رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لجأت الكثير من دول العالم في أعقاب الأزمة المالية العالمية الراهنة إلى أتباع سياسات مالية مختلفة اتسم بعضها بالتوسع من خلال ضخ المزيد من الأموال في شرايين الاقتصاد "فيما عرف بسياسة الحزم المالية التحفيزية" ، وكان من أهم المروجين والمطبقين لها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان ... بينما اتبعت معظم الدول الأوروبية سياسة مالية انكماشية تمثلت في القيام بعض الإجراءات التقشفية القاسية بهدف تقليص معدلات العجز المرتفعة والسيطرة على نسبة الديون إلى إجمالى الناتج المحلي.
ولم يكن أمام العديد من الحكومات الأوروبية وخاصة تلك التي تواجه أقساط ديون مرتفعة وتجد صعوبة كبيرة في السداد كإسبانيا وإيطاليا، أو تلك التي لم تستطع إقناع المؤسسات التمويلية بمنحها ما تحتاج إليه من تمويل في ظل ظروفها المالية والاقتصادية الصعبة كاليونان والبرتغال وأيرلندا إلا أن تقلص من إنفاقها وتتبع سياسات وإجراءات تقشفية عنيفة كي تقنع بعض هذه المؤسسات التمويلية كصندوق النقد الدولي وغيرة، مع التأكيد على أن أتباع هذه الدول لتلك السياسات لم يكن خياراً وإنما ضرورة لضمان تحقيق القدرة المالية لحكوماتها وزيادة الضرائب، ومن ثم رفع معدل النمو الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.
الإجراءات التقشفية الأوروبي تزيد القدرات المالية:
ويؤكد العديد من الخبراء والمحللين الماليين أن الإجراءات التقشفية الأوروبية ستزيد بلا جدال من القدرات المالية لحكومات هذه الدول وستتسبب بالتالي في خفض نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي، ويرون أنه لا داعي للتخوف من الزعم القائل بأن هذه النسب سوف تتزايد في المدى القصير وخاصة في الدول الواقعة جنوب القارة الأوروبية بما يعطى دلالة بأن هذه الإجراءات والسياسات قد حققت فشلاً كبيراً، بل على العكس من ذلك فإنهم يرون أن هذه الإجراءات نجحت في استعادة التوازن المالي الخارجي بالعديد من هذه الدول بما أسهم في تقليل مخاطر عدم السداد لأقساط ديونها.
إلا أنه على هذه الدول ضرورة الإدراك بأن نجاح الإجراءات التقشفية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتنفيذ مجموعة أخرى من الإصلاحات الهيكلية الكفيلة بزيادة احتمالات النمو طويل الأجل، ويرتبط كذلك بإصلاح نظام المعاشات الذي يمكن أن يلعب دوراً مهماً وفعالا في خفض التكلفة المالية للشعوب وبصفة خاصة تلك التي تتميز بزيادة أعداد ونسب المسنين بها.
ويجب التسليم بأن العبء الأكبر بأي مديونية يتمثل في الديون الخارجية التي لا يمكن سدادها إلا بالاعتماد على التوسع في عمليات التصدير، ومن ثم فإن الدول التي تعانى من مديونية خارجية كبيرة أو عجزاً في الميزان التجاري لا يجب قياسها بنسبة المديونية إلى إجمالي الناتج المحلي وإنما تقاس من خلال نسبة الدين الخارجي إلى الصادرات، وهي النسب التي بدأت مؤخراً فى التحسن بشكل إيجابي في العديد من الدول الأوروبية، لتبرهن للجميع على أن الإجراءات التقشفية قد نجحت في تحقيق أهدافها بهذه الدول.
إلا أن الأمر يختلف كثيراً في حالة الدول النامية التي يجب على العديد من حكوماتها أن تدرك أن الإجراءات التقشفية لن تحقق لها التنمية المنشودة أو حل جميع المشاكل الاقتصادية والمالية، بل إن خفض الإنفاق سوف يؤدى إلى زيادة المعاناة والتضرر للكثيرين من مواطنيها في ظل زيادة معدلات البطالة وخاصة بين صفوف الشباب بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض المستوى المعيشي، بما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الأثرياء والفقراء ويسهم في زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويزيد من احتمالات الغضب والسخط الشعبي، وخير مثال على ذلك ما حدث في دول ثورات الربيع العربي.
خيارات الدول النامية للإصلاح الاقتصادي:
ويكون أمام هذه الدول النامية مجموعة من الخيارات المختلفة التي تستطيع من خلالها تحقيق التعافي الاقتصادي كإعادة هيكلة الديون والتوسع بشكل تدريجي في فرض الضرائب على الأغنياء الذي يزيد دخلهم السنوي عن حد معين "متفق عليه" ومكافحة التهرب الضريبي التي تحرم حكوماتها من إيرادات ضخمة، بل واللجوء أحيانا إلى تنفيذ بعض الحزم المالية التحفيزية التي تركز جل اهتمامها على إقامة مشروعات البنية التحتية التي تخدم عمليات التنمية والاستثمار كما أنها تخدم أيضاً الأجيال الحالية والمستقبلية، وتخلق كذلك الآلاف من فرص العمل السريعة والكثيفة وتحسن في ذات الوقت من مستوى معيشة مواطنيها وتحقق لهم المزيد من الرواج الاقتصادي.
وبذا تتحقق مقولة أن ما يصلح من سياسات وإجراءات مالية واقتصادية بدولة ما لا يصلح بالضرورة بدولة أخرى، وبالتالي فإنه إذا كانت الإجراءات التقشفية قد آتت ثمارها في بعض الدول الأوروبية فإنها لم تنجح في الكثير من الدول النامية، مثلها في ذلك مثل الإجراءات التي يقوم بها صندوق النقد الدولي التي استطاعت "إلى حد كبير" علاج الكثير من المشاكل المالية في بعض الدول كإسبانيا واليونان والبرتغال بينما أدت إلى الكثير من الاحتجاجات والاضطرابات والثورات الشعبية الرافضة لهذه الإجراءات والشروط بالعديد من الدول النامية، وذلك بالنظر لاختلاف الظروف والسمات الثقافية لكل دولة عن غيرها من الدول.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6951
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2601
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026