رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب تاريخي لسمو الأمير أمام مجلس الشورى
كلمة حق بوجه مجتمع دولي جائر
خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الثاني والخمسين لمجلس الشورى كان موعدا مع التاريخ، مع لحظة الحقيقة، وصوت الحق، والضمير العربي، الذي يأبى التخلي عن شعب فلسطين وقضيته العادلة، مهما بلغ التحالف العالمي مع الباطل والعدوان ضد العدل وحقوق الإنسان.
كان هذا الخطاب لحظة من التاريخ لأنها أول مرة يبدأ صاحب السمو خطابه السنوي أمام مجلس الشورى بالحديث عن قضية أو شأن خارجي، باعتبار أن هذا الخطاب موجه للداخل بقدر كبير، ويرسم استراتيجية العمل خلال المرحلة المقبلة، ويضع خريطة طريق للحكومة في عملها القادم، لكن هذه المرة تجاوز سموه ذلك، وكسر هذا العرف، ليبدأ بالحديث عن القضية الفلسطينية، لأنها هي الأخرى تعيش مرحلة فارقة من التاريخ، في ظل هذا العدوان البربري الذي تتعرض له غزة، وهذا التآمر العالمي مع المجرم على حساب الضحية، ومنحه الغطاء لارتكاب جرائمه الوحشية دون رادع.
الشأن الفلسطيني تصدر خطاب سمو الأمير في افتتاح دور الانعقاد العادي لمجلس الشورى لأول مرة قبل الشأن المحلي، وهي رسالة للعالم أن فلسطين في الأجندة القطرية ليست مجرد قضية تخص السياسة الخارجية، بل هي في موضع الأولوية والأهمية لدى دولة قطر، قيادة وحكومة وشعبا.
لقد عبر سموه عن الوجدان العربي، وألقى باللائمة على سلطة الاحتلال، وما تقوم به من حرب إبادة لا مثيل لها في العصر الحديث، مستخدمة كل أنواع الأسلحة الفتاكة والممنوعة دوليا، وبالتوازي تقع اللائمة على المجتمع الدولي، الذي يغض الطرف عن هذه الجرائم ضد الإنسانية ويكيل بمكيالين، مؤكدا أن ما يجري خطير للغاية، بما في ذلك الدوس على جميع القيم والأعراف والشرائع السماوية والقوانين الدنيوية، وليس على القانون الدولي فحسب، بل إن التصرف بات وكأن حياة أطفال فلسطين لا تحسب، وكأنهم بلا وجوه ولا أسماء.
خطاب سمو الأمير رسم صورة واضحة للحقيقة الماثلة أمام العيان، وحدد موقف قطر الصريح والواضح، وأهاب بالمجتمع الدولي، بدوله ومنظماته للوقوف صفا واحدا ضد هذه الهجمة الشرسة والعدوان الغاشم ضد شعب آمن أعزل تستباح حياته وممتلكاته ويسلب أبسط حقوق الإنسان، وضد التهجير القسري الذي يجاهر به الكيان الإسرائيلي.
هذه الحقيقة سوف يسجلها التاريخ، وستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال الذين سيحفظون مواقف صاحب السمو الذي انتصر للشعب الفلسطيني وساند حقوقه العادلة في وقت تخلى العالم عنهم وتلكأ بعض العرب عن نصرة فلسطين وقضيتها.
انتصار سمو الأمير لفلسطين ليس لمجرد أنها قضية عربية أو إسلامية، أو انتصار لمنطقة جغرافية، بل لأنها قضية حق وعدل، قضية عادلة، قضية شعب محتل، سلبت حقوقه وأراضيه ومقدساته، ويعاني القتل والتشريد والتدمير، ويعيش في الملاجئ، ويراد له اليوم التهجير الثاني أو الثالث في تاريخه.
سيذكر التاريخ أن أمير قطر دشن خطابه أمام مجلس الشورى بالوقوف إلى جانب فلسطين والتضامن معها، خلافا لما درجت عليه خطابات سنوات ماضية، وأحداث سبقت، وفعل ما لم يفعله زعيم آخر، وأعلن بوضوح أنه يرفض الكيل بمكيالين كما يفعل المجتمع الدولي الذي ينحاز بشكل أعمى للعدوان الإسرائيلي.
وسيذكر التاريخ أن سموه قال بصراحة: «كفى. لا يجوز أن تـمنح إسرائيل ضوءاً أخضر غير مشروط وإجازة غير مقيدة بالقتل، ولا يجوز استمرار تجاهل واقع الاحتلال والحصار والاستيطان، ولا يفترض أن يسمح في عصرنا باستخدام قطع الماء ومنع الدواء والغذاء أسلحة ضد شعب بأسره».
هذا الموقف النبيل والأخلاقي لسمو الأمير ليس بالأمر المستغرب على سموه، الذي لطالما انتصر للشعوب وللقضايا العادلة، ودافع عن قضايا الأمة وشعوبها.
هذا الموقف أثلج صدور الشعوب العربية التي وجدت في خطاب سمو الأمير تعبيرا صادقا عن وجدانها، ورسالة للمجتمع الدولي المنحاز للكيان الإسرائيلي وممارساته الإجرامية.
شكرا سمو الأمير على هذا الموقف المنحاز إلى الحق والعدالة وحقوق الإنسان، والذي جاء أيضا كوقفة مدوية بوجه الضمير العالمي المستغرق في انحيازه وتجاهله لأبشع حرب إبادة تجري في العصر الحديث بحق المدنيين والأبرياء، بحق شعب فلسطين المحاصر في غزة.
ولذلك دعا سموه إلى «وقفة جادة إقليمياً ودولياً أمام هذا التصعيد الخطير الذي نشهده والذي يهدد أمن الـمنطقة والعالم، وندعو إلى وقف هذه الحرب التي تجاوزت كل الحدود، وحقن الدماء وتجنيب الـمدنيين تبعات الـمواجهات العسكرية، والحيلولة دون اتساع دائرة الصراع».
شكرا سمو الأمير لقد لامست كلماتك ـ التي خرجت من القلب ـ الوجع الفلسطيني حيث غاب الأصدقاء وتقاعس الأشقاء.
شكرا سمو الأمير لأنك عبرت في خطابك، وتحدثت بلسان الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، التي تتألم لألم أهل غزة وشعب فلسطين وما يلاقونه من جرائم وحشية بكل دقيقة وثانية.
شكرا لأنك الصوت المرتفع دفاعا عن فلسطين وأهلها فيما يتوافد رؤساء الدول الكبرى والعظمى إلى إسرائيل للتضامن معها والإعلان عن تحالف عسكري معها في حرب الإبادة الشاملة بحق أهلنا في غزة.
شكرا سمو الأمير لإعادة تصويب الحقائق بسؤالك للمصطفين خلف الحرب ويعملون على إسكات الصوت المخالف: ماذا بعد هذه الحرب؟
شكرا سمو الأمير لردك الحاسم والجازم بوجه كل من يدعو لترحيل الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم بأن «الشعب الفلسطيني باق»، ولن ينفع استمرار الحصار والمصادرة والاستيطان في إنهاء أو القضاء على القضية الفلسطينية.
شكرا سمو الأمير لكلمة الحق والحقيقة أن الحرب لا تقدم حلاً من أي نوع، وأنها سوف تفاقم الـمعاناة وازدياد عدد الضحايا، وكذلك الشعور العميق بالغبن.
شكرا سمو الأمير لأنك أخبرتهم أن صمت المجتمع الدولي يوازي التجربة المروعة لأطفال فلسطين الذين قتل أهلهم وأترابهم أمام أعينهم.
شكرا سمو الأمير لأنك أعدت تذكير هذا المجتمع الدولي المتخاذل بأن السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار للشعبين هو ما يتم تجنبه حتى الآن، وهو تحقيق السلام العادل والدائم وحصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه الـمشروعة التي أقرتها الهيئات الدولية، بـما فيها إقامة دولته الـمستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
صناعة السلام
لقد جاءت هذه الوقفة المدوية دفاعا عن فلسطين وأهلها منسجمة ومتكاملة مع سياسة قطر الخارجية التي أكد سمو الأمير المفدى أنها تقوم على دور بناء في صنع السلام وحل النزاعات بالطرق السلمية، والتشديد على العدالة في العلاقات الدولية.
هذا الدور يأتي في صلب سياسة قطر الخارجية انطلاقا من قول سموه «نحن لا نقف متفرجين إزاء استمرار تردي الأوضاع في بعض الدول الشقيقة، ونعمل ما بوسعنا للمساعدة في معالـجتها من منطلقات التضامن والـمسؤولية والاستقرار الإقليمي، ونشعر بالارتياح لأي تقدم في حل الـخلافات من خلال الـحوار بين الدول».
لقد نجحت قطر في القيام بهذا الدور حتى صارت تعرف بأنها وسيط موثوق به في صنع السلام وفض النزاعات عبر الحوار والدبلوماسية، هذا النجاح هو موضع فخر للدبلوماسية القطرية وهو صفحة مضيئة تسطرها قطر على جبين التاريخ.
اقتصادنا بخير
وفي إضاءة سموه على الشأن المحلي حضر الاقتصاد حيث إن الأزمات والتحديات تعصف بالاقتصاد العالمي غير أن اقتصادنا الوطني ما زال معافى وبخير، يواصل نموه وازدهاره، معززا بمشروع توسعة الغاز وإستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، كما استفاد اقتصادنا الوطني من ارتفاع أسعار الطاقة عن السعر الـمعتمد في الـموازنة العامة للدولة، مما ساهم بتحقيق فائض مالي يستخدم في خفض الدين العام، والذي انخفض من 73% في 2020 إلى ما دون 40% بنهاية النصف الأول من العام الجاري، وهو ما يشكل إنجازا للاقتصاد القطري واستقراره.
وأكد سمو الأمير أن الدولة ماضية في اتخاذ إجراءات على الـمستويين التشريعي والإداري لتعزيز الانفتاح الاقتصادي والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وحماية حقوق الـملكية الفكرية، ودعم تنافسية الـمنتج الوطني، والتحول الرقمي.
وفي هذا الإطار يأتي اهتمام سمو الأمير بتطوير بيئة الأعمال وجذب الاستثمار وتحقيق الفائدة من البنية التحتية الـمتاحة، مع التأكيد على تفعيل آلية تطوير التشريعات الـمنظمة للاستثمار الأجنبي لإزالة الـمعوقات التي تواجه ذلك الاستثمار، وإبراز قطر على الصعيد الدولي كحاضنة للاستثمار الدولي الـمباشر.
ومن بين القضايا المهمة التي تطرق سموه لها ما يتعلق بالثغرات البيروقراطية والقانونية لتعزيز الاستثمار، لافتا إلى أن هذه الثغرات قد تنجم أحياناً من جهل الـموظفين أنفسهم بها، والتضارب بين الهيئات، وهي أمور يـمكن حلها بسهولة.
في خطاب سمو الأمير لم تغب قضية التنمية التي موقع الأولية في رؤية قطر الوطنية والتي أساسها الاستثمار في رأس المال البشري، كما أن البيئة تحتل مرتبة مهمة في التنمية، حيث تعمل الدولة على زيادة المساحات الخضراء.
وحضرت السلطة القضائية في خطاب سمو الأمير، فالارتقاء بالمنظومة القضائية وصولا لتحقيق العدالة الناجزة وذلك عبر استكمال البنية التشريعية القضائية وصدور القوانين المعززة للسلطة القضائية، يشكل أولوية لسموه، وفي كل خطاب يركز سموه على ضرورة إنجاز كل ما يتعلق بتحقيق العدالة الناجزة.
ولم يغب عن خطاب سمو الأمير مضامين تتعلق بالقيم والمبادئ والأخلاق، وهو ما درج عليه سموه في ترسيخها عبر الإشارة إليها في خطابات مجلس الشورى في كل مرة، وهذه المرة أشار إلى ضرورة إدراك المواطن أهمية دوره كل في موقعه، والمسؤوليات التي تقع عليه، وواجباته تجاه الوطن، وتكامل الأدوار على مستوى الأفراد والمؤسسات، لينعكس ذلك إيجابا في صورة قطر الخارجية، والتفاعل الحضاري، وتقبل الاختلاف، وهو أمر لا يتناقض مع الهوية القطرية والعربية المسلمة، بل يسهم في مزيد من التقدم والتطور، ويواكب متطلبات المرحلة التي تعيشها المجتمعات.
إن خطاب سمو الأمير في دور الانعقاد الجديد لمجلس الشورى جعلنا مطمئنين إلى أحوالنا الداخلية والتنموية وفخورين بسياستنا الخارجية والمواقف التاريخية التي أعلنها سموه انتصارا للشعب الفلسطيني، وما يعانيه أهلنا في غزة في هذه المرحلة التاريخية الصعبة من عدوان غاشم لا يراعي قيما ولا عرفا وقانونا ولا تشريعا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3840
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1416
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1011
| 29 أبريل 2026