رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

609

مها الغيث

العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 2-2

30 يناير 2026 , 01:32ص

..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew» لمؤلفه/‏ Avi Shlaim يتطرق المؤرخ إلى نظرة الازدراء التي وُجهت له كـ (مزراحيم) أو -عبرياً- كيهودي شرقي ينحدر من أصول عراقية، لا سيما في المدرسة بين أقرانه ومع معلمة يهودية من أصل ألماني ناصبته العداء، ما ولّد لديه شيئا من عقدة النقص، وجعل منه طالباً خجولًا يفتقر للثقة وللتحصيل الدراسي المطلوب، إضافة إلى عوائق اللغة العبرية والإنجليزية اللتين لم يتقنهما سريعاً في البداية، الأمر الذي دفع والدته -وهي تحمل الجنسية البريطانية- إلى استخدام المحسوبية -كما كانت تفعل بذكاء في العراق- وبما توفّر لدى العائلة من مال، إرساله إلى بريطانيا للدراسة حيث يعيش أخوها، وكان حينها قد بلغ سن الخامسة عشرة! وبعد أن يُسهب المؤرخ في الحديث عن شؤون دراسته وسكنه وتنقلاته ونفقاته وظروف حياته اليومية التي لم تكن بالهينة، يسترجع من ذاكرته عودته للالتحاق بالجيش «الإسرائيلي» واستيفاء الخدمة الإلزامية لمدة عامين، وقد بلغ الثامنة عشرة من عمره، وذلك قبل بدء دراسته الجامعية في كامبريدج، وهو الجيش الذي وجده كـ (بوتقة انصهار) استوعب جميع اليهود القادمين من أرجاء العالم، وذلك على النقيض مما خبره في المجتمع «الإسرائيلي» عندما كان صغيراً.

وعلى الرغم من أن تجربة الخدمة العسكرية تلك قد ولّدت لديه شعورا وطنيا عارما تجاه «إسرائيل»، فقد شكلت حرب الأيام الستة -التي أراد المشاركة فيها طواعية- وضاعفت ثلاثاً من مساحة الأراضي الخاضعة تحت سيطرتها، متمثلة في الجولان وسيناء والضفة الغربية، نقطة تحوّل تاريخية عززت لديه رؤية «إسرائيل» كقوة استعمارية ضد العرب، فضلاً عن مزاعم أحقيتها التاريخية في أرض فلسطين!

والمؤرخ وقد تم تصنيفه ضمن (المؤرخين الجدد) الذين برزوا في أواخر الثمانينيات، وتبنوا رؤية مغايرة للتاريخ اليهودي والحركة الصهيونية وأعادوا قراءة سرديتهما، وأثاروا من حولهم العداء، يفنّد الادعاءات التي تصف اليهود كقوة مستضعفة في ميزان القوى أمام الجحافل العربية زمن النكبة، وادعاءات هجرة الفلسطينيين الطوعية لأرضهم امتثالاً لأوامر قادتهم، ويدحض مزاعم (التعنت العربي) في مجريات مفاوضات السلام في حين يثبت تعنت الجانب «الإسرائيلي»، ويكشف عن التواطؤ البريطاني-الصهيوني في تقسيم فلسطين والذي امتدت اجتماعاته قبيل انتهاء الانتداب البريطاني، وعن عدم جدية العرب في خوض الحرب فضلاً عن مصالحها المتضاربة وأطماعها التوسعية الخاصة وشعارات القومية الرائجة آنذاك. 

لذا، يستقي المؤرخ من هذه الخبرات المعقدة عبر التاريخ البعيد-القريب، رؤيته الخاصة حول نشأة الصراع العربي- «الإسرائيلي» وتطوراته حتى اللحظة، لا سيما وقد اتخذ مع نكسة عام 1967 موقفاً مناهضاً لـ «إسرائيل» الذي تحوّل جيشها في نظره من قوة نظامية للدفاع عن النفس ضد خطر الجيوش العربية المحيطة والمهددة برميها في البحر، إلى سلطة احتلال قمعية تمارس التطهير العرقي ضد المواطنين الفلسطينيين، وتحمي أمنها الخاص وحسب، فضلاً عن خططها الاستعمارية منذ البداية، وقد تحوّل إلى ناقد جريء لسياساتها التي صيّرت حال الفلسطينيين المضطهدين واللاجئين والمهجرين منذ النكبة، كالمصير الذي آل إليه اليهود بعد محرقة الهولوكوست، مؤكداً على أن التمييز بين البشر ونزع الصفات الإنسانية حسب الدين أو اللون أو العرق أمر محظور تماماً، بل إن الجميع في رأيه يستحق الحياة في سلام وأمان وحرية! يقول في مذكراته: «من خلال تعمقي في تاريخ عائلتي في العراق، اكتسبت فهماً أعمق لطبيعة الصهيونية وتأثيرها العالمي. درست الحركة الصهيونية بعمق، ولكن بشكل رئيسي فيما يتعلق بتأثيرها على الفلسطينيين. كانت الصورة العامة حركة استعمار استيطاني سارعت بلا هوادة نحو هدفها المتمثل في بناء دولة يهودية في فلسطين، حتى لو انطوى ذلك على تهجير السكان الأصليين».

وهو إذ يتخذ من ذكرى الماضي معيناً لتصوّر مستقبل أفضل في ظل تشابك الهويات ومحاولة الحفاظ عليها، لا يعتقد المؤرخ بأن ما كان من تعايش العرب واليهود أمراً متخيلاً لاح له ولعائلته، بل كان واقعاً معاشاً في بلده وفي بقية البلاد العربية، وهو يؤمن بقدرة الشعوب في التصرف على نحو أكثر عقلانية لا سيما وقد استنفدت جميع البدائل المتاحة، مؤكداً على أن تجاوز المأزق الحالي لن يتم دون إحياء روح التسامح الديني وإعادة تصوّر الحوار المتحضر بين اليهود والعرب الذي ساد في العراق قبل قيام دولة «إسرائيل»!

وهو إذ يستشرف المستقبل محاولاً إيجاد آفاق لحلول عملية لإنهاء الصراع «الإسرائيلي»-الفلسطيني، يجد نفسه -رغم تشاؤمه نحو التقدم على المدى القصير- أكثر تفاؤلاً بشأن فرص التوصل إلى حل سلمي على المدى البعيد. أما الحل الذي ينادي به، هو حل الدولة الواحدة! فعلى الرغم من أنها فكرة لم تجذب ابتداءً سوى قلة من المثقفين، إلا أنها اكتسبت تدريجياً تأييداً واسعاً لا سيما من الجانب الفلسطيني الذي تلاشت لديه آمال الاستقلال التام وتحوّلت مساعيه نحو إرساء حقوق متساوية في ظل الوضع القائم، حيث يُصبح تأسيس دولة ديمقراطية واحدة، تتمتع بحقوق متساوية لجميع مواطنيها بغض النظر عن العرق أو الدين، هو أكثر الحلول عدلاً وواقعية!

مساحة إعلانية