رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدت الحاجة إلى وقفة موضوعية مع حكومة تصريف الأعمال، لا نراجع أعضاءها كأفراد ولكن نتجاوز ذلك إلى القرارات، فلا تنابذ بعد الثورة، ولكنه اختيار حر إذا كان المناخ صالحا، ويعبر عن نفسه بالرفض والقبول.
تنقسم الناس في قراءة ما يجري حسب حجم ما اقتطعوه من تورتة الثورة.
اختار الخالق عز وعلا "شهداء" بلغ عددهم 860 شهيدا، وهم من ربحوا المواجهة من اللحظة الأولى، فقد انتهت حياتهم فوق أرض طاهرة ولهدف نبيل، واجتباهم ربهم دون خلقه أجمعين، وصاروا في رقابنا أمانة ومسؤولية، ومعهم عشرة آلاف مصاب وفقدان البصر هو الإصابة الأكثر انتشارا، وينفي وزير الداخلية القادم لتصريف الأعمال عنهم الشهادة ويتهمهم بأنهم من "البغاة" على الأقسام، وهو ذات وصف نظام المخلوع، ومع ذلك مازالت الشرطة خارج الخدمة، ومازال هذا الوزير في الخدمة.
وهناك من هرب من السجن أو أخرج منه بإفراج صحي، أو رفعت الثورة عنه الحظر السياسي ولم يقدم أوراق اعتماده للثورة كي تقبل به أو ترفضه، ولكنهم يتصدرون المشهد ويوزعون الكراسي النيابية، ويكتبون التعديلات الدستورية، ويقودون المظاهرات الطائفية، ويتحركون خارج الاحتياجات الشعبية من حق العمل والمأكل والملبس والمسكن والصحة، إلى امتلاك الأرض وإقامة شرع الله، ومن يناقش الأمر، يوجه إليه اتهام رفض الإسلام ورفض القرآن، إلى هذا الحد بلغ الأمر بهم. يفتقدون لغة الحوار ويرفعون السيف الديني في وجه المجتمع. ومنهم آخرون كما استخدمهم أمن الدولة، عاد فأطلقهم، وكأنهم أصحاب مصر، ويستغلون الانحياز الشعبي إلى الإيمان والتدين، ويقودون أعتى صور الفتنة في زمن تحتاج مصر فيه إلى وحدة كل الشعب لبناء الدولة.
وهناك من يسعى في كل دروب المجتمع وتجمعاته للحديث عن معنى الدستور ووجوب تقديمه على العملية الانتخابية سواء لمجالس نيابية أو رئيس، لأن الشعب لم يسترد إرادته لتغتصب منه وتسلم إلى القادمين من المجهول. ويتردد في الأجواء تساؤل عادل هل ما نحتاجه رؤية وطنيه جديدة، استراتيجية وطنيه، أم فقط دستور، أم نذهب لانتخابات نيابية تكتب نهاية الثورة، وتعود بنا إلى التكتلات العاجزة عن امتلاك تصور مستقبلي للدولة التي نريدها، ومكوناتها الاجتماعية وطريقها الاقتصادي، وهذه التكتلات ذاتها كانت من ضمن الأسباب التي أفضت إلى الفساد بعجزها عن مواجهته، واستدعت الثورة.
ورغم أن عدد الأحزاب التي أعلن عنها محدود، إلا أن هناك عشرات من التجمعات تنتسب اسميا إلى كلمات (الائتلاف ومشتقاته، والشباب، والثورة دفاعا أو دعما، والي حقوق الإنسان)، وهي في غالبيتها محاولات أوليه لا تتضمن تصورا، وتحتاج إلى زمن للإنضاج من حيث الكادر والرؤى السياسية، وهذا التعدد والتنوع يؤكد على عدم قدرة المتاح والمقترح من أحزاب على احتواء الجموع الراغبة في المشاركة السياسية. غير أنه أيضاً يشي بأن ثقافة الهروب من المهام السياسية والتزاماتها تسود، وتتزايد نغمة الخدمات الاجتماعية. أفق مضطرب يحده الرهبة والرغبة في المشاركة والعجز عن تحديد الأولويات.
وتشهد مصر حركة دائبة من منظمات أمريكية وأوروبية، وتسعى المنظمات في دروب تذكرنا بوقائع التقارب المصري الأمريكي نهاية السبعينيات وانتشار الباحثين الأمريكيين في كل ربوع مصر فيما أطلق عليه "وصف مصر بالأمريكاني"، وكأننا الآن أمام محاولة لتفسير الثورة ووقائعها بالأمريكاني، في محاولة منهم للحاق بما فاتهم نتيجة للمفاجأة والسرعة والحسم مما أدي إلى إسقاط النظام على عكس كل التوقعات الغربية والصهيونية، وهي أيضاً محاولة لتشكيل عقل المجموعات العاملة في المجتمع، وبإمكانات عالية، وبتمويل سخي، وعبر لقاءات تجمع الشباب في فنادق النجوم الخمس، ولأيام ست، ولتدريبات عقلية بالأساس، في غياب لأي جهد وطني مناظر، أو متابعة دقيقة لأهداف هذه التحركات.
الآن تتجلى أزمة غياب القيادة وغياب التنظيم، وأن الثورة كانت عابرة لقصور النخب التي لم تستوعب بعد عمق الثورة التي تمت. وتجاوزت أحزاب التشتت، التي فقدت البوصلة. وصارت كلمات الشباب من دون أيديولوجيا متجاوزة رؤى الأحزاب والتيارات السياسية، ولم يرق من هذه الكيانات المهترئة أحد إلى مستوى الرجل القادم من وكالة الطاقة الذرية والذين اتهموه أنه كان بعيدا عن الوطن وجراحه، وكأنهم يرددون أغنيات المواسم الانتخابية بذات إيقاع إعلام النظام المخلوع، جاء الرجل وتحدث على النقيض منهم جميعا عن العدل الاجتماعي والاشتراكية الديمقراطية وضرب مثلا بالنمسا. ورغم هذا مازالت أوجه البهجة المستعارة من النظام المخلوع وخدامة يصارعون الحقيقة ويعرضون أنفسهم عبئا على الوطن.
هذا التعدد قد يراه البعض طبيعيا، لأن الجميع لم ير وقائع ما جرى بذات القدر من الوضوح، وعليه تباينت درجات الوعي بمتطلبات التغيير.
وإذا كان هذا مقبولا بين الشعب، فكيف به إن أصاب حكومة تصريف الأعمال؟، والذي كان وجودها محل صراع طويل على مدى 55 يوما منذ رحيل الرئيس المخلوع حتى إعلان هذه الحكومة برئيس وزراء ممن اقترحتهم إرادة الجموع المحتشدة.
للحكومة صورتان إيجابيتان إحداهما يديرها وزير الخارجية، وتبدو الخارجية كأنها تستعيد عافيتها لأنه رجل يعرف قيمة وطنه ويملك رؤية لمكانة هذا الوطن ودوره والمخاطر التي يواجهها. والصورة الاخرى إعلاميه إعلانية، وبطلها هذه المرة رئيس الحكومة، الذي يفطر في مطعم للفول، ويحمل الحذاء لامرأة دخلت مكتبه وخلعته على الباب ويطلب منها أن ترتديه، ثم يحمل تحية إلى القبائل في سيناء من ابنه المجند بالقوات المسلحة.
وعدا ذلك نجد الوقت يضيع من بين يدي الحكومة دون أن تحقق مهام المرحلة الانتقالية، والمهمة الرئيسية أمامها هي توفير مناخ سياسي عام يفتح أفقا أمام قوى المجتمع للإسهام في مهام البناء، وهذا المناخ يتطلب إصدار تشريعات وبناء آليات الحوار المجتمعي، ويتطلب حالة من الأمن تتيح لذلك كله أن يتحقق وينتج رؤية وطنية يتم التوافق عليها، ويجري وضع الدستور الوطني على أساسها.
ورغم وضوح هذه المهمة، إلا أن الحكومة لم تنجح في شأنها، سواء بتشتت المهمة وحاجاتها بين الحكومة والمجلس العسكري، أو ضياع المهمة داخل الحكومة ذاتها على يد كل من نائب رئيس الحكومة ووزير الداخلية.
فقد وزير الداخلية القدرة على إعادة بناء جهاز الشرطة، لأنه بالأساس قرأ ممارسات الشرطة بعقلية النظام المخلوع، وتدخل في حكم الله عندما أعلن أن من استشهد أمام أقسام الشرطة ليس بشهيد ولكنه بغي. ولم يملك شجاعة محاسبة من اقترف جرائم القتل من أفراد الجهاز، ومارس الالتفاف والخداع في موقفه من جهاز أمن الدولة، ولم يتخذ منحى علمي لإعادة البناء، حتى أن خبراء أعلنوا أن إعادة بناء جهاز الشرطة بذات العناصر غير ممكن.
ولم يعلن رئيس الحكومة موقفا من الوزير ولا مهمة إعادة البناء، بينما الشارع يفتقد الأمن لغياب الوزير ورجاله عن أداء مهامهم.
ورغم الحاجة إلى الحوار المجتمعي حول آفاق المستقبل تحضيرا للدستور الوطني، والذي ليس مجرد صياغات قانونية، ولكنه توافق إرادي بين قوى المجتمع، إلا أن وضع نائب رئيس الحكومة على رأس هذه المهمة أدى إلى قتلها قبل أن تولد، ووقف النائب مطالبا بالتصالح مع النظام الذي أهدر مصر مكانة وثروة ونشر فيها الفساد، وتزعم بيع الكرامة الوطنية وحق المجتمع فيمن أجرموا وافسدوا، مقابل استرداد الأموال المنهوبة، وعندما وجه إليه النقد، أعلن "أنه كالطود" ولن ينال منه أحد، ويسرب النائب أنه مكلف بإعداد دستور مصر الجديد ورئيس الحكومة كأنه لا يرى ولا يسمع.
وتقع الحكومة في فخ تغييرات المحافظين، ويصورها البعض أنها تسلم المحافظات إلى محافظين من النظام المخلوع رغم تغيير 22 محافظا، وتبدو حركة المحافظين ككمين نصب لاصطياد الحكومة وهي "لا تعرف" ماذا تفعل. فأول خطأ وقعت فيه الحركة أنها نقلت محافظا من الإسماعيلية للفيوم، ثم ألغت تعيينه نهائيا بمجرد أن خرج من لقاء المصافحة مع رئيس الحكومة، ليقدم بعد ذلك إلى التحقيقات بتهمة الإضرار بالمال العام، وخرجت مظاهرات ترفض محافظ قنا، وتعجز الحكومة عن مواجهة الأزمة وتستعين بمشايخ الفضائيات لإيجاد حل مع الجماهير هناك، وكأنها وزارة تسليم الدولة المصرية بعد الثورة إلى مشايخ الفضائيات.
وتبلغ وقائع التسويف الذروة في أمر ترشيح مصطفي الفقي لمنصب أمين الجامعة العربية، وموقفه من العلاقة مع صندوق النقد الدولي.
في الثورات لا يأتي من النظام المخلوع من يرشح نفسه رئيسا أو من يرشحه نظام ما بعد الثورة لمنصب إقليمي، فلو أن الذي يحكم هو نظام الثورة لتم تقديم كل من عمرو موسي ومصطفي الفقي إلى محكمة الثورة بتهمة الإفساد السياسي، ولكن حكومة "تسويف" الأعمال تقبل بهما رغم الثورة، فارق الوعي والانتماء هو مبرر الخلل، وليس من العدل أن نرشح للجامعة العربية شخصا لا نأتمنه في وطننا على شئ.
واتفق وزير المالية وصندوق النقد الدولي أن مصر تحتاج 12 مليار دولار، وذهب وزير المالية لاجتماعات مع الصندوق، وعاد دون إعلان حقيقة ما جرى من اتفاق أو اختلاف، رغم الإدراك العام أن سياسات الصندوق عالميا هي منبع الخلل، ولم تعرض الحكومة استبداله بتمويل اقتصادي عربي أو دولي مثل روسيا والصين، أمر آخر يضاف إلى مشاكل حكومة التسويف ووزرائها.
هكذا الأمر في مصر الآن، تفرق حول أطماع في أنصبة من تورتة الثورة، وحكومة تسويف لم تنجح في شئ، ووجب مراجعة أمرها: هل نقبل باستمرارها في التسويف، أم نغيرها بدلا من استمرار سياسة الترقيع.
فهل تدركنا مليونية تغيير الوزارة قبل إعدام الثورة في الانتخابات النيابية؟
فنّ الثبات في زمن التقلّب
ليست الحياة طريقًا مستقيمًا مفروشًا بالطمأنينة، بل هي سلسلة من الفصول؛ يمر فيها الإنسان بأيام يظن أن السماء... اقرأ المزيد
111
| 06 أغسطس 2026
العقل في إجازة
هذا عنوان فيلم قديم عُرِضَ في مصر عام 1947 لمحمد فوزي وليلى فوزي وشادية. فيلم حافل بالضحك والغناء،... اقرأ المزيد
186
| 05 أغسطس 2026
كرة القدم ونحر القيم
أطلق عليها ما شئت من عنوان، كرة القدم وقتل القيم! كرة القدم والرصاصة الأخيرة على القيم! كرة القدم... اقرأ المزيد
273
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4809
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2337
| 01 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
1530
| 05 أغسطس 2026