رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا لو كانت أثمن فضائلنا الإنسانية هي نفسها أخطر نقاط ضعفنا؟
في المخيال الأخلاقي تبدو الثقة قيمةً خالصة لا يطالها الشك، لكن التجربة الحديثة - خصوصًا في زمن الفضاء السيبراني والتحولات الرقمية - تكشف أن الثقة قد تكون أيضًا نقطة اختراق. ففي هذا المجال لا تُعامل الثقة بوصفها فضيلةً إنسانية، بل بوصفها متغيرًا يرفع مستوى المخاطر إذا مُنح بلا ضوابط. من هنا ظهر مبدأ «الثقة الصفرية» (Zero Trust) بوصفه إحدى أكثر فلسفات الحماية صرامة وواقعية، ويمكن تلخيصه في قاعدة واضحة: لا تمنح الثقة مسبقًا… تحقّق دائمًا. الملفت أن ما يثير الانتباه في هذا النموذج أنه لا يقتصر على التقنية بقدر ما يفتح نافذة لفهم أعمق لعلاقاتنا الاجتماعية التي أصبحت تتشكل اليوم داخل بيئة مليئة بالواجهات المصقولة والانطباعات السريعة، حيث يبدو القرب سهلًا لكنه ليس دائمًا آمنًا.
كما هو معروف لا يكافئ النظام الرقمي حسن النية، ولا يراهن على الانطباع الجيد، لأنه يعلم أن الخطر لا يأتي دائمًا بوجه عدائي واضح، وأن الاختراق قد يُنفَّذ عبر لغة ودودة، أو هوية منتحلة، أو صلاحية مُنحت أكثر مما ينبغي. لذلك لا تُبنى الثقة في المنظومات الحديثة على لحظة قبول أولى ثم استرخاء دائم، بل على منطق مختلف: الهوية تُثبت، والصلاحيات تُستحق، والوصول يُمنح بقدر الحاجة لا بقدر الألفة. وهذه الفكرة - على قسوتها الظاهرية - تخفي حكمة عميقة؛ لأنها تعيد تعريف الثقة باعتبارها عملية تُدار، لا هبة تُقدَّم، وتربطها بالسلوك والاستمرارية لا بالاندفاع العاطفي.
عند إسقاط هذه المقاربة على العلاقات الإنسانية، يظهر أن المشكلة ليست في الثقة بذاتها بل في طريقة توزيعها. لقد أصبحنا نعيش زمنًا لم يعد فيه التراكم البطيء شرطًا للعلاقة، بل صارت العلاقات تُستهلك بسرعة، وتُصنع فيها الألفة أحيانًا خلال ساعات كما لو أنها تاريخ طويل. صرنا نلتقي بالآخر لا كما هو، بل كما يريد أن يظهر؛ نلتقي بالصياغة لا بالجوهر، وبالقول لا بما يثبت، وبالواجهة أكثر من الحقيقة. ننجذب للوضوح السريع، وللقرب السهل، وللتوافق الذي يبدو قدرًا، ثم نكتشف لاحقًا أن بعض ما حسبناه قدرًا لم يكن إلا تمثيلًا متقنًا للحظة قصيرة، أو استجابة محسوبة لحاجة عابرة.
هنا يصبح السؤال جوهريًا: هل نحسن إدارة الثقة؟ أم أننا نوزّعها كما لو أنها لا تُكلّف شيئًا؟ في النظم الرقمية، الخطر لا يتوقف عند بوابة الدخول، ولذلك لا تكتفي الثقة الصفرية بفكرة «التحقق مرة واحدة»، لأن المخترق قد يمرّ بسلام، وقد ينتحل الصديق هوية الصديق، وقد يتحول الداخل ذاته إلى تهديد إذا تبدّلت نواياه أو تبدلت أدواته. ولهذا يقوم النموذج على التحقق المستمر لا بسبب الهوس، بل بسبب إدراك أن الخطأ في الثقة ليس خطأ بسيطًا، بل خلل قد يجرّ وراءه انهيارًا في كامل البنية.
تأسيسًا على ذلك، يبدو ليس من الصعب رؤية النظير الاجتماعي لهذا المنطق؛ فنحن أيضًا نمتلك «بيانات حساسة» لا تظهر على شاشة: أسرارنا، وذاكرتنا، ومساحاتنا الهشة، والندوب التي نخفيها خلف سلوك طبيعي. ونحن أيضًا نمنح صلاحيات دون قصد: صلاحية الدخول إلى يومنا، وإلى أعماقنا، وإلى تفاصيل كنا نظن أنها لا تُقال إلا لمن يستحق. غير أن ما يحدث كثيرًا هو أننا نمنح ذلك لمن يتقن الحضور لا لمن يتقن الوفاء، لمن يجيد اللغة لا لمن يملك اتساقًا أخلاقيًا، لمن يمنح شعورًا سريعًا بالطمأنينة لا لمن يستطيع حمل مسؤولية القرب.
والخديعة في العلاقات لا تأتي دائمًا على هيئة شرّ صريح كي يسهل اكتشافها. أحيانًا تأتي بوجه لطيف وبحضور دافئ وبكلمات تعرف كيف تُربّت على الفراغ. وأحيانًا لا يكون الخطر شخصًا سيئًا بقدر ما يكون شخصًا هشًا: متقلبًا، اندفاعيًا، يَعِد كثيرًا ويثبت قليلًا، يمنح دفئًا كبيرًا ثم ينسحب بلا تفسير. وفي الحالتين النتيجة واحدة: ثقة تُمنح بجرعة كاملة، ثم تُسحب منك كأنها لم تكن، تاركةً أثرًا أقرب إلى الاختراق منه إلى الخيبة العادية، لأن ما يُنهك الإنسان هنا ليس فقط الانسحاب، بل فكرة أنه سمح لشخص ما بالدخول إلى مناطق لا يجوز أن تُفتح إلا بتدرج.
لهذا لا يبدو «الشك» في هذا السياق رذيلة كما اعتدنا تصويره، بل قد يكون سلوكًا وقائيًا بالغ العقلانية. ليس شكًا عدائيًا يكره الناس ويُحاكمهم مسبقًا، بل شكًا واعيًا يعرف أن القرب لا يعني الأمان، وأن الانسجام لا يعني الأخلاق، وأن الكلام الجميل لا يساوي شيئًا إن لم يثبت في المواقف. فالاختبار الحقيقي للإنسان لا يظهر في لحظات المزاج الجيد، بل في لحظات الاختلاف والضغط والغياب، وفي قدرته على حفظ الود حين تتراجع المصلحة وحين يصبح الالتزام مكلفًا.
ومن هنا لا تكون الفكرة أن نعيش بمنطق الارتياب الدائم، بل أن نتعلم بناء الثقة تدريجيًا. أن لا نعطي «صلاحيات كاملة» من اللقاء الأول، وأن لا نفتح أبوابنا النفسية لمن يتقن الدخول السريع، وأن نفهم أن العلاقة ليست قرارًا عاطفيًا لحظيًا بل مسارًا يحتاج إلى تراكم أدلة. تمامًا كما تُدار الصلاحيات في الأمن السيبراني وفق مبدأ «أقل قدر من الامتياز» (Least Privilege)، يمكن للعلاقات أيضًا أن تُدار بذكاء مشابه: ليس لأننا نختزل البشر إلى ملفات، بل لأننا نحمي أنفسنا من الاستنزاف. فليس كل من اقترب يستحق أن يعرف أكثر، وليس كل من ابتسم يستحق أن نراهن عليه، وليس كل من شاركنا حديثًا طويلًا يستحق أن يمسك تفصيلًا هشًا من حياتنا.
الخلاصة أن «العقل السيبراني» لم يعد مفهومًا تقنيًا معزولًا، بل أداة معرفية لفهم سلوكنا الاجتماعي في زمن التلاعب والانطباعات السريعة. ففي السيبرانية، الثقة العمياء ليست فضيلة بل سطح هجوم واختراق مؤجل، وفي العلاقات، الثقة المجانية ليست طيبة قلب بقدر ما قد تكون ثغرة نفسية تُكلّف صاحبها كثيرًا. إن المطلوب ليس إلغاء الثقة، بل حوكمتها: أن يصبح القرب مثل الوصول داخل النظام؛ هوية تُثبت، وسلوك يُختبر، وصلاحيات تُمنح بقدر الحاجة. بهذه الطريقة فقط يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا دون أن يتحول قلبه إلى مساحة مفتوحة لكل عابر، وأن يحافظ على دفئه دون أن يدفع ثمنه استنزافًا متكررًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15192
| 08 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1857
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1650
| 10 فبراير 2026