رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أوّاب المصري

أوّاب المصري

مساحة إعلانية

مقالات

609

أوّاب المصري

أحكام قضائية مخففة على ميشال سماحة.. ومشددة على الآخرين

28 مايو 2015 , 03:09ص

رغم كل الظروف التي مر بها لبنان، مازالت المؤسسة العسكرية تحافظ على حد أدنى من الإجماع اللبناني. فكثير من اللبنانيين يعتقدون أن هذه المؤسسة مازالت بمنأى عن الفساد الذي أصاب معظم مؤسسات الدولة، ومازال أفرادها يتحلون بقدر كبير من المناقبية والوطنية ونظافة الكف. إصرار اللبنانيين على الالتفاف حول مؤسسة الجيش اللبناني ليس تعاطفاً معها وثقة بمسارها فقط، بل أيضاً حرصاً وتمسكاً بآخر مؤسسة وطنية مازالت تجمع حولها الكثير من اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق.

الالتفاف حول الجيش اللبناني أصيب خلال الأيام الماضية بضربة نسأل الله أن لاتكون قاضية. جاء ذلك بعد الحكم الذي صدر عن المحكمة العسكرية التابعة إدارياً للجيش اللبناني بسجن الوزير السابق ميشال سماحة لأربع سنوات ونصف السنة . للتذكير، فإن سماحة أقر أمام قوس المحكمة أنه وبالتنسيق مع اللواء علي المملوك مدير مكتب الأمن الوطني السوري وبتوجيه من الرئيس بشار الأسد قام بنقل متفجرات وعبوات ناسفة بسيارته من سوريا إلى لبنان، لاستخدامها في تفجير عدد من الأماكن ذات الغالبية الإسلامية شمال لبنان، وقتل عدد من الشخصيات من بينهم مفتي طرابلس وأحد نواب منطقة عكار. اعتراف ميشال سماحة أمام المحكمة كانت سبقته تسجيلات بالصوت والصورة ظهر فيها وهو ينسّق مع أحد المخبرين السريين حول كيفية توزيع العبوات المتفجرة على المناطق، والشخصيات المقترحة لاستهدافها. رغم وضوح الجرم وفداحته والآثار الخطيرة التي كانت ستنعكس على السلم والاستقرار في لبنان في حال تم تنفيذ الجرائم، إلا أن المحكمة العسكرية وجدت في السجن أربع سنوات ونصف عقوبة رادعة ومناسبة للجرم الذي ارتُكب. مما يعني أن ميشال سماحة بعد احتساب مدة توقيفه سيخرج إلى الحرية بعد أشهر قليلة، وقد يظهر مجدداً على شاشات قنوات محور المقاومة والممانعة ينظّر ويحلّل ويحذّر من خطر الإرهاب والإرهابيين ويتهم هذا ويطالب بالاقتصاص من ذاك..

لايمكن فهم الأسباب التي دفعت المحكمة العسكرية لإصدار هذا الحكم المخفف، فهو يتزامن مع أحكام أخرى كثيرة تصدر عن المحكمة ذاتها لكنها تتسم بالشدة، ولاتجد الأسباب التخفيفية طريقاً إليها، خاصة إزاء المتهمين بالانتماء لما تصفه المحكمة العسكرية بالجماعات الإرهابية.

ليس سراً أن النظام السوري - اللبناني الذي كان يسيّر شؤون البلاد والعباد حتى العام 2005 مازال كثير من رجاله في مواقعهم، وعلى الأرجح مازالوا على ولاءاتهم، كما أنه ليس سراً أن لحزب الله نفوذا كبيرا على المؤسسة العسكرية وضباطها نظراً للتعاون والتنسيق القائم بين الجانبين في العديد من الملفات، إضافة لتأثير قوة الحزب العسكرية والأمنية على معنويات ضباط وعناصر الجيش، الذين يدركون أن القدرة العسكرية للحزب تفوق قدرة الجيش اللبناني بأشواط. هذه العوامل لابد أن تكون أثرت على قضاة المحكمة العسكريين، فبذلوا ما بوسعهم للعثور بين أسطر المواد القانونية على أكبر قدر ممكن من الأسباب التخفيفية التي يمكن منحها لميشال سماحة، حرصاً على إرضاء المحور الذي ينتمي إليه. فقضاة المحكمة العسكرية بشر يتأثرون بما حولهم، ومن الطبيعي أن تنعكس عليهم الضغوط والظروف التي تنعكس على بقية اللبنانيين، لكن ما ليس مفهوماً ولا منطقياً هو غياب الحنكة والذكاء في التعامل مع هذه الضغوط. فهل يجد قضاة المحكمة العسكرية –بالمناسبة هم ضباط وليسوا قانونيين- أنه من المنطق منح أسباب تخفيفية لمتهم أقر بنياته الإجرامية لقتل عدد غير محدد من البشر، في مقابل التشدد في النظر بقضايا أخرى تقل جرماً ودموية؟! ألا يعتقدون أنهم بذلك يدفعون اللبنانيين لعدم الثقة بأحكام المحكمة العسكرية والشك بفساد قضاتها أو على الأقل الخضوع للضغوط التي مورست عليهم؟ ألم يكن يتوقع قضاة المحكمة أن يشكل الحكم المخفف على ميشال سماحة استفزازاً لأمهات الموقوفين الذين يقبعون في السجون منذ سنوات دون محاكمة، ذنبهم أنهم يعتنقون أفكاراً مخالفة للقانون، لكنهم لم يقتلوا ولم يفجّروا ولم يتسببوا بأذية أحد؟! ألم يخطر ببال هؤلاء القضاة أن تخفيف الحكم على متهم مقابل التشدد في الحكم على آخر دون أسباب موجبة سيولّد شعوراً بالظلم والجور.

ربما تستدعي المرحلة الخطرة التي يعيشها لبنان وسط البراكين الملتهبة من حوله تشدد القضاء في بعض القضايا ذات الطبيعة الخاصة حرصاً على عدم انتقال كرة اللهب إليهم. لكن ما لايمكن فهمه هو أن التشدد إزاء هذه القضايا يقابله تخفيف وتساهل إزاء قضايا أخرى واضحة الجرم والإرهاب والدموية وأكثر خطورة.

يقول الحسن البصري "إذا لم يعدل المعلم بين الصبيان كُتِبَ من الظلمة".

مساحة إعلانية