رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

441

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

القوة القاهرة

29 مارس 2026 , 04:23ص

صدمة سوق الطاقة شهدت كيف تُدار الأزمات الكبرى في «حيّنا» الخليجي، حيث تجمع بين العمق القانوني والنظرة الاستراتيجية. إن القوة القاهرة في موازين الطاقة بينت «دوام الحال من المحال» عندما تخرس العقود وتتكلم الأقدار في دهاليز السياسة والاقتصاد، تُبنى الإمبراطوريات على العقود والالتزامات، لكن التاريخ يعلمنا أن «الورق» مهما بلغت قوته، قد ينحني أمام عواصف لا يد للبشر فيها. نحن في منطقة الخليج العربي، التي تمثل شريان الحياة الطاقي للعالم، لسنا ببعيدين عن مصطلح «القوة القاهرة»، ذلك الملاذ القانوني الذي يظهر فجأة ليغير قواعد اللعبة بين المنتجين والمستهلكين. ما هي القوة القاهرة؟ 

في العرف القانوني والتجاري، القوة القاهرة هي حدث استثنائي، خارجي، وغير متوقع، يجعل من المستحيل على أحد أطراف العقد تنفيذ التزاماته. هي ليست مجرد «صعوبة» في التنفيذ، بل هي عجز مطلق ناتج عن ظروف تتجاوز سيادة الدولة أو إرادة الشركة. لكي يُعتد بها في محاكم التحكيم الدولية، يجب أن تتوفر فيها ثلاثة شروط: ١) عدم إمكانية التوقع: ألا يكون الطرفان قد توقعا حدوثها عند توقيع العقد. ٢) الخارجية: أن يكون السبب نابعاً من ظروف خارجية (كوارث طبيعية، حروب، أوبئة. ٣) الاستحالة: أن تؤدي فعلياً إلى شلل القدرة على الوفاء بالوعد التعاقدي. 

لم تكن مؤسسات الطاقة الخليجية بمنأى عن استخدام هذا الحق القانوني لحماية مصالحها ومصالح شركائها في لحظات التأزم. ولعل التاريخ القريب والبعيد يزخر بأمثلة حية: مثال أزمة جائحة كورونا (٢٠٢٠م): لعلها المثال الأبرز في عصرنا الحديث، حيث شهدنا تراجعاً حاداً في الطلب العالمي، مما دفع شركات كبرى في المنطقة، وخاصة في قطاع الغاز الطبيعي المسال، إلى التلويح ببنود القوة القاهرة نتيجة تعطل الموانئ في الدول المستوردة كالصين والهند، أو بسبب الإغلاقات التي منعت أطقم العمل من تشغيل المنصات بكامل طاقتها.

وفي أحداث عام ١٩٧٣ تم حظر النفط رغم صبغتها السياسية المشرفة، إلا أنها مثلت في جوهرها حالة «قوة قاهرة» جيوسياسية، حيث أعيدت صياغة المفاهيم القانونية لكيفية توريد الطاقة في ظل النزاعات المسلحة الكبرى حول العالم. كما شهدت بعض المنشآت النفطية في الخليج حوادث تقنية كبرى أو حرائق ناتجة عن صواعق أو أعطال غير مسبوقة، مما أجبر المؤسسات الوطنية على إعلان القوة القاهرة لتجنب الغرامات المالية الضخمة نتيجة تأخر الشحنات.

هناك حكم وفوائد ما وراء هذه الأزمات، قد يرى البعض في القوة القاهرة مجرد «مخرج طوارئ» للتهرب من الالتزامات، لكن الحكمة منها أعمق بكثير، وتتجلى فوائدها في الآتي: لولا هذا البند، لانهارت كبرى شركات الطاقة تحت وطأة التعويضات المليارية في حالات الكوارث التي لا يد لها فيها. إن مبدأ القوة القاهرة تمنح المؤسسة «نفساً» لإعادة ترتيب أوراقها دون نزيف مالي. كما إنها تعيد التوازن للعدالة التعاقدية، حيث من غير المنصف إجبار شركة على دفع غرامات تأخير لأن زلزالاً دمر ميناء التصدير، أو لأن وباءً عالمياً عطل سلاسل الإمداد. هذا البند يجسد روح الإنصاف في القانون التجاري الدولي.

 دفع تكرار هذه الحالات مؤسسات الطاقة الخليجية (مثل قطر للطاقة أو أرامكو) إلى تطوير أنظمة تنبؤ متطورة واستثمارات ضخمة في «الأمن السيبراني» و»الاستجابة للأزمات»، لتقليل الاعتماد على هذا البند وحصر استخدامه في أضيق الحدود. إن إعلان القوة القاهرة بوضوح وشفافية يبني جسور الثقة مع العملاء الدوليين ويعزز الثقة مع الشركاء كافة، لأنه يعطي صورة للمؤسسة بأنها تلتزم بالوضوح القانوني بدلاً من المناورة، مما يسهل المفاوضات اللاحقة لإعادة جدولة الشحنات.

وفي الختام، فإن «القوة القاهرة» في عالم الطاقة ليست اعترافاً بالضعف، بل هي أداة قانونية ذكية لضمان استدامة الأعمال في عالم مضطرب. ونحن في قطر والخليج، أثبتنا للعالم أننا ندير هذه الأزمات بعقلية الدولة المسؤولة التي تحترم القانون الدولي، وتعرف متى ترفع راية «الظرف القاهر» لحماية ثروات شعوبها ومستقبل أجيالها.

مساحة إعلانية