رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقسم دولة قطر إلى مجموعة من البلديات بدلاً من المحافظات كما في دول أخرى، ففي عام 1986 عند تنظيم أول تعداد عام للسكان والمساكن للجهاز المركزي للإحصاء، قسمت الدولة إلى عشر بلديات. وهي اليوم مقسمة إلى ثمانٍ فقط، وظلت الأسماء دون تغيير في معظمها، ولكن حدودها الإدارية ومساحاتها قد تغيرت كثيراً. وأشهر هذه البلديات بالطبع بلدية الدوحة ذات الأهمية السياسية والاقتصادية والعمرانية والحضارية كونها تحوي العاصمة، وهي أصغرها مساحة وأكبرها سكانا.
أما بلدية الشمال المعنية في هذه المقالة، فإنها ثابتة كاسم منذ العام 1986، وهي تقع في أقصى شمال رأس شبه الجزيرة، وهناك طريق رئيسي باسم الشمال، وفي معظم أجزائه بين 6 و8 حارات، يصلها بالدوحة بطول يصل إلى حوالي 108 كم إلى مدينة الرويس. وتتصف البلدية بمواصفات جغرافية مميزة تحتاج من المخططين الاهتمام بها، وأخذها بعين الاعتبار والتي تجعلها بمزايا نسبية مقارنة بغيرها، وذلك عند دراستها مؤكدة جدواها في إحداث تنمية بها. وتتجاور البلدية من الجنوب الشرقي بلدية الخور والذخيرة، بطول حدود مشتركة يقترب من حوالي 50 كيلومتراً، وأقرب المستوطنات بينهما المشرب ومدينة الكعبان والغويرية.
ولبلدية الشمال موقع حيوي مهم، فلها على سبيل المثال عمق بحري كبير يعد الأكبر من حيث المساحة لتصل إلى حدود الدولة البحرية مع كل من البحرين وإيران، وبسواحل تطل عليه يبلغ حوالي 100 كم من السهول الساحلية المتعرجة برمالها البيضاء النظيفة والمتجددة مواجهة بأعماق مياه ضحلة متدرجة مناسبة للأنشطة السياحية. والبلدية قريبة جدا من البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية، وعليه ارتبطت بهجرات أكثر القبائل النجدية إليها منذ القدم وخاصة القرن السابع عشر، ونشأت فيها الزبارة المدينة المشهورة على ساحلها الغربي في هذا الإقليم البحري الحضاري تاريخيا، والأكثر استيطانا وحضاريا في قطر والتي أصبحت مع الوقت أهم موانئ الخليج لعقود من الزمن في فترة الغوص والأكثر منافسة. وبعد انهيارها لأسباب سياسية مع سيطرة بريطانيا على حوض الخليج العربي، وهجرة أهاليها وانتشارهم نحو الشرق خاصة، أصبحت فرضة الرويس قبل تطور حركة الطيران في البلاد في خمسينيات القرن العشرين، كانت النقطة التي يعبر من عبرها أهالي قطر عبر المراكب التقليدية، لأهل الشمال، بل لجميع القطريين حتى أهل الجنوب، لزيارة أهلنا في المناسبات المختلفة وخاصة البحرين ومنها إلى السعودية.
أما من ناحية المساحة فتبلغ البلدية اليوم حوالي 860 كم2 تقريبا، وبنسبة 7.4 % من مساحة الدولة الإجمالية المقدرة بحوالي 11700 كم2. وتم إعادة رسم الحدود الإدارية للبلدية مقارنة بالتقسيم الأول للبلديات، وخاصة في الجزء الجنوبي الشرقي وفي القطعة 77 مع حدود بلدية الخور والذخيرة. وبالتالي، تأتي البلدية في المرتبة الخامسة من حيث المساحة من بين البلديات الثماني المقسمة إليها الدولة اليوم. فهي أكبر من بلدية الدوحة بثلاث مرات، ولكنها أصغر من بلدية الشيحانية وهي أكبر بلديات قطر بأربع مرات تقريباً.
وبالنسبة لحجمها السكاني، فهي الأصغر كما ذكرنا، وتمثل فقط حوالي 0.60 % من الإجمالي، ولكنها تشهد منذ سنوات قريبة جذبا لمزيد من السكان المستقرين بها، وخاصة عندما شرعت الدولة في تطوير مينائها الرويس بتوجيهات من القيادة الرشيدة أثناء الحصار الذي تعرضت له قطر في 2017. فأصبح ميناء خاصا كاملا يشمل كافة المكونات المعروفة كأي ميناء، وخاصة التخزينية الآمنة، باستيراد المواد الغذائية وخاصة الطازجة من الدول المجاورة كالهند وإيران وباكستان. فقد بلغ عدد سكانها في تعداد 2010 حوالي 7975، ازدادوا إلى حوالي 16730 أي بنسبة 100 %، وبهذه الزيادات تغيرت النسبة النوعية بين الذكور والإناث من ذي قبل، ليصبح 75 % من قاطنيها من الرجال على غير العادة.
وتنتشر على أرض البلدية مجموعة كبيرة من المستوطنات البشرية والتي معظمها إن لم نقل كلها قديمة النشأة، كان لها شأن سياسي وتأسيسي في قرون سابقة، حيث كانت المنطقة الأكثر استيطانا على أرض شبه الجزيرة من قبائل وعائلات قطر. ومعظمها كانت قرى توأمية بين الصيف البحري والشتاء البري. ومنها على سبيل المثال: سدرية الخيسة، الجذيع، الغشامية، عين سنان، اذباح، جري الحميدات، الشاهينية، الرويس، ومن ثم مدينة الشمال وهي حديثة الظهور في نهايات ستينيات القرن الماضي، وهي الأكبر عندما تم بناء مجموعة من البيوت الشعبية لذوي الدخل المحدود وزعت في احتفالية وطنية.
وعلى ساحلها الشرقي تقع فويرط، الخريجة، الغارية، المفجر. وفي أعلى امتداد نحو السواحل الشمالية تتواجد خاصومة، والرويس وأبو ظلوف، الرويدة، جميل، أم جاسم، الركيات، الصدرية وقلعة الثقب وجزيرة راس ركن وميناء الرويس. وفي الغرب يوجد موقع الزبارة الأثري وقلعتها وشاطئها، الخوير، العريش، فريحة، الزبارة، وراس عشيرج، النعمان، المبتعدة، أم الصف، الكعبية الشمالية، الكعبية الجنوبية، أم الحوائر وأم الغيلام. ومن شواطئها الجميلة، المارونة، وشاطئ الغارية، وشاطئ المملحة للسيدات ومنتجع حديث باسم زلال، وشاطئان في الرويس واستراحة أبو ظلوف، وبسبب إنشاء المنتجعات بها ظهرت أسماء أجنبية بها مثل أذربيجان وبالم بيتش.
وفي المقالة القادمة سأبين تاريخ التطور الإداري للبلدية ونهضتها العمرانية، وجوانب من آراء ساكنيها في مستوى الخدمات بها، وبعض الصعوبات التي تواجههم كما عبروا عنها في عدة تحقيقات صحفية في الأعوام الماضية. وسأقوم بتقديم بعض المقترحات لجعل البلدية وأهلها يقومون بدور أكبر في عمليات النهضة التي تشهدها البلاد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1269
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1047
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
996
| 07 يناير 2026