رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت واحدا من الذين آمنوا أن الاختلاف بين دول الخليج لن يكتب له النجاح أو الاستمرار، وقد عبرت عن رأيي هذا في مقالات متعددة وفي مناسبات كثيرة!! وقد كانت قناعتي تلك مبنية على أن الكبار قد يختلفون في بعض الأحيان لأسباب يراها بعضهم تستحق ذلك الاختلاف، ولكن شعوبهم لا تتفق معهم في اختلافاتهم لاختلاف الرؤية والمبررات والمصالح - إلا شلة من المنافقين الذين انفضحوا انكشفوا بعد الاتفاق وغيروا جلودهم خلال ساعات معدودة - والسبب أن الشعوب ترى مالا يراه حكامها في مسألة الاختلاف مع شعوب أخرى خاصة في دول الخليج!! وببساطة شديدة فإن كثيرا من الأسر التي تعيش في السعودية لها امتداد في قطر والبحرين والكويت وبقلة في الإمارات وعمان، والشيء نفسه ينطبق على أسر البحرين وقطر أو البحرين والإمارات أو قطر والإمارات أو الإمارات وعمان، ولهذا فمن المستحيل أن تتخاصم هذه الشعوب المترابطة أسريا واجتماعيا لأن حكامها غير متفقين على بعض القضايا السياسية، ولهذا فإن شعوب المنطقة كانت تتوقع نهاية قريبة وسعيدة لهذا الاختلاف الذي لا يخدم إلا أعداء المنطقة وهذا ما حصل فعلا بفضل وعي وحكمة قادة دول المجلس جميعا والذي قاده خادم الحرمين الشريفين وإخوانه قادة دول المجلس.
والآن وقد انتهى الخلاف بحسب البيان التكميلي لقمة الرياض والذي يفترض بعده أن تعود المياه إلى مجاريها بين دول المجلس لابد من طرح بعض القضايا التي - عادة - ماتصاحب أي اتفاق دولي، وسبب طرحها أن البيان لم يذكر تفاصيل الاتفاق وإنما اكتفى بالعموميات - وربما كان هناك بنود مفصلة للاتفاق لم تعلن للناس - ولهذا فإن شعوب المنطقة تتساءل عن الضمانات التي تجعل الخلاف لا يعود ثانية وهل الاتفاق اشتمل على تلك الضمانات أم لا؟! وبطبيعة الحال فإن من حق شعوب المنطقة أن تطرح أسئلة عديدة حول مشروع الاتفاق لأنه يتعلق بها وبمصالحها مباشرة أكثر مما يتعلق بمصالح الحكام.
من الأشياء التي شاعت - وأنا أتحدث عن إشاعات - أن قطر تعهدت بعدم التدخل في شؤون دول المجلس!! هذا حسن، ولكن قطر تؤكد أنها لم تفعل ذلك مطلقا فهل هناك أشياء لا نعرفها نحن وإنما قيل ذلك لهدف آخر ؟! وإذا كانت المشكلة تتعلق بالسياسات الخارجية لدول المجلس فهل الاتفاق ينص على أن تكون هذه السياسات متطابقة تماما؟! شخصيا لا أظن ذلك بل ولا يمكن أن يحصل مادام أن لكل دولة وزير خارجية هو الذي يحدد سياسة بلده الخارجية بالاتفاق مع قادة بلده!! وفي هذه الحالة فإن كل دولة تبني سياستها الخارجية تبعا لمصالحها وهنا قد تختلف المصالح، وقد رأينا كيف أن عمان وهذا مجرد مثل - انتهجت سياسة مغايرة تجاه إيران تختلف عن سياسة بقية دول الخليج ولم يكن فعلها مثار خلاف بين بقية دول المجلس، وهناك شواهد أخرى مماثلة ومن كل دولة فما الذي استجد في نظر قادة دول المجلس فيما يتعلق بسياسة دولة قطر الخارجية؟! وما دمنا نبني تحليلاتنا على التوقعات - لعدم ذكر شيئ محدد في بيان الاتفاق - فإن الشائع أن موقف قطر من الربيع العربي هو السبب في ذلك الخلاف!! فقطر ساندت خيارات الشعوب في كل الدول بغض النظر عن الأحزاب أو الطوائف التي فازت في الانتخابات واعتبرت ذلك فعلا ديمقراطيا وأخلاقيا، كما رأت أن موقفها لا يعد تدخلا في شؤون دول المجلس التي كان لبعضها رؤية مغايرة عن رؤية قطر إذ أن كل دولة - كما قلت - تنظر إلى مصالحها أولا وأخيرا!! ففي هذا الوضع ما الذي سيستجد الآن؟! هل ستتغير سياسة قطر أم هل ستتغير سياسة الدول الأخرى أم هل ستبقى الأمور كما كانت عليه من قبل أي أن كل دولة تفعل ما تراه مناسبا لمصالحها؟! ونحن عندما نطرح هذه الأسئلة فإنما نتطلع إلى التأكد من عدم عودة الأمور إلى الخلاف الذي فرحنا كثيرا بانتهائه، وشخصيا فإنني أعتقد أن طبيعة الأمور تقتضي أن كل دولة لها سياستها الخاصة وهي التي تحدد طبيعة علاقاتها الخارجية مادامت هذه العلاقات لا تضر بشكل مباشر بالدول الخليجية الأخرى، ولعل وجود قاعدة أمريكية في البحرين وفرنسية في الإمارات وأمريكية في قطر وهذا مجرد مثل - يؤكد أن المصالح هي الغالبة في تحديد أولويات كل دولة ولم يكن ذلك مثار اختلاف بين دول المجلس سابقا ومن الأفضل أن لا يكون مستقبلا.
وقيل إن مسألة التجنيس كانت حاضرة أيضا في تلك الاختلافات!! وشخصيا - إن كان هذا صحيحا فهو مثار استغراب كبير - فهذه المسألة تفعلها كل دول العالم كما تفعلها دول الخليج أيضا!! فالبحرين أعطت جنسيتها للآلاف ومثلها الإمارات - وإن كانت بشكل أقل كما أعرف - وهكذا بقية دول المجلس إذ أن لكل دولة سياستها في هذه المسألة، فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الأمر كما قيل فلماذا الاعتراض على قطر تحديدا؟! قيل: إن قطر أعطت جنسيتها للخليجيين وهذا هو السبب؟! قلت: إن كان الأمر كما قيل فهذه مصيبة أعظم وأكبر!! فنحن في دول الخليج وبعد حوالي ثلث قرن من عمر دول مجلس التعاون نتطلع إلى وجود اتحاد كامل بين دول المجلس بحيث يعامل كل خليجي في أي دولة خليجية وكأنه في دولته، من حيث العمل والراتب والتملك والتجارة وكل شيء دون استثناء، فإذا كان منح خليجي جنسية دولة خليجية أخرى مثار اختلاف بين دول المجلس فهذا يعني أن هذه الدول ستحتاج إلى وقت طويل لكي تحقق شيئا ذا قيمة لمواطنيها، وهذا يعني أيضا أن الصورة القاتمة لما حققته دول المجلس لمواطنيها طيلة ثلث قرن ستزداد قتامة وهذا سيؤثر على مسيرة المجلس في رؤية المواطنين الذين تطلعوا إلى الكثير عندما أعلن عن قيام المجلس ولكن كثيرا من آمالهم تراجعت، ومن حقهم على قادتهم أن لا يخيبوا آمالهم. فإذا كان منح جنسية دولة خليجية لمواطن خليجي يحدث أزمة بين دول المجلس فهذا مؤشر مؤسف ومحبط لتطلعات مواطني دول المجلس التي كان سقفها عاليا لا يقف عند حد التجنيس بل يتعداه إلى ماهو أكثر من ذلك بكثير.
هناك تحديات كثيرة تواجه دول المجلس وما لم تكن هذه الدول متساندة فقد تتعرض لخطر كبير ؛ هناك خطر الدولة الإسلامية - هي إسلامية بالاسم فقط - وهناك خطر الحوثيين وهم لا يقلون عنها سوءا وأطماعا في بلادنا، وهناك المطامع الإيرانية والتي تحدث عنها بعض كبارهم بمنتهى الوضوح خاصة بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء وغيرها، وبطبيعة الحال هناك خطر الصهاينة على بلاد العرب كلها ومنها دول الخليج وهذا خطر حقيقي لا مجال للتشكيك فيه وتاريخ الصهاينة وواقع حالهم يؤكده.
هذه المخاطر وغيرها تقتضي من دول المجلس أن تكون متكاتفة بشكل كبير لحماية دولها وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية والسيادية، ومالم تفعل ذلك فستكون كلها معرضة للخطر ؛ فالحق في هذه الأيام للقوة وحدها أما العدالة وحقوق الإنسان - وبقية المسميات الأخرى - فقد أصبحت حديثا يستخدمه البعض لتحقيق مصالحه - خاصة الأقوياء - ثم ينتهي كل شيء بعد ذلك، وهذا الواقع يؤكد أن القوة العسكرية والاقتصادية هي التي تحقق الأمن والاستقرار لكل دول الخليج أما الاعتماد على الآخرين فهو وهم ثبت فشله ؛ فالآخرون لا يريدون من الخليج إلا الاستيلاء على خيراته ومن مصلحتهم أن يبقى الاختلاف موجودا وكبيرا وربما حرصوا على المساهمة في استمراره.
الاتفاق الذي حصل كان له أثر طيب في نفوس الخليجيين جميعا، أما تلك الفئة المنافقة والتي كانت تعبر عن دناءة كبيرة في أقوالها فقد ذهبت إلى مزبلة التاريخ وستبقى في تلك المزبلة مهما حاولت أن تغير جلدها النتن ولعلها تكون عبرة لغيرها.
الشكر لكبير الخليجيين خادم الحرمين الشريفين ولسمو الشيخ تميم ولكل قادة الخليج الذين أسهموا في تقريب وجهات النظر وإعادة الأمور على ما كانت عليه حرصا على خليجهم وحرصا على مستقبل بلادهم وشعوبهم.
الإرهاب وثقافة قطع الرؤوس: الجذور !!
الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن... اقرأ المزيد
2796
| 30 ديسمبر 2014
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1609
| 23 ديسمبر 2014
الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا... اقرأ المزيد
2939
| 16 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3093
| 24 سبتمبر 2026