأداء وتحتاج إلى مجهود كبير لتطوير أدائها، إذا كانت لديها الرغبة في المنافسة لمواجهة البنوك العالمية في ظل استراتيجيات قطاع البنوك لتتواكب مع المستجدات والمتغيرات التي تفرضها ظاهرة العولمة لأن هناك ضرورة حتمية لمساهمة البنوك في توفير السيولة للمشروعات الصناعية العملاقة والاستثمارات الوطنية، والقيام بكفاءة بتعبئة المدخرات وتوفير الأوعية الادخارية وأدوات الاستثمار المالي، وهذا يفرض على البنوك ضرورة تدعيم وتطوير مراكز البحث العلمي لديها بهدف توفير بيانات ومعلومات ودراسات جدوى حول المشروعات الأكثر ربحية للبنوك او المستثمرين، لتساعد إدارة البنوك التجارية على اتخاذ قراراتها من جهة، وتساعد العملاء والمستثمرين في قراراتهم، والاستفادة من ذلك في خلق صناعات وطنية تلبي احتياجات السوق والمجتمع، وقادرة على المنافسة لتحل محل نظيراتها المستوردة، وتحقق الاكتفاء الذاتي، وتوجيه الفائض للتصدير، وكلها تصب في صالح الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، ومن هنا نجد القصور في أداء البنوك التجارية في تمويل عمليات التصدير للخارج من خلال التوسع في الائتمان قصير الأجل، وكذلك في تشجيع التحول التكنولوجي وتوطين الصناعات الحديثة لتواكب التحولات الاقتصادية واحتياجات العملاء والمستثمرين، وكذلك نجد نقص التحفيز من قبل البنوك التجارية في عدم تشجيع وإنشاء الشركات المساهمة التي تسمح للمُدخر الصغير في الاكتتاب على الأسهم، وكذلك في عدم التركيز على تحفيز الاستثمارات ذات الأولوية نظرا لأهميتها في زيادة التكوين الرأسمالي للاقتصاد الذي يؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية من خلال المشروعات المدرجة في الخطط العامة للتنمية، والحماية من الآثار السلبية لعدم التخصص في الإنتاج، ومن ثم تدني إنتاجية العامل وانعكاسها على دخل السكان، وذلك لمواجهة الصعوبات التي تعترض الاستثمار خاصة في البلدان النامية، التي تعاني من ضعف الطلب الفعال وضعف القوة الشرائية للمستهلكين في الأسواق الصغيرة، كما أن البنوك التجارية يمكنها الاستفادة من ذلك لزيادة مكاسبها وإيجاد بدائل لزيادة الأرباح بعد إعلان الفيدرالي الأمريكي بخفض الفائدة مؤخرا، وهذا يتطلب مرونة السياسات النقدية وتنوعها من البنوك المركزية في تخفيض الاحتياطي القانوني حتى لا تتقلص السيولة النقدية لدى البنوك التجارية بما يعوق قدرتها على الإقراض وحتى تتمكن من تأدية دورها التنموي، لأن نقص السيولة والركود وجهان لعملة واحدة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6564
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
981
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
843
| 18 فبراير 2026