رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

471

د. هلا السعيد

خلف كل صورة... حقيقة توجع

27 نوفمبر 2025 , 03:00ص

في زمن أصبحت فيه حياتنا تُرى من خلال شاشات صغيرة، باتت الصورة هي اللغة الأكثر تداولًا، والأسرع وصولًا، والأقوى تأثيرًا. نرى الوجوه، الألوان، اللحظات اللامعة، فنصدق أنها الحقيقة الكاملة. لكن ما يغيب عنا دائمًا هو أن خلف كل صورة… حقيقة بتوجع؛ حقيقة قد لا تُلتقط، ولا تُروى، ولا يرغب صاحبها أن يعرفها أحد.

الصورة التي تبدو مشرقة قد تخفي خلفها حياة مزدحمة بالوجع. فالشخص الذي يلتقط صورة وهو يضحك ربما كان قبل دقائق يعيش لحظة انكسار، لكنه اضطر لوضع ابتسامة تحفظه من أسئلة الآخرين. والمرأة التي تظهر في كامل أناقتها قد تكون تخوض معركة صامتة مع خوف لا يهدأ أو تعب نفسي لا يراه أحد. والأسرة التي تبدو مثالية في صورة واحدة قد تكون في الحقيقة تحاول بكل جهد أن تُخفي ألمًا مشتركًا، أو قلقًا عميقًا يهدد تماسكها.

العجيب أن الصور غالبًا ليست انعكاسًا لحقيقتنا، بل للنسخة التي نريد أن يراها الآخرون. فالرجل الذي ينشر صورة نجاحه قد مرّ على طريق مليء بالإخفاقات، لكنه لم يصوّر إلا لحظة التتويج. والفتاة التي تبتسم وسط صديقاتها قد تكون أكثر شخص يشعر بالوحدة. وحتى تلك الصور التي تبدو عفوية، كثيرًا ما تُلتقط بعد محاولات عديدة لإخفاء التعب، ومسح الدموع، وضبط زاوية تُظهر شيئًا جميلًا رغم كل ما يؤلم الروح.

وأحيانًا، ما يزيد ألمنا أننا نقارن حياتنا الواقعية بكل فوضاها وحزنها بحياة الآخرين المصقولة خلف عدسات الهواتف. نحكم على أنفسنا لأننا لا نعيش «الكمال» الذي نراه أمامنا. ننسى أن الصورة مجرد لحظة، بينما الحقيقة رحلة طويلة مليئة بالتفاصيل التي لا تُظهرها الكاميرا. ننسى أن الصورة تختار ما يُظهر الجمال وتخفي ما يُرهق الروح.

وربما أكثر ما يوجع هو أن لا أحد تقريبًا ينشر حقيقة حزنه. فهناك من يلتقط صورة في مكان جميل بينما قلبه مهزوم. هناك من يبتسم في مناسبة وهو يشعر أنه غير مرئي. وهناك من يكتب تعليقًا لطيفًا وهو يتمنى لو أن أحدًا يلتفت إليه ويسأله بصدق: «هل أنت بخير؟». نحن نتقن فن الإخفاء… أكثر بكثير مما نتقن فن البوح.

وبين الصورة والحقيقة… قلب يتألم بصمت

وسط هذا العالم السريع، تبقى مساحة صغيرة لكنها ثمينة للتعاطف. أن نتذكر أن ما نراه ليس كل شيء، وأن نعامل الناس بلطف لأننا لا نعرف ما يخفونه خلف ابتساماتهم. أن نفهم أن لكل إنسان قصة تستحق الصبر قبل الحكم، وحزنًا يستحق الاحتواء قبل المقارنة. وأن نُدرك أن ما نراه من حياة الآخرين هو مجرد واجهة… والواجهات دائمًا أجمل من الداخل.

وفي النهاية، لعل أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا هو أن نتوقف عن تصديق أن الصور هي الحقيقة. أن نسمح لقلوبنا بأن ترى أبعد من الفلاتر، وأعمق من العدسات. أن نفهم أن الجمال الحقيقي لا يحتاج تعديلًا، وأن الألم الحقيقي لا يحتاج إعلانًا.

فخلف كل صورة… وجع لا يُرى، وقصة لا تُحكى، وقلب يتمنى لو يُفهَم.

فلا تنخدعي بصورة… ولا تقسي على قلبك بمقارنة، فالله وحده يعلم ما تخبئه الأرواح خلف الأطر اللامعة.

مساحة إعلانية