رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أن نروي عن الشباب أمر غير أن نحيا معه أداءه خارج الميادين وفي مهام تتطلب وعيا وإرادة وليس التظاهر والهتاف والاعتصام.
بعد 16 عاما من الحراسة القضائية على نقابة المهندسين المصرية (450 ألف مهندس) وعدم إجراء انتخابات لتشكيل مجلسها واختيار النقيب العام لها طوال 20 عاما، أتاحت مسؤوليات تولي مهمة الإشراف عليها لي فرصة التعامل مع جيل جديد من المهندسين الشباب، يتزايد عددهم مع تنوع المهام، والإعلام عبر الشبكات الإلكترونية، لتتكشف القدرات المتنوعة التي يمتلكها هذا الجيل وتتجلى صورة الأمل في الرغبة في العمل والمعرفة، أمل يضيء وسط بورصة الانتخابات في مصر.
تبدو حركة الانتخابات المصرية وتكتلاتها وانتقال الأحزاب من تكتل إلى آخر "ضجيج بلا طحن"، أو كما كانت تشيع في بداية السبعينيات مقولة "سياسة الاسكوتر... صوت عال وحركة معدومة"، للتعبير هن مثل هذه الوقائع والتي تتسم بالصوت العالي الذي يصم الأذان وبلا فاعلية، والاسكوتر هو نوع من الدراجات البخارية كانت في مصر ذلك الوقت، يصدر أصواتا عالية بينما حركته بطيئة لا تتناسب وما يصدر عنه من أصوات.
من يتابع قوائم المرشحين الانتخابية وسرعة انتقال الأحزاب والجماعات من تكتل إلى آخر، يدرك أنها تكتلات خارج التاريخ ومسيرته بعد تفجر ثورة الخامس والعشرين من يناير، ويلمس بوضوح أنها تكتلات ليست ناتجة عن اتفاق سياسي أو التوافق بين هوامش برنامجية أو فكرية مشتركة، ولكنها مجرد شوق دفين إلى كراسي نيابية لم يعلن على الشعب مبررات شرعيته كي ينالها، وتكاد تنقض على ثورة الشعب لتحيل المجالس النيابية القادمة إلى تعبير من جديد عن واقع ما قبل ثورة يناير 2011.
الاستقالات من الأحزاب تتوالى، وشخصيات نيابية كان لها دور معارض قبل يناير تتراجع عن المشاركة بما يوحي أن الانتخابات فجرت الأحزاب من الداخل، وهو ما يزيد القادم سوءا، وكأن العملة الرديئة بعد الثورة تطرد العملة الجيدة من مجمل الحياة السياسية، وتكاد مصر تبدو وطنا "تحت الحراسة الثضائية"، سلبت من شعبها، وأنيط بإدارتها غافل أو متطلع أو أناني. ومما زاد الأمر توترا أن زحف أعضاء الحزب الوطني المنحل يتزايد ويكاد يصل إلى نقطة التعادل مع غيره من الأحزاب الأخرى، خاصة أن الأحزاب الأخرى سعت إلى العديد من عناصره لتضعهم على قوائمها لتضمن أصوات العصبيات القبلية والعائلية دون أي تقدير لمعاني التغيير وإعادة بناء الوطن، وبديل الارتقاء إلى قدرة الشعب وإنجازه، يرتدون إلى عصور التخلف والجاهلية السياسية.
تغافلت الحكومة عما يسمونه قانون الغدر والذي كان القصد منه عزل القيادات السابقة للحزب الوطني المنحل والتي أسهمت في إفساد الحياة السياسية والاجتماعية وكانت هذه العناصر أداة التشريع وإصدار قوانين اصطلح على أنها سيئة السمعة وهي منوط بها اختيار لجنة وضع دستور مصر بعد الثورة! وضعت العصي في عجلات الثورة للحيلولة دون الوصول إلى غاياتها، وتحول شباب الثورة وعناصرها إلى فرائس تطاردها قوانين استثنائية أصدرت بعد الثورة، وتقع ضحية هجمات متوالية أمنية وإعلامية، وجرى تجاهل حاجات الشعب التي جسدها شعار "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
الثورة لم تكن فعلا اختياريا أو اعتياديا، ولكنها كانت ضرورة لتغيير الواقع الذي يحياه الشعب، وتحولت من مجرد حركة في الميادين كسرت حاجز الخوف، تحولت بفعل المعاناة إلى عقيدة وسلوك لدي الشباب، بينما هي لدى النخب السياسية طموح إلى حد الجنون إلى سلطة ترث النظام السابق دون أن يكون الشعب داخل اعتبارها إلا بشعارات وأقوال لا ترقى إلى اليقين.
يرصد أي مراقب منصف أن خللا ما أصاب العلاقة بين المجلس العسكري والأحزاب والنخب السياسية، وصارت بين هؤلاء مجتمعين وبين الشعب فجوة عميقة ليس هناك فرصة لتجاوزها في المدى المنظور، بل هي تضع اللبنات الأولى لصدام قادم، لن يكون بين الشعب وقوى الأمن بالشارع، ولكنه بين الشعب وتلك القوى وممثليها ولكن مسرحه سيكون مبنى المجلس النيابي وما يحيط به من طرق ومبان.
امتد الخلل إلى آلة الإعلام التي تم مصادرتها بذات أساليب النظام السابق، ولم يكتفوا بهذا بل طاردوا أي محاولة وديعة ومهنية لممارسة حرفة الإعلام وفق أصولها المتعارف عليها في كونها أداة للكشف عن حقيقة ما يجري وأن مهمتها في هذه المرحلة هي تحليل الأحداث والإضاءة من حول المخاطر التي تهدد الوطن ومصادرها وما يترتب عليها من أضرار تطول شعب لم يبخل بحياة أبنائه في سبيل لقمة عيش كريمة وحرة وأن يقيم العدل الاجتماعي بين أبنائه وكافة الأطراف الاجتماعية المكونة للشعب.
كسا اللون الأسود تصرفات الأشهر التسعة الماضية، ونازع سواد التصرفات لون الدم الأحمر لأبناء الشعب بأيدي من أطلق عليهم البلطجية، وهم أداة النظام السابق وخط دفاعه الأخير، وانضمت إليهم قوى هي ملك للشعب، فأهدرت دمه ولم تملك إلا تبريرات هي ذاتها تبريرات النظام السابق.
رغم كل ذلك تحولت الثورة في الشباب إلى روح وإلى عقيدة وإلى سلوك، وارتقى الشباب درجات سلم الوعي، يدفع الثمن على أعتابه، ويزيد إصرارا وعنادا، وأدرك بالتجربة الدامية أن الصراع ليس مكانه ميادين مصر وشوارعها، ولكنه صراع على الشعب بفئاته كلها وعيا وإرادة.
ولم يكن هذا مجرد قول ولكنه أخذ سمة الفعل وفي كل الاتجاهات، ولم يضع الشباب إرادته رهينة رغبة أو لقمة عيش، بل تخلص من أسر ذلك بوعيه أن تغيير الوطن هو سبيل البقاء الحر العزيز، وأن التغيير فعل ومنهج ومفاهيم، وليس مجرد أفواه وحناجر، وأن الدم غال وعزيز، وليس إهداره هواية تقليد أعمى ولكن الروح وليس مجرد الدم المسال هي ثمن يدفع، وقد دفع مقدما، وكسر حاجز الخوف وأطلق الإرادة من عقالها.
شباب ينتقل بين الاعتصام نهارا إلى العمل من أجل بناء نقابته ليلا، وشباب يعود من عمله، دون راحة ليسهم في الإعداد لانتخابات هي طريقه لتحرير نقابته، لا يخجل أن يحمل المكانس وينظف مسرحا عشش فيه العنكبوت ويرفع عنه القاذورات، ويحاول إصلاح كراسيه ويبحث عن تطوير إمكاناته إعدادا ليوم الانتخابات، ويتطوع من كل ربوع مصر ليشرف على صناديق الانتخاب، ينتقل بين الكمبيوتر، وشراء سندوتشات الفول والطعمية بلا خجل ولا تردد، يعود سواء كان المريض أم أو ابن، إلى العمل التطوعي إعدادا ليوم الإرادة، ويصنع أعلامه الخاص ليبلغ الدعوة إلى كل أبناء المهنة.
وتخرج إلى النور مجموعة أخري من شباب المهندسين حديثي التخرج، وتنشر المجموعة فيديو علي شبكة الإنترنت يدعو في هدوء وعمق واصرار كل المهندسين للاحتشاد يوم الانتخاب لتحقيق ارادتهم، عرف أن الإرادة يجب ترجمتها إلى فعل، وان الفعل الجماعي هو الفعل المنتج، وسعيت إلى لقائهم، وبادروا هم باتصال تليفوني، هم المبادرون، لم ينتظروا دعوة من أحد، وجاءوا لنلتقي.
الزمان ليلا وساعة القاهرة التاسعة مساء، والمكان نقابة المهندسين، والحضور يجمع بينهم إنهم مهندسون وتتباين ألوان الشعر، فقد انتقل البعض منا إلى صفة شيوخ المهنة، ويمتد إلقاء إلى منتصف الليل مع شباب "مرصد"، يسألون ويستفسرون لتبين محددات الانتخابات، قواعد وقانون وإجراءات وأماكن، وكان الصباح قد شهد شبابا يتصلون من أماكن عديدة يطلبون دورا أو تحديد مكانا لديهم للجنة الانتخاب، الكل يسعى ليوم الانتخاب.
لم تكن مبادرة الاتصال منهم هي المبادرة الأولى، بل يمكن أن تكون الثالثة فقد سبقها إنتاج فيديو الدعوة وتلي الفيديو ندوة عقدت في مركز الثقافة الشعبي "ساقية الصاوي" ونجحوا في هذه المبادرة أن يجمعوا الشباب من حول انتخابات نقابتهم.
كان سؤالهم الجوهري خلال اللقاء عن ماهية المهام التي يستطيعون أن يساهموا بها وبالإعداد ليوم الانتخابات، بهدوء وسلاسة وبلا انفعال مما يؤكد أن الاهتمام موضوعي وليس مجرد انفعال بالحدث بل هو تفاعل، وانتماؤهم إلى الوطن ترجموه حيال المهنة التي ينتمون إليها بمهنتهم، الدعوة إلى مشاركة كل المهندسين في انتخابات نقابتهم. شباب تجاوز حالة النقد والاتهام إلى حالة البناء بينما النخب السياسية تعيش حالة "الضجيج بلا طحن" ويحكم سلوكهم هدف وراثة سلطة سقطت دون وعي بحقيقة التغيير الذي تحققت نتيجة ثورة يناير في سلوك الشعب وفي عقيدة ووعي الشباب من أبنائه.
وعادت بي هذه الوقائع إلى مقال ودعوة كتبها ابني وهو في سنهم ليقول: "إن تكون الجمعة القادمة وما يأتي لاحقا من مظاهرات "مع" وليست"ضد" مع الحرية مع العدالة مع النظافة مع المستقبل مع النور وليست ضد الطوارئ وضد الكبت وضد الوساخة وضد الماضي وضد الظلام.
لأن " مع " تجعل الحشد إيجابيا بناء أمام الرأي العام بعكس " ضد" تجعل الحشد سلبيا هداما أمام الرأي العام رغم أن كلمة "مع" هي بالضرورة ضد شيء آخر، تجاوز الشباب ما كنا نخشاه أنهم لم يتول أحد أعدادهم ولم يضع أحد مثالا قيميا يحتذون به، فصنعوا لأنفسهم قيمهم الرائعة في مواجهة غياب القدوة.
ورغم ضجيج بورصة صناديق الانتخابات، ستبقى مصر ولادة، وسيظل هذا الشباب مثالا لأجيال قادمة.
قراءة في تصريحات إيلون ماسك حول الإسلام
نلاحظ أنه عندما تشتبك أدوات التأثير الرقمي العابر للقارات مع الجهل المريع الثقافي، ينتج حينها خطاب إعلامي يحمل... اقرأ المزيد
39
| 28 يوليو 2026
التطعيم الأول.. النموذج العملي لمناعة الأجيال الرقمية
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن السؤال الذي انتهينا عنده وقتها: كيف يمكن ترجمة الدروس التي... اقرأ المزيد
90
| 28 يوليو 2026
هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما مر عليها الزمن. بالنسبة لي، لم يكن ذلك المشهد رقماً في تقرير... اقرأ المزيد
36
| 28 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
2487
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1524
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
771
| 23 يوليو 2026