رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من السخف أن يستأثر (رغايو) القنوات الفضائية (المنظرون) بمساحات البث ليشبعونا رغياً فارغاً، نفس الطرح، نفس الوجوه، بنفس البدل، يخرجون من برنامج أي برنامج، ومن قناة إلى قناة، يتحفوننا بتنظيراتهم وفتاواهم الهشة، لا يحلون مشكلة، ولا يطرحون رؤية، ولا يضيفون فكرة، ولا يقدمون حلولاً لأزمات تعصف وتمور، متناسين خنجراً غائصاً في خاصرة الأمة حتى القلب ليزيدونا هماً على هم.
موجع أن نلحظ الانسلاخ عن الوجع العام إلى الهايف والسطحي، بنظرة إلى الشاشات العربية، يصاب القلب بوعكة فورية، فكثير منها يغني خارج السرب، لا يغني فقط إنما يرقص، ويهزل، ويملأ ساعات بثه بالكلام، والأفلام، والمسرحيات، والأغاني، والرقص، والهجص، وكأن النازف ليس قلب الأمة، أو كأن ما يحدث في المريخ بعيداً عن العيون النعسانة، والعقول الغفلانة.
اعتصرني ألم فارع وأنا أرى إسماعيل هنية فوق منبر الأزهر يستصرخ المسلمين في كل مكان دامعاً للدفاع عن الأقصى والتصدي لهجمة التتر الصهاينة، وجرأتهم على البقعة المقدسة، صرخ الرجل وحالنا يرد على الرجل الحزين "لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي" القوم مشغولون أيها الفارس النبيل كل بكرسيه، كل مستعد أن يفدي (كرسيه) لا الأقصى بروحه، انشغلت الرؤوس بالكراسي الوثيرة، وخيراتها الوفيرة التي لا تنازل عنها وإن أضحى الدم في الشوارع أنهاراً، وضاع أيها الفارس الجليل صوت أنين الأقصى الموجوع الذي يستغيث بمن لا يغيث.
محزن أن يكون أقصى اهتمامنا بالأقصى دقائق بخطبة الجمعة، أو خبراً عابراً في نشرات الأخبار وكأنه تقرير لحالة الطقس، محزن ألا نستشعر هبة عربية أو (فزعة) توازي عظم الخطب بكل تهديداته، وآثاره، ودماره، وفواجعه!
أحدهم يقول لي (ماله الأقصى)؟ ألم أقل لكم إن فاجعة تهجم التتر المجرمين على الأقصى مرت عابرة بسلام دون أن يسمع عنها كثيرون، وأن أخبار الفنانة فلانة، والمزواجة علانة، وألبوم فلان، وألبوم فلتان أعلى صوتاً عبر مساحة البث من كل أنين الأقصى وأوجاعه؟!
• * * *
• لابد من تحية لائقة لدولة قطر التي احتضنت المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس الذي لوحظ غياب الأمين العام للأمم المتحدة عنه والذي كان يتباكى على ما يحدث في سوريا من جرائم وينادي العالم كي يتحد لوقف المجازر اليومية!
كنا نود حضوره لنسمع كلمة منه في مأساة شعب يعيش في إظلام تام بلا كهرباء لنفاد السولار وكنا نحب أن نسمع رأيه في إبادة الشعب الفلسطيني على أيدي أصدقائه اليهود، وماذا يمكن أن يقدم تعليقاً على وضع القدس حسب القانون الدولي قبل الاحتلال، ووضع القدس بعد الاحتلال، وواقع ومستقبل المقدسيين في ظل الاحتلال، وما هي خططه وبرامجه لردع إسرائيل التي تسرق، وتحرق، وتضم، وتعتقل، وتقتل، وتميز، وتزور، وترحل، وتشرد، أصحاب الأرض، وتدنس الأقصى، كنا نحب أن يحضر المؤتمر لنرى كيف ينصر الشعب الفلسطيني الذي يقتل كل يوم على أيدي الأوغاد دون أن يحرك أحد ساكناً!
• * *
طبقات فوق الهمس:
• يقول مبارك في آخر مرافعة من مرافعات المحكمة:
بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة
وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرامُ
وللمخلوع الذي ضيع مصر أقول عفواً يا من تشرفت بأن تكون رئيس مصر، لقد ظلمت الشاعر العربي الجميل باستشهادك بأبياته، فلقد جُرت على مصر ولم تجُر عليك، وأكرمك أهلها الطيبون ثلاثين عاماً وهم صابرون يتجرعون علقم قهرك وزبانيتك وقد أفقرتهم ونهبتهم أنت والمدام والأولاد، اسمح لي أصحح لك لتستعمل هذه الأبيات لأنها أشد ملاءمة لك.. قل يا ريس زمان:
إني بُليت بأربع ما سُلطوا
إلا لشدة شقوتي وبلائي
إبليس والدنيا ونفسي والهوى
كيف الخلاص وكلهم أعدائي؟
• في الوقت الذي يقف فيه 14 مصرياً للأسف أمام محكمة الجنايات لتلقيهم تمويلاً أجنبياً من عدة دول بالمخالفة للقانون وبدون تراخيص واستخدام تلك المبالغ في أنشطة محظورة تخل بسيادة مصر، وتضر بأمنها القومي، في نفس الوقت الذي انصاعت نفوس ضعيفة لا تعرف الانتماء، ولا الوفاء لضرب أمهم مصر في وهدة لا يحسدون عليها نجد على النقيض تماماً بزوغاً بديعاً للوفاء والمحبة والتضحية مجسدة في رجل وموقف، اسم الرجل (حسن البرنس) عضو مجلس الشعب المصري، ووكيل (لجنة الصحة) التي زارت سجن طره وأكد بعد زيارته أن حالة مبارك الصحية تسمح باحتجازه مع زمرته في سجن طره، ولا حاجة مطلقاً لاستبقائه في المركز الطبي العالمي بتكاليفه الباهظة المدفوعة من دم شعب مصر، وعلى الفور وصلته هدية عاجلة جزاء وفاقاً على شهادته لوجه الله، ونزاهة تقريره، تعرض الرجل لحادث صباح الجمعة الفائت حيث تهشمت سيارته ودخل المستشفى للعلاج، وبدل أن يجبن، أو يخاف، من رسالة الرعب المرسلة إليه قال (الاغتيالات لن تخيفنا لأننا مشاريع شهادة من أجل مصر) تحية فارعة تليق بوفاء المحبين لمصر من أبنائها الشرفاء.
• إلى توفيق عكاشة:
مهما قلت، أو فعلت، أو حاولت فأنت في نظرنا من (فلول) مبارك ما تتعبش نفسك، مفيش فايدة!
• وصلتنا أخبار تقول إن وزير الداخلية سيحاسب الضباط الذين يطلقون اللحى! ونقول لسعادة الوزير الله يعمر بيتك حاسب الذين أطلقوا الرصاص وبعدين اللحى!
• قال في حديثه المتلفز يجب أن يكون الإعلام على مستوى المهنية، وللأستاذ أقول مصححة لو تكرم على يجب أن يكون الإعلام على مستوى من الأخلاق قبل المهنية، وأرجو أن تراجع ما يفعل أذناب مبارك من الإعلاميين لتصدقني.
• أحلى الكلام:
الحزن طايح في قلوبنا بجد.. ما فضلش غير الشوك في شجر الورد.
غلط الربيع ودخل في أغبى كمين.
يللي دمعتي رجعي الدمعة.. الدنيا شايفة كلها وسامعة
واللي سرق حيخبي شيلته فين؟
أما اللي خان وطنك وأوطاني.. م الهيبة حطينه في قفص تاني يصحى وينعس والجميع واقفين
وفي انتظار تيأس مع الأيام.. غيرك في قفصه بيضر بوله سلام وانت الجزم قبل الكفوف جاهزين
يا عم اقعد بس واشرب شاي.. الدنيا ماشية وشعبنا نساي والبركة في الشاشة وفي الجرانين
وإذا هو هوو قوم اعلن الأحكام.. وكل بُق تلجمه بلجام ومش حتغلب تطبخ القوانين
الشاعر البديع (عبد الرحمن الأبنودي.. قصيدة ضحكة المساجين).
التميز في قطر خيار وتطبيق في كل المجالات
من المتعارف المثل المتداول (إنما تعرف الإخوان عند الشدة) هذا على مستوى الأفراد وهو صحيح وهو ما أطبقه... اقرأ المزيد
249
| 06 مارس 2026
رمضان.. حين يعيد الإنسان صناعة نفسه
ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس... اقرأ المزيد
120
| 06 مارس 2026
المثابرة الأكاديمية كجسر نحو القمة
تُعد المثابرة صفة جوهرية تُمكّن المتعلم من مواصلة مساعيه لتحقيق أهدافه التعليمية المنشودة، بما في ذلك مواجهة التحديات... اقرأ المزيد
90
| 06 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2898
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1608
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1041
| 04 مارس 2026