رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

171

د. سلوى حامد الملا

إعادة بناء الروح

26 فبراير 2026 , 05:25ص

يمنحنا الخالق مواسم وشهورا وليالي وأياما. والتي تعد فرصة حقيقية لمن أسرف في الذنوب والمعاصي ولمن ألهته الحياة ورتمها السريع في هرولة وجري خلف ماديات ومجاملات نسي فيها الالتفات لذاته وروحه التي ترافقه. فشهر رمضان ليس شهراً عابراً في التقويم نترقب هلاله وظهوره، ولا موسماً مؤقتاً تتغير فيه مواعيد الطعام والنوم فحسب، بل هو محطة ورحلة روحية عميقة يعاد فيها ترتيب الإنسان من الداخل. في هذا الشهر تبتعد الروح من ضجيج الحياة، وتقترب أكثر من معناها الحقيقي، حيث يصبح الصيام رحلة تهذيب للنفس قبل أن يكون امتناعاً عن الطعام والشراب. إن الجوع والعطش ليسا غاية الصيام، بل وسيلة لإيقاظ القلب وإعادة الإنسان إلى إنسانيته الأولى. في هذا الشهر شهر القرآن يكون الاقتراب والتلاوة وعدد الختمات التي تكون قراءتها مختلفة عن باقي الشهور لأنه شهر القرآن الذي جاء هدى ورحمة للقلوب. الصيام في جوهره تدريب أخلاقي يومي؛ فهو يعلم الصبر حين يشتد التعب، ويغرس ضبط النفس حين تغيب الرقابة البشرية وتبقى رقابة الضمير. الصائم يمتنع عما هو مباح في الأصل، ليتعلم كيف يبتعد عما هو محرم دائماً. وهنا تتجلى حكمة الصيام؛ إذ يتحول إلى مدرسة عملية في تهذيب السلوك، فينتقي الإنسان كلماته، ويخفف غضبه، ويراجع أفعاله، وكأن رمضان يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وأخلاقه. وفي بيئة العمل، يظهر أثر رمضان بصورة مختلفة؛ حيث تصبح الأمانة أكثر حضوراً، ويتجلى الإحسان في أداء الواجب، لا بدافع الرقابة أو التقييم، بل بدافع الإخلاص. فالصائم الحقيقي يدرك أن العمل عبادة، وأن الإتقان جزء من التقوى، فيسعى لأن يكون عطاؤه أكثر صفاءً وعدلاً ورحمة. وهكذا يتحول رمضان إلى مساحة لإحياء القيم المهنية الرفيعة القائمة على المسؤولية والصدق واحترام حقوق الآخرين. وفي العلاقات الإنسانية، فإن رمضان يعيد ترميم ما أفسدته سرعة الأيام. تتسع القلوب للتسامح، وتلين النفوس للاعتذار، وتعود صلة الرحم كقيمة حية لا مجرد واجب اجتماعي. موائد الإفطار ليست فقط طعاما يجمع الناس، بل جسور محبة تُبنى من جديد، حيث يتذكر الإنسان حاجات غيره، ويشعر بآلام الفقير والمحتاج، فيتحول العطاء إلى شعور صادق قبل أن يكون صدقة. الإحسان في رمضان يتجاوز حدود المال، ليشمل الكلمة الطيبة، والابتسامة، ومواساة القلوب، وتخفيف الأعباء عن الآخرين. إنه شهر يتعلم فيه الإنسان أن الخير ليس فعلاً كبيراً فقط، بل تفاصيل صغيرة تصنع أثراً عظيماً. فكل لحظة رحمة، وكل نية صادقة، وكل عمل خفي، تتحول إلى رصيد روحي يعيد للإنسان توازنه الداخلي. رمضان، في حقيقته، مدرسة سنوية مفتوحة لكل الأعمار؛ يتعلم فيها الطفل معنى الانتظار والانضباط، ويتعلم الشاب قوة الإرادة، ويستعيد الكبير سكينة القلب وطمأنينة الإيمان. فصول هذه المدرسة ليست دروساً نظرية، بل تجارب يومية تعلّم العطاء، وتدرب على الصبر، وتكافئ بالأجر العظيم من الله، ليخرج الإنسان منها وقد أصبح أقرب إلى نفسه وأقرب إلى خالقه.

آخر جرة قلم: يبقى المعنى الأعمق للصيام أنه إعادة بناء للروح المتعبة وللروح التائهة والالتفات إليها وتعليمها لقيم تتشابه مع معنى وقيمة الروح العليا، وتجديد للعهد مع القيم العليا التي تسمو بالإنسان وتعامله وحتى رقي صمته وهدوء حضوره. فإذا انتهى رمضان وبقي أثره في الأخلاق والعمل والتعامل، فقد تحقق المقصد الحقيقي للصيام؛ أن نصبح أفضل مما كنا، وأن نحمل نور الشهر معنا إلى بقية العام.

مساحة إعلانية