رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عاقل الأندلس، هكذا لقّب الإمام مالك تلميذه يحيى بن يحيى الليثي الذي تفقه على يده في المدينة، وسبب تلك التسمية، أن يحيى كان يومًا في مجلس الإمام، فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج طلاب مالك لينظروا إليه عدا يحيى، فسأله: مالَك لم تخرج فترى الفيل - لأنه لا يكون في الأندلس- فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به الإمام مالك ولقبه بعاقل الأندلس.
والمتأمل في هذا النعت الذي أضفاه مالك على تلميذه، يدرك أنه استحقه بأمر لا يحسن الكثيرون الالتزام به، ألا وهو التركيز على الهدف دون الالتفات إلى الصوارف والشواغل التي تجعله يحيد عنه.
إنما حياتنا مُترعة بالأفيال التي تعترض سبلنا في كل وقت وفي كل مكان وفي كل مجال، وتشغلنا بالالتفات إليها عن التركيز على تحقيق أهدافنا. فابتداء من حقيقة الخلق العظمى يبدأ عمل الأفيال، فالإنسان يدرك أنه جاء إلى هذه الحياة لغاية تحقيق العبودية لله والقيام بمهمة الاستخلاف، ومع ذلك يلتفت عن هذا الهدف الذي يترتب عليه مصيره الأبدي، وربما قضى حياته في التعاطي مع هذه الصوارف وكأنها الغاية الكبرى.
على سبيل المثال، فريضة كالحج الذي هو ركن من أركان الإسلام، تعترض الحجيج أفيال كثيرة، فترى كثيرا منهم ينشغلون في هذه الرحلة المباركة بتوثيق كل خطوة عن طريق الجوال، أو يولون جولات شراء الهدايا اهتماما مبالغا فيه، أو ينصرفون عن التركيز على تحقيق هدفهم بالمشاحنات والمنازعات.
والأمر يمتد إلى كل مجالات الحياة، ما من هدف للإنسان إلا وتتراءى أمامه الأفيال التي تشغله عن التركيز على أهدافه. في العمل والتكسب، يتعرض المرء مثلا للانشغال عن التركيز في العمل والإنتاج وتكوين الثروة، بالنظر إلى الأثرياء الذين يتربحون بمجهود أقل وعوائد أكثر غزارة، فيصاب بالإحباط وتفتر همته، مع أن الأولى به أن يركز في عمله ويبرع فيه ليكون طريقا له إلى الثروة التي قد يصل بسببها إلى تحقيق نفس المعادلة: مجهود أقل وعائد أكبر.
في المنزل، قد ينشغل الأبوان عن تربية الأبناء على الالتزام بتعاليم الدين والأخلاقيات والفضائل والقيم، وهي لُبّ مهام الوالدين، بالتركيز على توفير سبل الترفيه بشكل مبالغ فيه، حتى لا يقال انهم أقل من أقرانهم. والمتصدر للشأن العام بالتوجيه والقيادة والتثقيف ونحوه، ربما ضعف تركيزه على مهامه وأهدافه، بكثرة الالتفات إلى النقد الموجه إليه، وخوض معارك جانبية لا تصب في تحقيق هدفه.
وقد ينشغل صاحب العمل الإصلاحي الذي يحتاج إلى نفس طويل، عن التركيز على عمله بالانصراف إلى التفكير بالنتائج المستقبلية، أو عدم وجود ثمرة آنية.
كلها أفيال تعترض أهداف الإنسان، فإما أن يستجمع همه في التركيز على تحقيق أهدافه دون الالتفات إليها، وإما أن يخضع لنداءاتها فيرجع في النهاية بخفي حنين.
العاقل ذو الهمة العالية، لا يحيد عن التركيز على تحقيق أهدافه، ويطرح الانشغال بالأفيال جانبا، وقد كتبت سابقا عن نور الدين محمود زنكي سلطان الشام، وكيف أنه كان يعمل على هدف تحرير الأقصى، فكان كل تركيزه على هذا الهدف رغم الضعف والخور والشتات الذي ضرب أوصال الأمة، حتى أنه قد أمر ببناء منبر ليضعه في الأقصى بعد التحرير، حتى قال العماد الأصفهاني في أمره: «»فكان حاله وهو يأمر بالبناء ويصنعه، كحال نوح عليه السلام وهو يصنع الفلك، كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه». فعمل على هذا الهدف دون الانصراف إلى الأفيال، على الرغم من أنه لم يدرك تحقيق هذا الهدف في حياته.
استجماع الهمة للتركيز على تحقيق الهدف دون الالتفات إلى الأفيال هو سبيل الارتقاء واستثمار الأعمار فيما ينفع، فإذا عرفت فالزم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1737
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1257
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1032
| 07 يناير 2026