رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

162

د. عبدالله بندر العتيبي

أمن المنطقة يبدأ من الحوار الإقليمي

27 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لم تعد المنطقة تحتمل أن تبقى رهينة لحسابات التصعيد والمواجهة، أو أن يُترك مستقبل أمنها لتفاهمات تُصاغ خارجها دون مشاركة حقيقية من دولها. فالحروب المتكررة أثبتت أن الصراعات قد تبدأ بقرار من طرف واحد، لكنها لا تنتهي عند حدوده الجغرافية، وأن كلفة المواجهة تتجاوز أطرافها المباشرين لتطال أمن الدول واقتصاداتها ومجتمعاتها. ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من إدارة الأزمات بعد اندلاعها إلى بناء تفاهمات إقليمية تمنع تكرارها.

في هذا السياق، تكتسب زيارة وفد دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، إلى طهران أهمية سياسية تتجاوز طبيعتها الدبلوماسية. فالزيارة تعكس إدراكاً متزايداً بأن تعزيز القدرات الدفاعية لا يتعارض مع الانفتاح على الحوار، بل قد يمنح الدبلوماسية مساحة أوسع للتحرك. وهي رسالة مهمة في بيئة إقليمية اعتادت النظر إلى التحالفات الأمنية باعتبارها مقدمة للاستقطاب والمواجهة، بينما تكشف هذه الخطوة إمكانية توظيفها في دعم الاستقرار واحتواء التصعيد. وتتضاعف أهمية هذه التحركات مع استمرار جهود الوساطة القطرية والباكستانية بين واشنطن وطهران. فقد أثبتت التجارب أن الوساطة لا تقتصر على نقل الرسائل أو تقريب وجهات النظر، وإنما تتطلب خلق ظروف سياسية تسمح للأطراف بتقديم تنازلات متبادلة دون أن تبدو وكأنها تتراجع تحت الضغط. وهنا تبرز القيمة المضافة للتنسيق الإقليمي؛ إذ تستطيع الدول المجاورة توفير ضمانات سياسية، وتعزيز الثقة في تنفيذ التفاهمات، وتقليص احتمالات انهيارها عند أول اختبار.

لكن الأهم هو ألا ينحصر الحوار في معالجة الأزمة الأمريكية الإيرانية وحدها. فحتى لو نجحت المفاوضات في تجنب مواجهة عسكرية جديدة، فإن ذلك لن يعالج بالضرورة مصادر التوتر الإقليم. فهناك قضايا تتعلق بسيادة الدول، وأمن الملاحة، والصواريخ والمسيّرات، وأدوار الفاعلين المسلحين من غير الدول، وهي تحديات تستدعي تفاهمات مباشرة بين دول المنطقة، لا مجرد تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران.

ولا يعني ذلك استبعاد القوى الدولية من ترتيبات الأمن، فالمصالح الدولية مترابطة مع أمن المنطقة، وإنما يعني ضرورة ألا تكون دولها مجرد أطراف تتلقى نتائج التفاوض. فالأمن الإقليمي المستدام يحتاج إلى مشاركة الدول المعنية في صياغة قواعده، وتحديد خطوطه الحمراء، ووضع آليات واضحة لمنع التصعيد وإدارة الخلافات. ومن الضروري كذلك إدراك أن الحوار لا يشترط تطابق المواقف أو غياب الخلافات. فالدول قد تختلف في مصالحها وتصوراتها للتهديدات، لكنها تستطيع الاتفاق على قواعد تمنع تحول هذا الاختلاف إلى مواجهة عسكرية. فنجاح الحوار الإقليمي لا يُقاس بإزالة الخلافات، بل بقدرة الأطراف على إدارتها دون اللجوء إلى القوة. 

ولذلك، قد تكون الخطوة الأكثر واقعية هي البدء بتفاهمات محددة وقابلة للتنفيذ، تشمل احترام السيادة، وعدم استهداف البنية التحتية المدنية والاقتصادية، وحماية الملاحة، وإنشاء قنوات اتصال أمنية دائمة. ويمكن لهذه التفاهمات أن تشكل أساساً تدريجياً لبناء منظومة أوسع من التعاون الإقليمي. لذلك، إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس هدنة تؤجل الحرب المقبلة، بل مسار سياسي يغيّر الظروف التي تجعل الحرب خياراً متكرراً. وهنا تكمن أهمية الجهود القطرية والباكستانية، والتحرك السعودي والتركي، وإمكانية البناء عليها نحو حوار إقليمي أكثر شمولاً. فالسلام الذي يُتفاوض عليه مع المنطقة قد يوقف الحرب، أما السلام الذي تشارك المنطقة في صياغته فهو الأقدر على منع عودتها.

مساحة إعلانية