رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

150

د. عبدالله بندر العتيبي

تسعير الملاحة والنظام الدولي

06 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لم تعد أزمة الممرات البحرية مسألة عبور سفن فحسب؛ إنها اختبار لمن يملك حق وضع قواعد الحركة في العالم، ومن يملك القدرة على فرضها. فالنظام الدولي القائم تشكل إلى حد بعيد تحت قيادة غربية، لكن شرعيته لا تستند إلى القوة وحدها، بل إلى الإيحاء بأن قواعده عامة، وأنها تحمي مصالح تتجاوز مصالح من صاغها. فإذا بدا أن حرية الملاحة تُصان حين تخدم القوى الكبرى، وتُترك رهينة القوة حين تتعارض مع حساباتها، فلن تكون النتيجة أزمة في مضيق بعينه فقط؛ بل تآكلاً في الثقة بالنظام نفسه.

تكشف التطورات في هرمز أن استعادة حركة التجارة لا تعني بالضرورة عودة النظام إلى طبيعته. فقد ارتفعت صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى مستويات قاربت ما قبل الحرب في بعض الأيام، لكن ذلك جرى وسط مخاطر أمنية متواصلة وكلفة نقل استثنائية. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن استئجار ناقلة نفط ضخمة من الشرق الأوسط إلى آسيا تجاوز 1.2 مليون دولار يومياً، بعد أن كان نحو 30 ألف دولار في يناير. هذه ليست كلفة عسكرية تتحملها الحكومات وحدها؛ إنها تدخل في أسعار الطاقة والنقل والسلع، وتصل في النهاية إلى المستهلك في كل مكان.

وحين تصبح الملاحة رهينة المرافقة العسكرية، والتأمين المرتفع، والمسارات البديلة، تتحول حرية التجارة من قاعدة مستقرة إلى خدمة مكلفة لا يستطيع الجميع الوصول إليها بالشروط نفسها. عندها قد تبحث الدول عن ترتيبات إقليمية تحمي احتياجاتها الأمنية والتجارية، وتضع قواعدها الخاصة. لن يعني ذلك بالضرورة اختفاء النظام العالمي دفعة واحدة؛ الأرجح أن يبدأ تشظيه تدريجياً: قواعد متداخلة، وممرات محمية بتحالفات مختلفة، وتكتلات تتعامل مع التجارة والأمن وفق حساباتها. وحين تتعدد القواعد، لا تتعدد معها الحماية فقط؛ بل تتعدد أيضاً فرص سوء التقدير والصدام.

إنشاء مثل هذه الترتيبات في الشرق الأوسط يبدو أكثر تعقيداً من مناطق أخرى؛ فالنظام الإقليمي لا يقوم بالقوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى تصور مشترك للحدود، واعتراف متبادل بالحقوق، واستعداد لتقييد القوة بقواعد يقبلها الجميع. وهذه الشروط تتآكل عندما يوجد مشروع توسعي إسرائيلي تتقدم فيه السيطرة على الأرض على حساب القانون الدولي، وتصبح الحدود والحقوق الفلسطينية موضوعاً مفتوحاً لإعادة التشكيل بالقوة. لا يمكن بناء أمن جماعي مستقر إذا كان أحد أطرافه يرى تفوقه الأمني وحرية حركته فوق أمن الآخرين وسيادتهم.

ويزداد هذا المأزق تعقيداً عندما تُطبق المبادئ بصورة انتقائية. فالدول لا تحتاج فقط إلى ضمانات أمنية، بل إلى الثقة بأن القواعد التي يُطلب منها احترامها تُطبق أيضاً على القوى الأقوى منها. وحين يصبح القانون الدولي صارماً في ملف، ومرناً في ملف آخر، تتحول القواعد من مرجعية مشتركة إلى أداة سياسية. وهذا أخطر من الخلاف على قضية بعينها، لأنه يدفع الدول إلى الاستنتاج بأن أمنها لا يتحقق بالقانون، بل بامتلاك أدوات الردع والتحالفات والقدرة على فرض الوقائع.

ومن هنا فإن البديل عن الفوضى ليس مزيداً من عسكرة الممرات أو توسيع شبكة القواعد العسكرية، بل إعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي نفسه. يحتاج الشرق الأوسط إلى ترتيبات تعترف بأن أمن الخليج، وحرية الملاحة، وسيادة الدول، والأمن الفلسطيني ليست ملفات منفصلة؛ بل أجزاء من معادلة واحدة. فلا يمكن مطالبة دول المنطقة بالدفاع عن حرية التجارة العالمية فيما تُقبل في الوقت نفسه سوابق تغيير الحدود بالقوة أو انتهاك سيادة الدول دون كلفة سياسية حقيقية.

السؤال الذي يفرضه هرمز، إذاً، يتجاوز كيفية إبقاء ناقلات النفط في البحر. إنه سؤال عن نوع النظام الذي ستعيش فيه المنطقة مستقبلاً: هل تحكمه قواعد مشتركة، أم موازين قوة متغيرة؟ وإذا لم تستعد القواعد صدقيتها، فقد تكون أزمة المضائق مجرد مقدمة لعالم تصبح فيه التجارة نفسها امتداداً للمنافسة العسكرية، ويصبح الوصول الآمن إلى الأسواق امتيازاً سياسياً بدلاً من أن يكون حقاً تحميه قواعد مستقرة.

مساحة إعلانية