رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب تاريخي لسمو الأمير أمام مجلس الشورى
كلمة حق بوجه مجتمع دولي جائر
خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الثاني والخمسين لمجلس الشورى كان موعدا مع التاريخ، مع لحظة الحقيقة، وصوت الحق، والضمير العربي، الذي يأبى التخلي عن شعب فلسطين وقضيته العادلة، مهما بلغ التحالف العالمي مع الباطل والعدوان ضد العدل وحقوق الإنسان.
كان هذا الخطاب لحظة من التاريخ لأنها أول مرة يبدأ صاحب السمو خطابه السنوي أمام مجلس الشورى بالحديث عن قضية أو شأن خارجي، باعتبار أن هذا الخطاب موجه للداخل بقدر كبير، ويرسم استراتيجية العمل خلال المرحلة المقبلة، ويضع خريطة طريق للحكومة في عملها القادم، لكن هذه المرة تجاوز سموه ذلك، وكسر هذا العرف، ليبدأ بالحديث عن القضية الفلسطينية، لأنها هي الأخرى تعيش مرحلة فارقة من التاريخ، في ظل هذا العدوان البربري الذي تتعرض له غزة، وهذا التآمر العالمي مع المجرم على حساب الضحية، ومنحه الغطاء لارتكاب جرائمه الوحشية دون رادع.
الشأن الفلسطيني تصدر خطاب سمو الأمير في افتتاح دور الانعقاد العادي لمجلس الشورى لأول مرة قبل الشأن المحلي، وهي رسالة للعالم أن فلسطين في الأجندة القطرية ليست مجرد قضية تخص السياسة الخارجية، بل هي في موضع الأولوية والأهمية لدى دولة قطر، قيادة وحكومة وشعبا.
لقد عبر سموه عن الوجدان العربي، وألقى باللائمة على سلطة الاحتلال، وما تقوم به من حرب إبادة لا مثيل لها في العصر الحديث، مستخدمة كل أنواع الأسلحة الفتاكة والممنوعة دوليا، وبالتوازي تقع اللائمة على المجتمع الدولي، الذي يغض الطرف عن هذه الجرائم ضد الإنسانية ويكيل بمكيالين، مؤكدا أن ما يجري خطير للغاية، بما في ذلك الدوس على جميع القيم والأعراف والشرائع السماوية والقوانين الدنيوية، وليس على القانون الدولي فحسب، بل إن التصرف بات وكأن حياة أطفال فلسطين لا تحسب، وكأنهم بلا وجوه ولا أسماء.
خطاب سمو الأمير رسم صورة واضحة للحقيقة الماثلة أمام العيان، وحدد موقف قطر الصريح والواضح، وأهاب بالمجتمع الدولي، بدوله ومنظماته للوقوف صفا واحدا ضد هذه الهجمة الشرسة والعدوان الغاشم ضد شعب آمن أعزل تستباح حياته وممتلكاته ويسلب أبسط حقوق الإنسان، وضد التهجير القسري الذي يجاهر به الكيان الإسرائيلي.
هذه الحقيقة سوف يسجلها التاريخ، وستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال الذين سيحفظون مواقف صاحب السمو الذي انتصر للشعب الفلسطيني وساند حقوقه العادلة في وقت تخلى العالم عنهم وتلكأ بعض العرب عن نصرة فلسطين وقضيتها.
انتصار سمو الأمير لفلسطين ليس لمجرد أنها قضية عربية أو إسلامية، أو انتصار لمنطقة جغرافية، بل لأنها قضية حق وعدل، قضية عادلة، قضية شعب محتل، سلبت حقوقه وأراضيه ومقدساته، ويعاني القتل والتشريد والتدمير، ويعيش في الملاجئ، ويراد له اليوم التهجير الثاني أو الثالث في تاريخه.
سيذكر التاريخ أن أمير قطر دشن خطابه أمام مجلس الشورى بالوقوف إلى جانب فلسطين والتضامن معها، خلافا لما درجت عليه خطابات سنوات ماضية، وأحداث سبقت، وفعل ما لم يفعله زعيم آخر، وأعلن بوضوح أنه يرفض الكيل بمكيالين كما يفعل المجتمع الدولي الذي ينحاز بشكل أعمى للعدوان الإسرائيلي.
وسيذكر التاريخ أن سموه قال بصراحة: «كفى. لا يجوز أن تـمنح إسرائيل ضوءاً أخضر غير مشروط وإجازة غير مقيدة بالقتل، ولا يجوز استمرار تجاهل واقع الاحتلال والحصار والاستيطان، ولا يفترض أن يسمح في عصرنا باستخدام قطع الماء ومنع الدواء والغذاء أسلحة ضد شعب بأسره».
هذا الموقف النبيل والأخلاقي لسمو الأمير ليس بالأمر المستغرب على سموه، الذي لطالما انتصر للشعوب وللقضايا العادلة، ودافع عن قضايا الأمة وشعوبها.
هذا الموقف أثلج صدور الشعوب العربية التي وجدت في خطاب سمو الأمير تعبيرا صادقا عن وجدانها، ورسالة للمجتمع الدولي المنحاز للكيان الإسرائيلي وممارساته الإجرامية.
شكرا سمو الأمير على هذا الموقف المنحاز إلى الحق والعدالة وحقوق الإنسان، والذي جاء أيضا كوقفة مدوية بوجه الضمير العالمي المستغرق في انحيازه وتجاهله لأبشع حرب إبادة تجري في العصر الحديث بحق المدنيين والأبرياء، بحق شعب فلسطين المحاصر في غزة.
ولذلك دعا سموه إلى «وقفة جادة إقليمياً ودولياً أمام هذا التصعيد الخطير الذي نشهده والذي يهدد أمن الـمنطقة والعالم، وندعو إلى وقف هذه الحرب التي تجاوزت كل الحدود، وحقن الدماء وتجنيب الـمدنيين تبعات الـمواجهات العسكرية، والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع».
شكرا سمو الأمير لقد لامست كلماتك ـ التي خرجت من القلب ـ الوجع الفلسطيني حيث غاب الأصدقاء وتقاعس الأشقاء.
شكرا سمو الأمير لأنك عبرت في خطابك، وتحدثت بلسان الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، التي تتألم لألم أهل غزة وشعب فلسطين وما يلاقونه من جرائم وحشية بكل دقيقة وثانية.
شكرا لأنك الصوت المرتفع دفاعا عن فلسطين وأهلها فيما يتوافد رؤساء الدول الكبرى والعظمى إلى إسرائيل للتضامن معها والإعلان عن تحالف عسكري معها في حرب الإبادة الشاملة بحق أهلنا في غزة.
شكرا سمو الأمير لإعادة تصويب الحقائق بسؤالك للمصطفين خلف الحرب ويعملون على إسكات الصوت المخالف: ماذا بعد هذه الحرب؟
شكرا سمو الأمير لردك الحاسم والجازم بوجه كل من يدعو لترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم بأن «الشعب الفلسطيني باق»، ولن ينفع استمرار الحصار والمصادرة والاستيطان في إنهاء أو القضاء على القضية الفلسطينية.
شكرا سمو الأمير لكلمة الحق والحقيقة أن الحرب لا تقدم حلاً من أي نوع، وأنها سوف تفاقم الـمعاناة وازدياد عدد الضحايا، وكذلك الشعور العميق بالغبن.
شكرا سمو الأمير لأنك أخبرتهم أن صمت المجتمع الدولي يوازي التجربة المروعة لأطفال فلسطين الذين قتل أهلهم وأترابهم أمام أعينهم.
شكرا سمو الأمير لأنك أعدت تذكير هذا المجتمع الدولي المتخاذل بأن السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار للشعبين هو ما يتم تجنبه حتى الآن، وهو تحقيق السلام العادل والدائم وحصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه الـمشروعة التي أقرتها الهيئات الدولية، بـما فيها إقامة دولته الـمستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
صناعة السلام
لقد جاءت هذه الوقفة المدوية دفاعا عن فلسطين وأهلها منسجمة ومتكاملة مع سياسة قطر الخارجية التي أكد سمو الأمير المفدى أنها تقوم على دور بناء في صنع السلام وحل النزاعات بالطرق السلمية، والتشديد على العدالة في العلاقات الدولية.
هذا الدور يأتي في صلب سياسة قطر الخارجية انطلاقا من قول سموه «نحن لا نقف متفرجين إزاء استمرار تردي الأوضاع في بعض الدول الشقيقة، ونعمل ما بوسعنا للمساعدة في معالـجتها من منطلقات التضامن والـمسؤولية والاستقرار الإقليمي، ونشعر بالارتياح لأي تقدم في حل الـخلافات من خلال الـحوار بين الدول».
لقد نجحت قطر في القيام بهذا الدور حتى صارت تعرف بأنها وسيط موثوق به في صنع السلام وفض النزاعات عبر الحوار والدبلوماسية، هذا النجاح هو موضع فخر للدبلوماسية القطرية وهو صفحة مضيئة تسطرها قطر على جبين التاريخ.
اقتصادنا بخير
وفي إضاءة سموه على الشأن المحلي حضر الاقتصاد حيث إن الأزمات والتحديات تعصف بالاقتصاد العالمي غير أن اقتصادنا الوطني ما زال معافى وبخير، يواصل نموه وازدهاره، معززا بمشروع توسعة الغاز وإستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، كما استفاد اقتصادنا الوطني من ارتفاع أسعار الطاقة عن السعر الـمعتمد في الـموازنة العامة للدولة، مما ساهم بتحقيق فائض مالي يستخدم في خفض الدين العام، والذي انخفض من 73% في 2020 إلى ما دون 40% بنهاية النصف الأول من العام الجاري، وهو ما يشكل إنجازا للاقتصاد القطري واستقراره.
وأكد سمو الأمير أن الدولة ماضية في اتخاذ إجراءات على الـمستويين التشريعي والإداري لتعزيز الانفتاح الاقتصادي والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وحماية حقوق الـملكية الفكرية، ودعم تنافسية الـمنتج الوطني، والتحول الرقمي.
وفي هذا الإطار يأتي اهتمام سمو الأمير بتطوير بيئة الأعمال وجذب الاستثمار وتحقيق الفائدة من البنية التحتية الـمتاحة، مع التأكيد على تفعيل آلية تطوير التشريعات الـمنظمة للاستثمار الأجنبي لإزالة الـمعوقات التي تواجه ذلك الاستثمار، وإبراز قطر على الصعيد الدولي كحاضنة للاستثمار الدولي الـمباشر.
ومن بين القضايا المهمة التي تطرق سموه لها ما يتعلق بالثغرات البيروقراطية والقانونية لتعزيز الاستثمار، لافتا إلى أن هذه الثغرات قد تنجم أحياناً من جهل الـموظفين أنفسهم بها، والتضارب بين الهيئات، وهي أمور يـمكن حلها بسهولة.
في خطاب سمو الأمير لم تغب قضية التنمية التي موقع الأولية في رؤية قطر الوطنية والتي أساسها الاستثمار في رأس المال البشري، كما أن البيئة تحتل مرتبة مهمة في التنمية، حيث تعمل الدولة على زيادة المساحات الخضراء.
وحضرت السلطة القضائية في خطاب سمو الأمير، فالارتقاء بالمنظومة القضائية وصولا لتحقيق العدالة الناجزة وذلك عبر استكمال البنية التشريعية القضائية وصدور القوانين المعززة للسلطة القضائية، يشكل أولوية لسموه، وفي كل خطاب يركز سموه على ضرورة إنجاز كل ما يتعلق بتحقيق العدالة الناجزة.
ولم يغب عن خطاب سمو الأمير مضامين تتعلق بالقيم والمبادئ والأخلاق، وهو ما درج عليه سموه في ترسيخها عبر الإشارة إليها في خطابات مجلس الشورى في كل مرة، وهذه المرة أشار إلى ضرورة إدراك المواطن أهمية دوره كل في موقعه، والمسؤوليات التي تقع عليه، وواجباته تجاه الوطن، وتكامل الأدوار على مستوى الأفراد والمؤسسات، لينعكس ذلك إيجابا في صورة قطر الخارجية، والتفاعل الحضاري، وتقبل الاختلاف، وهو أمر لا يتناقض مع الهوية القطرية والعربية المسلمة، بل يسهم في مزيد من التقدم والتطور، ويواكب متطلبات المرحلة التي تعيشها المجتمعات.
إن خطاب سمو الأمير في دور الانعقاد الجديد لمجلس الشورى جعلنا مطمئنين إلى أحوالنا الداخلية والتنموية وفخورين بسياستنا الخارجية والمواقف التاريخية التي أعلنها سموه انتصارا للشعب الفلسطيني، وما يعانيه أهلنا في غزة في هذه المرحلة التاريخية الصعبة من عدوان غاشم لا يراعي قيما ولا عرفا وقانونا ولا تشريعا.
«ما خفي أعظم» يفضح المزاعم الإيرانية
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر - الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة... اقرأ المزيد
6045
| 12 أبريل 2026
وضع النقاط على الحروف
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها قبل أن تصدر - نسمع كلاماً «منمقاً» من إيران ونرى... اقرأ المزيد
2934
| 02 أبريل 2026
مجلس التعاون بحكمة قادته تجاوز كل الأزمات
-النيران الإيرانية ستزيدنا قـوة وتمــاسكـاً -مجلس التعاون الخليجي حمى جبهته الداخلية من كل الحروب بالمنطقة - الخليج نأى... اقرأ المزيد
834
| 11 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3462
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1320
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026