رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن انتشار السلاح في المجتمع المصري الآن والرغبة في امتلاكه أمر يمكن رصده بسهولة، والأسئلة المتعددة حول ضرورات امتلاكه تمثل الطنين الأعلى في المجتمع، والناس في حالة الإحساس بالقهر لا تسعي إلى السلاح من باب الاقتناء أو الوجاهة الاجتماعية، ولكنه امتلاك للاستخدام وأن كان تحديد الهدف مشوشا، هل هو للدفاع عن النفس، أم أنه للمبادرة بالقتل.
وأن توفر السلاح في مجتمع منقسم فرض على حامله سلوكا قد يكون مناقضا لطبيعته، فتوافر السلاح يفرض استخدامه، ويغير من بدائل التفكير، ويختزل المسؤولية، ويدفع ببديل استخدام السلاح حتى وأن كان استخدامه غير مجدي.
والخطر أن الانقسام لا يرجع إلى التكوين الاجتماعي أو العرقي، ولكنه انقسام مصنوع، تسهم فيه سلطة الحكم بهدف التمكن من السلطة لعجزها عن الخطاب السياسي، وإحساسها أن قطاع عريضا من المجتمع غير قابل بها. وأسهمت أيضا في خلقه لغة الحوار المستخدمة التي تتسم بالتعالي، والاستفزاز، وادعاء امتلاك الحكمة، وزاد علي ذلك اتهام المواطن في دينه ومدي استيعابه له، وادعاء البعض للولاية علي الدين، وممارسة التكفير والتهديد، واستخدام العنف المادي أو المعنوي، وتآمر سلطة الحكم المكشوف أمام الشعب، والتعامل بعدوانية مع منظومة الدوله وادعاء التطهير وهو في حقيقته الاستحواذ والسيطرة لصالح جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية.
تجاهل السلطة للشعب وقدرته علي كشف الكذب يزيد من حالة انفصال سلطة الحكم عن الشعب. وتكرار الكذب، وادعاء الشرعية تحت وهم التفسيرات الخاصة لمفهوم الشرعية، والولاية علي السلطة من جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية وأحزابهم، كل ذلك يؤدي إلى حالة الكره للسلطة وأن لها عالمها الخاص دون الشعب.
وتكشف تجربة استخدام السلاح في المناقشة التي جرت داخل الجماعة الإسلامية حول رؤية كل من خالد الإسلامبولي وانتصر لها محمد عبد السلام فرج واختلف عليها عبود الزمر، فكانت رؤية خالد اغتيال السادات، وكانت رؤية عبود الزمر الانتظار فترة تكفي لإتمام انقلاب كامل يغير النظام، فارق بين التكتيك والاستراتيجية، ونجحت عملية الاغتيال وبقي النظام مستمدا شرعيته ومبرر بقائه من حادثة الاغتيال، بل إن المجتمع في محاولته لتجاوز أمر الاغتيال، نسي التناقض مع اتجاهات النظام وعجزه عن الوفاء بالاحتياجات الاقتصادية للمجتمع، وانغمس في لعق جراحه وإتاحة الفرصة أمام الجديد القادم للكرسي وكان يومها حسني مبارك.
ولكن ما يجري اليوم مختلف فالحاكم ومكونات السلطة من الإخوان والتيارات الإسلامية، وليس الأمر اختلاف علي اغتيال أو انقلاب، ولكن الأمر تجاوز هذا إلى ما هو اخطر، وتمثل ذلك في العداء لمكونات سياسية في المجتمع، والقضاة والمحكمة الدستورية والإعلام، واستخدام العنف عند قصر الاتحادية ضد متظاهرين سلميين، وحصار المحكمة الدستورية ومنعها من الانعقاد وإدارة الصراع مع قضاتها بأحكام الدستور الجديد، وإجراء الاستفتاء دون الإشراف القضائي، والتغاضي عن حقيقة أن الدستور وثيقة توافقية تعبر عن إرادة الشعب تصيغها جمعية تأسيسية تعبر عن كافة قوي المجتمع، ولا تعبر عن نتائج الانتخابات النيابية، والهدف التمكن من السلطة حتى وأن كان بوسائل لا تنتمي إلى السياسة في شيء، بل هي استمرار لحالة سرقة الثورة، أو خيانتها علي حد تعبير الاوبزرفر البريطانية.
وعلى الناحية الأخرى أطلق النشطاء في التحرير على جبهة الإنقاذ التي تضم التيارات السياسية خارج التيار الإسلامي، جبهة "إنقاذ مرسي"، خاصة وأن حركة الميادين تتقدم عليهم، بينما خرج احدهم موافقا علي الدستور مناقضا بذلك موقف الشارع، ومعلنا أنه وجب التفكير في أمر انتخابات المجلس النيابي القادم. انقلاب الأمور من الدفاع عن ثورة جري اقتناصها قسرا، إلى ممارسة السياسة دون وزن نوعي في الشارع، أضاع حق الثورة والشعب في صياغة نظام يعبر عن أهدافها، وساعد على تمكين الإخوان من السلطة، وفي الوقت ذاته دفع بشباب الثورة إلى حالة من الرفض الكامل لكلا الطرفين، وبالتالي الانتقال إلى الرغبة في خلق توازن العنف مع الإخوان وحلفائهم ردا على منهج العنف الذي بدأه الإخوان وحلفاؤهم بالأساس.
هل يتوقف العنف عند هذه الأطراف وحدها أم أنه يمتد خارجها؟
أوضحت المواجهات التي دارت خلال الفترة السابقة بامتداد مصر، أن كتلا من الشعب دخلت دائرة الدفاع عن النفس بالعنف المضاد وأن ظل في حدود حرق المقار، ولكنه من جهة الإخوان وصل حد القتل والتعذيب البدني.
وهناك احتمال كبير أن موجة عنف منظم يمكنها أن تبدأ، ولكنه عنف الدفاع عن المصالح، سواء بغرض الحفاظ علي البقاء، أو الإسهام في الضغط على النظام القائم، وعنف المصالح هو اخطر من العنف المضاد، لأنه يملك الخبرة خلال تعاونه مع الأمن والحزب الحاكم زمن مبارك، وهو السلاح، وهو يملك المال، ولا يحد من حركته أية قيمة، وكأن الطرف الثالث الذي ظل يقتل المواطنين طوال الفترة الانتقالية، وكان يطلق عليهم البلطجية، لم يعد وحده في مواجهة الثورة وشبابها، بل انضمت إليه التنظيمات الإسلامية وأحزابها، الذين نالوا بجدارة اسم الطرف الثالث بعد وقائع الأربعاء الدامي (5 ديسمبر) أمام الاتحادية.
جماعات عنف المصالح، أو إمبراطورية عنف المصالح تفوح رائحتها وبشدة داخل المجتمع.
مصادر العنف هذه، ما تحقق منها وما هو في إطار أحلام اليقظة، جميعها يؤكد أن الدم قادم، خاصة أن أضفنا حالة سلبية من جهاز الداخلية، أو هو العنف السلبي، بالامتناع عن مواجه العنف ومصادره من منابعها، هو في ذاته تحريض على فتح باب العنف والفوضى.
والحديث عن دور القوات المسلحة حديث يحمل من الالتباس أكثر منه الوضوح.
فحالة التعامل الخاطئ مع هذه المؤسسة الوطنية، انتقل من امتلاك مبرر نتيجة الأحداث الدامية التي قتل فيها متظاهرون، ولم يتم تحديد المسؤولين عنها، ومحاسبتهم، إلى حالة الهجوم المباشر من مرشد الإخوان علي قيادات الجيش "جنود مصر طيعون لكنهم يحتاجون إلى قيادة رشيدة توعيهم، بعد أن تولى أمرهم قيادات فاسدة"، لترد القوات المسلحة بإصدار قرار من وزير الدفاع بعدم تمليك الأراضي في المناطق الاستراتيجية (سيناء) لغير المصريين ومن إباء مصريين، وانه حق انتفاع وليس تمليك، والقطع بعدم جواز البيع العرفي لغير المصريين، وفسر البعض القرار بأنه رد علي رغبة كامنة لدي جماعة الإخوان بفتح ارض سيناء أمام أهل غزة للتملك فيها، وفي ذات الوقت كان السؤال بأي صفة يصدر وزير الدفاع هذا القرار، هل هو أمر يخص الأمن القومي، فكيف لا يصدر بقرار جمهوري، أم هو ترتيبات تخص ارض العمليات وتقع في اختصاص وزير الدفاع؟
ويتردد بهمس صاخب أن الرئيس القادم هو وزير الدفاع، أما كيف سيأتي خصوصا أن المدى الزمني المحدد لذلك يقع في النصف الأول من عام 2013 فلا إجابة له، قد تكون أحاديث مرسلة، ولكن الشخص والمنصب محل حديث مما يقارب عاما مضي، وأيضا دون إيضاح لكيف سيحدث ذلك.
ملاحظة قاسية بشأن التعامل السلبي للقوات المسلحة لتجاوزات جرت أمام اللجان الانتخابية، رغم منح عناصرها سلطة الضبطية القضائية، فهل تولد لدي الجيش حالة من العزوف عن ممارسة واجبه الداخلي، كما توقفت الداخلية عن ممارسة دورها أمام اللجان، وانتقلت من حالة الفصل بين الأطراف، إلى مواجهة مع الأطراف غير الإسلامية.
سلطة تحكم بالمليشيات، ولا تدافع داخليتها عن مقر للنيابية تجري محاصرته للإفراج عن متهم من السلفيين (حازمون) لتنصاع النيابة للمطلب تأمينا لعناصرها، ثم حصار لأحد الأقسام أثناء الانتخابات وسبقه تهديد باقتحام قسم آخر، وعدم التحقيق في أحداث الاتحادية رغم وجود صور وشرائط فيديو، وفوق ذلك كله صراع مع القضاء، وإجراء الاستفتاء رغم عدم وجود إشراف قضائي، والتغاضي عن تجاوزات في إجراءات الاستفتاء أدت إلى استقالة أمين اللجنة العليا للإشراف علي الاستفتاء رغم كل محاولات إثناؤه عن الاستقالة، واختطاف قرارات باستمرار الرئيس في منصبه وكذلك مجلس الشورى المطعون علي شرعيته والذي حال الإعلان الدستوري الأخير دون الحكم في هذه القضية شأنه شأن قضية صلاحية تشكيل الجمعية التأسيسية، كل تلك العوامل قسمت مصر.
وصار المشهد الآن، أن قتل المتظاهرين يتم بالميليشيات، لننتقل بعد التقسيم إلى الحرب الأهلية.
ليس هناك ضوء في نهاية النفق المظلم الذي دخلته مصر، فالتعامل بالأمر الواقع أو هو العنف، ويلبسون ذلك كله مسوح شرعية صندوق التصويت وكأن غزوة الصناديق التي بدأت باستفتاء 19 مارس 2011 مازالت مستمرة بين أهل الشريعة والدين وأهل الكفر.
مغامرات التيار الإسلامي ليست نهاية أمر الثورة، ولكنها الباب إلى جحيم لا يطيقه وطن وشعب ومستقبل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
8304
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1602
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1305
| 30 يوليو 2026