رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقسم دولة قطر إلى مجموعة من البلديات بدلاً من المحافظات كما في دول أخرى، ففي عام 1986 عند تنظيم أول تعداد عام للسكان والمساكن للجهاز المركزي للإحصاء، قسمت الدولة إلى عشر بلديات. وهي اليوم مقسمة إلى ثمانٍ فقط، وظلت الأسماء دون تغيير في معظمها، ولكن حدودها الإدارية ومساحاتها قد تغيرت كثيراً. وأشهر هذه البلديات بالطبع بلدية الدوحة ذات الأهمية السياسية والاقتصادية والعمرانية والحضارية كونها تحوي العاصمة، وهي أصغرها مساحة وأكبرها سكانا.
أما بلدية الشمال المعنية في هذه المقالة، فإنها ثابتة كاسم منذ العام 1986، وهي تقع في أقصى شمال رأس شبه الجزيرة، وهناك طريق رئيسي باسم الشمال، وفي معظم أجزائه بين 6 و8 حارات، يصلها بالدوحة بطول يصل إلى حوالي 108 كم إلى مدينة الرويس. وتتصف البلدية بمواصفات جغرافية مميزة تحتاج من المخططين الاهتمام بها، وأخذها بعين الاعتبار والتي تجعلها بمزايا نسبية مقارنة بغيرها، وذلك عند دراستها مؤكدة جدواها في إحداث تنمية بها. وتتجاور البلدية من الجنوب الشرقي بلدية الخور والذخيرة، بطول حدود مشتركة يقترب من حوالي 50 كيلومتراً، وأقرب المستوطنات بينهما المشرب ومدينة الكعبان والغويرية.
ولبلدية الشمال موقع حيوي مهم، فلها على سبيل المثال عمق بحري كبير يعد الأكبر من حيث المساحة لتصل إلى حدود الدولة البحرية مع كل من البحرين وإيران، وبسواحل تطل عليه يبلغ حوالي 100 كم من السهول الساحلية المتعرجة برمالها البيضاء النظيفة والمتجددة مواجهة بأعماق مياه ضحلة متدرجة مناسبة للأنشطة السياحية. والبلدية قريبة جدا من البحرين والمنطقة الشرقية من السعودية، وعليه ارتبطت بهجرات أكثر القبائل النجدية إليها منذ القدم وخاصة القرن السابع عشر، ونشأت فيها الزبارة المدينة المشهورة على ساحلها الغربي في هذا الإقليم البحري الحضاري تاريخيا، والأكثر استيطانا وحضاريا في قطر والتي أصبحت مع الوقت أهم موانئ الخليج لعقود من الزمن في فترة الغوص والأكثر منافسة. وبعد انهيارها لأسباب سياسية مع سيطرة بريطانيا على حوض الخليج العربي، وهجرة أهاليها وانتشارهم نحو الشرق خاصة، أصبحت فرضة الرويس قبل تطور حركة الطيران في البلاد في خمسينيات القرن العشرين، كانت النقطة التي يعبر من عبرها أهالي قطر عبر المراكب التقليدية، لأهل الشمال، بل لجميع القطريين حتى أهل الجنوب، لزيارة أهلنا في المناسبات المختلفة وخاصة البحرين ومنها إلى السعودية.
أما من ناحية المساحة فتبلغ البلدية اليوم حوالي 860 كم2 تقريبا، وبنسبة 7.4 % من مساحة الدولة الإجمالية المقدرة بحوالي 11700 كم2. وتم إعادة رسم الحدود الإدارية للبلدية مقارنة بالتقسيم الأول للبلديات، وخاصة في الجزء الجنوبي الشرقي وفي القطعة 77 مع حدود بلدية الخور والذخيرة. وبالتالي، تأتي البلدية في المرتبة الخامسة من حيث المساحة من بين البلديات الثماني المقسمة إليها الدولة اليوم. فهي أكبر من بلدية الدوحة بثلاث مرات، ولكنها أصغر من بلدية الشيحانية وهي أكبر بلديات قطر بأربع مرات تقريباً.
وبالنسبة لحجمها السكاني، فهي الأصغر كما ذكرنا، وتمثل فقط حوالي 0.60 % من الإجمالي، ولكنها تشهد منذ سنوات قريبة جذبا لمزيد من السكان المستقرين بها، وخاصة عندما شرعت الدولة في تطوير مينائها الرويس بتوجيهات من القيادة الرشيدة أثناء الحصار الذي تعرضت له قطر في 2017. فأصبح ميناء خاصا كاملا يشمل كافة المكونات المعروفة كأي ميناء، وخاصة التخزينية الآمنة، باستيراد المواد الغذائية وخاصة الطازجة من الدول المجاورة كالهند وإيران وباكستان. فقد بلغ عدد سكانها في تعداد 2010 حوالي 7975، ازدادوا إلى حوالي 16730 أي بنسبة 100 %، وبهذه الزيادات تغيرت النسبة النوعية بين الذكور والإناث من ذي قبل، ليصبح 75 % من قاطنيها من الرجال على غير العادة.
وتنتشر على أرض البلدية مجموعة كبيرة من المستوطنات البشرية والتي معظمها إن لم نقل كلها قديمة النشأة، كان لها شأن سياسي وتأسيسي في قرون سابقة، حيث كانت المنطقة الأكثر استيطانا على أرض شبه الجزيرة من قبائل وعائلات قطر. ومعظمها كانت قرى توأمية بين الصيف البحري والشتاء البري. ومنها على سبيل المثال: سدرية الخيسة، الجذيع، الغشامية، عين سنان، اذباح، جري الحميدات، الشاهينية، الرويس، ومن ثم مدينة الشمال وهي حديثة الظهور في نهايات ستينيات القرن الماضي، وهي الأكبر عندما تم بناء مجموعة من البيوت الشعبية لذوي الدخل المحدود وزعت في احتفالية وطنية.
وعلى ساحلها الشرقي تقع فويرط، الخريجة، الغارية، المفجر. وفي أعلى امتداد نحو السواحل الشمالية تتواجد خاصومة، والرويس وأبو ظلوف، الرويدة، جميل، أم جاسم، الركيات، الصدرية وقلعة الثقب وجزيرة راس ركن وميناء الرويس. وفي الغرب يوجد موقع الزبارة الأثري وقلعتها وشاطئها، الخوير، العريش، فريحة، الزبارة، وراس عشيرج، النعمان، المبتعدة، أم الصف، الكعبية الشمالية، الكعبية الجنوبية، أم الحوائر وأم الغيلام. ومن شواطئها الجميلة، المارونة، وشاطئ الغارية، وشاطئ المملحة للسيدات ومنتجع حديث باسم زلال، وشاطئان في الرويس واستراحة أبو ظلوف، وبسبب إنشاء المنتجعات بها ظهرت أسماء أجنبية بها مثل أذربيجان وبالم بيتش.
وفي المقالة القادمة سأبين تاريخ التطور الإداري للبلدية ونهضتها العمرانية، وجوانب من آراء ساكنيها في مستوى الخدمات بها، وبعض الصعوبات التي تواجههم كما عبروا عنها في عدة تحقيقات صحفية في الأعوام الماضية. وسأقوم بتقديم بعض المقترحات لجعل البلدية وأهلها يقومون بدور أكبر في عمليات النهضة التي تشهدها البلاد.
الصناعات التحويلية في قطر والخليج فرص بحاجة إلى رؤية
تعد الصناعة التحويلية من القطاعات الاقتصادية الرئيسية للدول التي ترغب أن تؤتي تنميتها ثمارها، وما التفوق الشامل الذي... اقرأ المزيد
1242
| 27 أبريل 2025
الدول الصغيرة وهم تداعيات إغلاق مضيق هرمز
أثناء الحروب في أي بقعة من العالم، تضطرب الأحوال برمتها في إقليمها الجغرافي مهما امتلكت دوله من مقومات... اقرأ المزيد
1227
| 17 أبريل 2025
حوض الخليج العربي وحتمية العلاقات الوطيدة بين دوله
في لغة الجغرافيين السياسيين، بأن المسطحات البحرية تعد من الظاهرات الطبيعية التي تحدد دون مشاكل حدودية تتركها بين... اقرأ المزيد
945
| 18 فبراير 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10401
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3300
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2472
| 08 سبتمبر 2026