رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بلى، كما قرأتَ، عزيزي القارئ، باتت إحدى أمنياتنا أن نكون ذلك “الوشق”. فقد تابعنا جميعًا الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام عن هجوم مباغت نفّذه وشق مصري على مجموعة من جنود الكيان المحتل في منطقة جبل حريف على الحدود المصرية، ما أسفر عن إصابتهم بجروح متفاوتة.
واقعة قد تبدو غريبة، لكنها تعيد إلى الذاكرة مشهداً أكثر وحشية: ذلك الكلب المفترس الذي أطلقه جنود الاحتلال، المتفاخرون بأخلاقهم المزعومة، على مسنّة فلسطينية خلال عدوانهم الهمجي على غزة. وكأن عدالة السماء أبت إلا أن تضع المعتدي في موضع الضحية، ليذوق شيئًا مما أنزله على غيره. فهل هي مجرد مصادفة؟ أم أنها رسالة كونية بأن الظلم، وإن ظنّ أصحابه أنه بلا رادع، ستنتفض الطبيعة نفسها ضده؟
* وكأن الله أراد أن يفضح عجزنا، فسلّط علينا هذا الوشق ليقوم بما تقاعسنا عنه، لينتزع من المحتل ثمن جرائمه، بينما نحن جالسون نحسب عدد الشهداء كما لو كانوا مجرد أرقام في نشرة أخبار. هذا الوشق، الذي لا يدرك معنى الحقوق ولا يعرف شيئًا عن العدالة، استشعر الظلم الواقع على الفلسطينيين أكثر مما استشعرناه نحن! نهض ليواجه القتلة، فيما نحن نكتفي بمراقبة المجازر كأنها مشاهد من فيلم دموي معتاد، وبعضنا لا يجرؤ حتى على التعبير عن رأيه، رغم أن ذلك أضعف الإيمان!
لكن، أمام هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نتساءل بحسرة: أإلى هذا الحد بلغ بنا الضعف والهوان، حتى باتت الأقدار تستبدلنا بحيوان بريّ لينتزع لنا بعضاً من حقوقنا المسلوبة؟ كيف نقف مبهورين ببطولة حيوان، بينما نحن أصحاب القضية نقف عاجزين مكتوفي الأيدي، لا نحرك ساكنًا؟! وكأننا نحيا على كوكب آخر، لا نملك سوى التصفيق لهذا الحيوان صاحب الكرامة، ومتابعة المجازر بحق أهلنا في شهر الرحمة وطلب المغفرة، وكأننا مجرد متفرجين في مسرحية عبثية! فكيف سيغفر لنا الله؟ وكيف نرجو العتق من النار، ونحن عاجزون عن نصرة المظلوم؟!
* إنها لحظة مواجهة مع الذات، فما جدوى حياة تُعاش في ظل الخنوع؟ وما قيمة البنيان المرصوص إن لم تهتز أركانه لنصرة المظلوم؟ أما آن الأوان لأن نستلهم من هذه الحادثة درساً لا يُنسى؟ فالأرض لا يحررها المتخاذلون، والحقوق لا تُستعاد بالانتظار، والتاريخ لا يرحم، الأوطان لا تُستعاد بالأماني، بل بالصمود وبمواصلة دعم إخوتنا، ولو بالكلمة، وهذا أضعف الإيمان، تثبيت المقاومين الصامدين على الثغور ونصرتهم هو واجب لا يقبل التأجيل، فهم خط الدفاع عن شرف أمة بأكملها، وهم الذين يؤمنون بأن العيش بكرامة هو الخيار الوحيد الذي يستحق المقاومة لأجله.
أليس هذا هو العار بعينه؟ أن نحتفي بفعل حيوان، بينما تخرس ألسنتنا عن قول الحق، وتُشلّ أيدينا عن الفعل؟ أن يصبح الوشق أشجع منا، أكثر وفاءً لقضيتنا من ملايين البشر؟ في أي دركٍ سحيق سقطنا حتى صار الحيوان رمزًا للكرامة، وصار الإنسان مثالًا للخذلان؟
* نحن الذين كنا سادة الأرض، أصبح أقصى ما نملكه هو الدعاء والمناشدات، ننتظر من الطبيعة أن تثأر لنا، وكأن الله قد استبدلنا بحجارةٍ تلقيها الطير، أو بحيوانات تأبى الذلّ، بينما نحن نتعايش معه! الوشق فعلها وحده، ونحن خذلنا فلسطين، وخنَّا دماء الشهداء، وتركنا أطفال غزة يحترقون تحت القصف، ونحن نتساءل: عن كفارة الإفطار في نهار رمضان عمداً؟!، لا عن كفارة الخذلان مع سبق الإصرار والترصد!.
لا، ليس انتقام «الوشق» هو المعجزة، بل معجزتنا ستكون يوم نقرر أن نخوض المعركة بأنفسنا، يوم نتحرر من خوفنا كما تحرر هذا الوحش من غريزته، فاستبدل بها كرامةً لم يعد يعرفها إلا القليلون.
ختاماً..
* إن حادثة الوشق ليست مجرد واقعة عابرة، بل هي صفعة على وجوهنا جميعًا، تفضح عجزنا وتضعنا أمام حقيقة مُرّة: أن حتى الطبيعة باتت أكثر جرأة منا في مواجهة الظلم. هي رسالة لا تحتمل التأويل، بأن فلسطين لا تنقصها وحوش تدافع عنها، بل تنقصها قلوب مؤمنة، وعزائم لا تهادن المحتل ولا تستكين.
فإلى متى سنبقى على هامش المعركة ننتظر من الأقدار أن تردّ لنا حقوقنا المسلوبة؟ إلى متى سنترك أطفال غزة وحدهم في مواجهة القذائف، ونكتفي بعدّ الشهداء ورصد المجازر والانتحاب عليهم؟! متى سننهض من هذا السبات الذي طال؟!، فالتاريخ لن يرحمنا.
الأزمات لا تكسر الأقوياء بل تعرّفهم بأنفسهم
ليست الأزمات لحظات انكسار بقدر ما هي لحظات انكشاف. فهي لا تُظهر ضعف الإنسان كما يظن البعض، بل... اقرأ المزيد
36
| 12 مارس 2026
أولويات قطر في ظل العدوان
مع استمرار الاعتداءات الإيرانية، تعطي دولة قطر الأولوية للدفاع عن أراضيها والتأكد من سلامة مواطنيها والمقيمين وزوارها وضمان... اقرأ المزيد
51
| 12 مارس 2026
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد فيه الأزمات العالمية تعقيدًا، لم تعد قوة المؤسسات تُقاس فقط... اقرأ المزيد
54
| 12 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
7875
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4158
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1188
| 11 مارس 2026