رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

777

د. أحمد المحمدي

قال أنا خير منه

27 أبريل 2025 , 02:00ص

ليست هذه الكلمة ـ وإن صدرت عن إبليس ـ من كلماته وحده، بل هي صيحة ذلك الداء القديم المتجدد في قلوب بعض البشر كلما تسربلوا بجهلهم، وتوشّحوا بغرورهم.

هي صدى النفس المريضة، تردده في سرها، وتُعلنه في فعلها، وتبني عليه دينها وعقيدتها، حتى تضل وتُضل، وتهلك وتُهلك، ثم تُبعث يوم القيامة مفلسةً لا تملك من أمرها شيئًا، تُسأل فلا تهتدي إلى جواب، وتُعرض على ربها فتجد أن عمرها كله كان مشغولًا بالنظر إلى فساد غيرها، تبرّر به قبيح فعلها، وتستند إليه في ضلالها.

بل إنك لو فتّشت عن طغيان النفس، فلن تجد أفتك بها من هذه الكلمة، ولا أضيعَ لدين المرء من هذا المعنى؛ فإن كثيرًا من الناس يقع فيه خفيًا أو جهرًا، بعلم أو بغير علم.

ألا ما أضيع دين من جعل فساد الناس دليل صلاحه! ومن ظن أن هدايته كامنة في رؤية من هو أضل منه! كأن الجنة تُنال بعيون تتلصص على العورات، لا بقلوب تتضرع للثبات، وكأن النجاة تكون بأن يرى أقوامًا قد هلكوا، فيُسرّ هو بنجاته من مهلكهم، لا بإخلاصه في طريق نجاته.

يا للعجب من هذه النفس! لا تُبصر عيبها حتى تتلمّس عيوب الناس، ولا تخشى الغرق ما دامت ترى من هو أعمق غوصًا منها في لجج المعصية.

يسقط في السرقة، فلا يشعر بوخز الضمير لأن غيره سرق وقتل وزنى.

يهمل أمانته، فلا يرى بأسًا، لأن سواه أشد منه تفريطًا.

فلا يزال يردد في سره: «أنا خير منه»، حتى تُصبح هذه الكلمة سُلّمه إلى النار، ودرجه إلى الخسران.

فما هذه الكلمة إلا هادم كل بناء للهدى، وهادم كل رقي في مدارج الصالحين، لأنها تبرر السوء وتحسن القبيح وفوق ذلك تولّد الكِبْر، وترضع العُجب، وتُربّي الغرور، حتى يصير صاحبها صنمًا من الغرور لا يشعر، وإن كان يمشي على الأرض.

وتأمل حال من أقام حياته على فساد غيره، ستجد في قلبه داءً خفيًّا، يجعل عينه لا ترى الخير إلا في صورة شبح ضلال غيره، فإن لم يجده؛ صنعه من خياله، ليُرضي ضميره، ويستريح على سريره، ولو كان سريره من قشّ الغرور.

فإذا ذكّرته بالله يوما، صاح: «غيري أضل»، «وفلان أفجر»، و»الناس كلهم هكذا» كأنها حجة تنفعه يوم العرض الأكبر.

ووالله، ما هذا إلا جهلٌ بالدين، وغفلة، فلن يسأل العبد غدا من كان أضل منك؟

بل سيسأل: (مَاذَآ أَجَبتُمُ ٱلمُرسَلِينَ)

فاحذر ـ يا ابن آدم ـ هذه الكلمة، واحذر منابتَها، فإن لها في القلب جذورًا لا تُرى، تبدأ من عُجب خفي، ثم تنمو في أرض الجهل، وتسقى بمديح الناس، وتُثمر كِبرًا لا يُقلع إلا بندم صادق، وتوبة تمحو ما كان قبلها.

فلا تنظر إلى الناس لترى قدرك، بل انظر إلى الوحيين لتستبين موقعك ولا تزكّ نفسك بلسانك، فإن الله أعلم بسريرتك، وأبصر بحقيقتك، وأعدل في حكمه منك.

واحذر أن تكون كما قال: «أنا خير منه»، فخرج من رحمة الله، فكان من الهالكين».

مساحة إعلانية