رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

132

مها الغيث

أنسنة الطب بين الوحي والعلم

26 فبراير 2026 , 05:13ص

هنا يلمس الطبّ القلب قبل الجسد، فيرسم سبيلا روحانيا مختلفا لعلاج النفس والجسد معاً. يطرح هذا الكتاب رؤية نقدية معاصرة لمفهوم الرعاية الصحية في العالم العربي، انطلاقاً من ملاحظة جوهرية، مفادها أن الأنظمة الاستشفائية الحديثة -رغم تطورها المادي ووفرة الإمكانيات- ما زالت تُقصي الجانب الإنساني والبعد الروحي في التعامل مع المريض، الأمر الذي تداعى إلى أزمة قيمية عميقة في المجال الطبي تبدو فيها الممارسة العلاجية قد فقدت الكثير من جوهرها الأخلاقي والوجداني. عليه، يؤكد المؤلف أن الطب الحديث في المجتمعات العربية قد تبنّى النموذج الغربي في النظر إلى الإنسان بوصفه مجرد كيان جسدي، متجاهلاً تكوينه النفسي، رغم أن البحوث العلمية أثبتت الأثر الإيجابي للدعم الروحاني في تحفيز جهاز المناعة وتقوية مقاومة الجسد للمرض، فضلاً عن دوره الوقائي في مقاومة الاضطرابات النفسية، إضافة إلى الحد من ظاهرة الاحتراق المهني لدى الطواقم الطبية. ويرى أن هذا القصور لا يعود إلى غياب الموارد والقدرات والطاقات، بل إلى غياب رؤية فلسفية متكاملة تُعيد الاعتبار لمركزية القيم الإنسانية في الممارسة العلاجية. ففي عرضه لاجتهادات علم النفس التحليلي، ينقل عن مؤسسه (د. كارل يونج) قوله وهو يقرّ بقاعدة إنسانية مشتركة: «إن للإنسان واجباً دينياً طبيعياً، وعدم تأدية هذا الواجب قد يترك في الإنسان شعوراً بالتفاهة وصغر الذات».

هكذا يبدو «الشفاء بالمعنى» لدى المؤلف الذي ضمّن كتابه (الطب الروحاني وعلم النفس الديني) رؤية شاملة للطب والنفس والدين. وعنه، فهو (د. حشلافي حميد) طبيب وأستاذ جامعي في كلية الطب بجامعة وهران في الجمهورية الجزائرية، وهو إضافة إلى تخصصه المهني، كاتب وروائي، وله العديد من الإصدارات العلمية والفكرية تصب في نفس المجال.  من ناحية أخرى، يذهب المؤلف إلى أن جذور المشكلة فكرية ومعرفية، تتمثل أساساً في تبعية مناهج العلوم الطبية والنفسية الجامعية للمدارس الغربية، دون تمحيص ثقافي أو مواءمة مع الخصوصية الدينية للمجتمعات الإسلامية! فالعلم في رأيه، حين يتم استيراده دون نقد أو تكييف، يفقد خاصية الحياد ويتحول إلى أداة لاغتراب الإنسان عن ذاته وعن روحه. لذا، فهو يدعو إلى تأسيس مقاربة «طب روحاني» تستند إلى المنظور الإسلامي، لا كبديل عن الطب الحديث، بل كاستكمال في ربط الجسد والنفس والروح، وإعادة الوحدة الوجودية للإنسان. عليه، تتجلى رسالة الكتاب في الدعوة إلى مصالحة العلم بالإيمان، والمعرفة الطبية بالحكمة الدينية، وذلك من خلال دمج البعد الروحي في التعليم الطبي وفي الممارسة السريرية على السواء، كما يشدد على ضرورة إعادة الاعتبار للقرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين أخلاقيين ومعرفيين لتقويم المنظومة العلاجية، وترسيخ القيم الرحيمة في التعامل مع المريض والكوادر الطبية.

فمن خلال قراءة سريعة في فلسفة الطب الروحاني كما جاء به الكتاب، يظهر المؤلف -وقد اجتمع بالروح في غرفة العلاج- يتناول بعد المقدمة، ‎النظريات الغربية المتعلقة بالدعم الديني في العلاجات الطبية والنفسية، فيتطرق من خلالها إلى مدرسة التحليل النفسي ومفارقة الإلحاد الفكري الذي كان يعتريها، ونشأة علم النفس في شقيه الديني والروحاني. ثم يتحدث عن ‎أهمية الدعم الروحاني في العلاجات الطبية، فيحدد ‎أولاً دعائم الإسلام فيه انطلاقاً من كونه شريعة حياة، وضرورة رسوخ الاعتقاد الديني والانتماء ‎الروحاني للمريض كفطرة، إضافة إلى تأكيد مغزى الوجود والإيمان بالكتب السماوية ورسلها، فضلاً عن احتياجه الروحاني للصلاة والصدقة وإدامة الذكر وقراءة القرآن، مع دلالات ومعانٍ أخرى تربط بين المسلم والمرض. يقوده هذا للتطرق إلى ‎صيرورة الموت من خلال مفاهيم إسلامية عدة، مثل (الموت حق، سكرات الموت، البكاء على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنه وصلاة الجنازة عليه)، وفي حين ينتهي بالحديث عن الحياة بعد الموت بعد هذه الرحلة الدنيوية، ينتقل للحديث عن ‎فلسفة الموت لا سيما وهو يربط بين واقع العالم المادي والمفاهيم الإسلامية حول الروح. يعدد ‎أشكال الموت، كـ (موت الفجأة، والموت عند النوم، وموت الطفل)، لكنه يُسهب في الحديث عن الانتحار كشكل آخر من أشكاله، فيحدد أسبابه التي قد تكون ضمن مرض الاكتئاب النفسي، أو لدى المسنين كما في فقدان معنى الحياة، أو عند من فقد عقله، أو لظروف بعض الأعمال المهنية الصعبة. وبينما يختم المؤلف كتابه بالحديث عن دور المرشد الديني في المؤسسة الاستشفائية، يعرض مجموعة من ‎الآداب الإسلامية في عيادة المريض، كالاستئذان احتراماً للخصوصية، اللقاء بالابتسامة وبشاشة الوجه، التحية بالسلام والمصافحة باليدين، حسن المجالسة وطيب الكلام، الدعاء كسند معنوي، التهادي والتحاب.

في جوهره، يشكّل الكتاب دعوة لاستعادة البعد الإنساني في الممارسة العلاجية، وإحياء الطب البشري الشامل الذي يرى في المريض كائناً ذا كرامة، لا مجرد حالة سريرية، وهو يسعى إلى إعادة بناء الوعي المهني في ضوء رؤية تُوحّد بين الطب والعقيدة، العلم والنفس، الجسد والروح، لتتحول الممارسة الطبية من فعل ميكانيكي إلى رسالة أخلاقية وروحية تليق بإنسانية الإنسان. بعبارة أخرى: إنها دعوة للتصالح بين العلم والإيمان، حتى لا يفقد الطب شيئاً من إنسانيته.

اقرأ المزيد

alsharq معركة الوميض الأول

المعركة لا تبدأ حين تدوي الصفارات. تبدأ عند لحظة اشتعال محرك الصاروخ. هناك، في الوميض الحراري الأول، تتحدد... اقرأ المزيد

72

| 03 مارس 2026

alsharq الصيام قوة للروح والجسد

لكل عبادة فرضها الله تعالى علينا حكم عظيمة جهلنا معظمها وعلمنا القليل منها، ومن حكمة الله تعالى في... اقرأ المزيد

90

| 03 مارس 2026

alsharq خبرة ترامب في إسقـاط الأنظمـة

لا شك أن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي ورئيس الأركان وعدد من القيادات والشخصيات الإيرانية في... اقرأ المزيد

102

| 03 مارس 2026

مساحة إعلانية