رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبدت الحاجة إلى وقفة موضوعية مع حكومة تصريف الأعمال، لا نراجع أعضاءها كأفراد ولكن نتجاوز ذلك إلى القرارات، فلا تنابذ بعد الثورة، ولكنه اختيار حر إذا كان المناخ صالحا، ويعبر عن نفسه بالرفض والقبول.
تنقسم الناس في قراءة ما يجري حسب حجم ما اقتطعوه من تورتة الثورة.
اختار الخالق عز وعلا "شهداء" بلغ عددهم 860 شهيدا، وهم من ربحوا المواجهة من اللحظة الأولى، فقد انتهت حياتهم فوق أرض طاهرة ولهدف نبيل، واجتباهم ربهم دون خلقه أجمعين، وصاروا في رقابنا أمانة ومسؤولية، ومعهم عشرة آلاف مصاب وفقدان البصر هو الإصابة الأكثر انتشارا، وينفي وزير الداخلية القادم لتصريف الأعمال عنهم الشهادة ويتهمهم بأنهم من "البغاة" على الأقسام، وهو ذات وصف نظام المخلوع، ومع ذلك مازالت الشرطة خارج الخدمة، ومازال هذا الوزير في الخدمة.
وهناك من هرب من السجن أو أخرج منه بإفراج صحي، أو رفعت الثورة عنه الحظر السياسي ولم يقدم أوراق اعتماده للثورة كي تقبل به أو ترفضه، ولكنهم يتصدرون المشهد ويوزعون الكراسي النيابية، ويكتبون التعديلات الدستورية، ويقودون المظاهرات الطائفية، ويتحركون خارج الاحتياجات الشعبية من حق العمل والمأكل والملبس والمسكن والصحة، إلى امتلاك الأرض وإقامة شرع الله، ومن يناقش الأمر، يوجه إليه اتهام رفض الإسلام ورفض القرآن، إلى هذا الحد بلغ الأمر بهم. يفتقدون لغة الحوار ويرفعون السيف الديني في وجه المجتمع. ومنهم آخرون كما استخدمهم أمن الدولة، عاد فأطلقهم، وكأنهم أصحاب مصر، ويستغلون الانحياز الشعبي إلى الإيمان والتدين، ويقودون أعتى صور الفتنة في زمن تحتاج مصر فيه إلى وحدة كل الشعب لبناء الدولة.
وهناك من يسعى في كل دروب المجتمع وتجمعاته للحديث عن معنى الدستور ووجوب تقديمه على العملية الانتخابية سواء لمجالس نيابية أو رئيس، لأن الشعب لم يسترد إرادته لتغتصب منه وتسلم إلى القادمين من المجهول. ويتردد في الأجواء تساؤل عادل هل ما نحتاجه رؤية وطنيه جديدة، استراتيجية وطنيه، أم فقط دستور، أم نذهب لانتخابات نيابية تكتب نهاية الثورة، وتعود بنا إلى التكتلات العاجزة عن امتلاك تصور مستقبلي للدولة التي نريدها، ومكوناتها الاجتماعية وطريقها الاقتصادي، وهذه التكتلات ذاتها كانت من ضمن الأسباب التي أفضت إلى الفساد بعجزها عن مواجهته، واستدعت الثورة.
ورغم أن عدد الأحزاب التي أعلن عنها محدود، إلا أن هناك عشرات من التجمعات تنتسب اسميا إلى كلمات (الائتلاف ومشتقاته، والشباب، والثورة دفاعا أو دعما، والي حقوق الإنسان)، وهي في غالبيتها محاولات أوليه لا تتضمن تصورا، وتحتاج إلى زمن للإنضاج من حيث الكادر والرؤى السياسية، وهذا التعدد والتنوع يؤكد على عدم قدرة المتاح والمقترح من أحزاب على احتواء الجموع الراغبة في المشاركة السياسية. غير أنه أيضاً يشي بأن ثقافة الهروب من المهام السياسية والتزاماتها تسود، وتتزايد نغمة الخدمات الاجتماعية. أفق مضطرب يحده الرهبة والرغبة في المشاركة والعجز عن تحديد الأولويات.
وتشهد مصر حركة دائبة من منظمات أمريكية وأوروبية، وتسعى المنظمات في دروب تذكرنا بوقائع التقارب المصري الأمريكي نهاية السبعينيات وانتشار الباحثين الأمريكيين في كل ربوع مصر فيما أطلق عليه "وصف مصر بالأمريكاني"، وكأننا الآن أمام محاولة لتفسير الثورة ووقائعها بالأمريكاني، في محاولة منهم للحاق بما فاتهم نتيجة للمفاجأة والسرعة والحسم مما أدي إلى إسقاط النظام على عكس كل التوقعات الغربية والصهيونية، وهي أيضاً محاولة لتشكيل عقل المجموعات العاملة في المجتمع، وبإمكانات عالية، وبتمويل سخي، وعبر لقاءات تجمع الشباب في فنادق النجوم الخمس، ولأيام ست، ولتدريبات عقلية بالأساس، في غياب لأي جهد وطني مناظر، أو متابعة دقيقة لأهداف هذه التحركات.
الآن تتجلى أزمة غياب القيادة وغياب التنظيم، وأن الثورة كانت عابرة لقصور النخب التي لم تستوعب بعد عمق الثورة التي تمت. وتجاوزت أحزاب التشتت، التي فقدت البوصلة. وصارت كلمات الشباب من دون أيديولوجيا متجاوزة رؤى الأحزاب والتيارات السياسية، ولم يرق من هذه الكيانات المهترئة أحد إلى مستوى الرجل القادم من وكالة الطاقة الذرية والذين اتهموه أنه كان بعيدا عن الوطن وجراحه، وكأنهم يرددون أغنيات المواسم الانتخابية بذات إيقاع إعلام النظام المخلوع، جاء الرجل وتحدث على النقيض منهم جميعا عن العدل الاجتماعي والاشتراكية الديمقراطية وضرب مثلا بالنمسا. ورغم هذا مازالت أوجه البهجة المستعارة من النظام المخلوع وخدامة يصارعون الحقيقة ويعرضون أنفسهم عبئا على الوطن.
هذا التعدد قد يراه البعض طبيعيا، لأن الجميع لم ير وقائع ما جرى بذات القدر من الوضوح، وعليه تباينت درجات الوعي بمتطلبات التغيير.
وإذا كان هذا مقبولا بين الشعب، فكيف به إن أصاب حكومة تصريف الأعمال؟، والذي كان وجودها محل صراع طويل على مدى 55 يوما منذ رحيل الرئيس المخلوع حتى إعلان هذه الحكومة برئيس وزراء ممن اقترحتهم إرادة الجموع المحتشدة.
للحكومة صورتان إيجابيتان إحداهما يديرها وزير الخارجية، وتبدو الخارجية كأنها تستعيد عافيتها لأنه رجل يعرف قيمة وطنه ويملك رؤية لمكانة هذا الوطن ودوره والمخاطر التي يواجهها. والصورة الاخرى إعلاميه إعلانية، وبطلها هذه المرة رئيس الحكومة، الذي يفطر في مطعم للفول، ويحمل الحذاء لامرأة دخلت مكتبه وخلعته على الباب ويطلب منها أن ترتديه، ثم يحمل تحية إلى القبائل في سيناء من ابنه المجند بالقوات المسلحة.
وعدا ذلك نجد الوقت يضيع من بين يدي الحكومة دون أن تحقق مهام المرحلة الانتقالية، والمهمة الرئيسية أمامها هي توفير مناخ سياسي عام يفتح أفقا أمام قوى المجتمع للإسهام في مهام البناء، وهذا المناخ يتطلب إصدار تشريعات وبناء آليات الحوار المجتمعي، ويتطلب حالة من الأمن تتيح لذلك كله أن يتحقق وينتج رؤية وطنية يتم التوافق عليها، ويجري وضع الدستور الوطني على أساسها.
ورغم وضوح هذه المهمة، إلا أن الحكومة لم تنجح في شأنها، سواء بتشتت المهمة وحاجاتها بين الحكومة والمجلس العسكري، أو ضياع المهمة داخل الحكومة ذاتها على يد كل من نائب رئيس الحكومة ووزير الداخلية.
فقد وزير الداخلية القدرة على إعادة بناء جهاز الشرطة، لأنه بالأساس قرأ ممارسات الشرطة بعقلية النظام المخلوع، وتدخل في حكم الله عندما أعلن أن من استشهد أمام أقسام الشرطة ليس بشهيد ولكنه بغي. ولم يملك شجاعة محاسبة من اقترف جرائم القتل من أفراد الجهاز، ومارس الالتفاف والخداع في موقفه من جهاز أمن الدولة، ولم يتخذ منحى علمي لإعادة البناء، حتى أن خبراء أعلنوا أن إعادة بناء جهاز الشرطة بذات العناصر غير ممكن.
ولم يعلن رئيس الحكومة موقفا من الوزير ولا مهمة إعادة البناء، بينما الشارع يفتقد الأمن لغياب الوزير ورجاله عن أداء مهامهم.
ورغم الحاجة إلى الحوار المجتمعي حول آفاق المستقبل تحضيرا للدستور الوطني، والذي ليس مجرد صياغات قانونية، ولكنه توافق إرادي بين قوى المجتمع، إلا أن وضع نائب رئيس الحكومة على رأس هذه المهمة أدى إلى قتلها قبل أن تولد، ووقف النائب مطالبا بالتصالح مع النظام الذي أهدر مصر مكانة وثروة ونشر فيها الفساد، وتزعم بيع الكرامة الوطنية وحق المجتمع فيمن أجرموا وافسدوا، مقابل استرداد الأموال المنهوبة، وعندما وجه إليه النقد، أعلن "أنه كالطود" ولن ينال منه أحد، ويسرب النائب أنه مكلف بإعداد دستور مصر الجديد ورئيس الحكومة كأنه لا يرى ولا يسمع.
وتقع الحكومة في فخ تغييرات المحافظين، ويصورها البعض أنها تسلم المحافظات إلى محافظين من النظام المخلوع رغم تغيير 22 محافظا، وتبدو حركة المحافظين ككمين نصب لاصطياد الحكومة وهي "لا تعرف" ماذا تفعل. فأول خطأ وقعت فيه الحركة أنها نقلت محافظا من الإسماعيلية للفيوم، ثم ألغت تعيينه نهائيا بمجرد أن خرج من لقاء المصافحة مع رئيس الحكومة، ليقدم بعد ذلك إلى التحقيقات بتهمة الإضرار بالمال العام، وخرجت مظاهرات ترفض محافظ قنا، وتعجز الحكومة عن مواجهة الأزمة وتستعين بمشايخ الفضائيات لإيجاد حل مع الجماهير هناك، وكأنها وزارة تسليم الدولة المصرية بعد الثورة إلى مشايخ الفضائيات.
وتبلغ وقائع التسويف الذروة في أمر ترشيح مصطفي الفقي لمنصب أمين الجامعة العربية، وموقفه من العلاقة مع صندوق النقد الدولي.
في الثورات لا يأتي من النظام المخلوع من يرشح نفسه رئيسا أو من يرشحه نظام ما بعد الثورة لمنصب إقليمي، فلو أن الذي يحكم هو نظام الثورة لتم تقديم كل من عمرو موسي ومصطفي الفقي إلى محكمة الثورة بتهمة الإفساد السياسي، ولكن حكومة "تسويف" الأعمال تقبل بهما رغم الثورة، فارق الوعي والانتماء هو مبرر الخلل، وليس من العدل أن نرشح للجامعة العربية شخصا لا نأتمنه في وطننا على شئ.
واتفق وزير المالية وصندوق النقد الدولي أن مصر تحتاج 12 مليار دولار، وذهب وزير المالية لاجتماعات مع الصندوق، وعاد دون إعلان حقيقة ما جرى من اتفاق أو اختلاف، رغم الإدراك العام أن سياسات الصندوق عالميا هي منبع الخلل، ولم تعرض الحكومة استبداله بتمويل اقتصادي عربي أو دولي مثل روسيا والصين، أمر آخر يضاف إلى مشاكل حكومة التسويف ووزرائها.
هكذا الأمر في مصر الآن، تفرق حول أطماع في أنصبة من تورتة الثورة، وحكومة تسويف لم تنجح في شئ، ووجب مراجعة أمرها: هل نقبل باستمرارها في التسويف، أم نغيرها بدلا من استمرار سياسة الترقيع.
فهل تدركنا مليونية تغيير الوزارة قبل إعدام الثورة في الانتخابات النيابية؟
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026