رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الهجرة النبوية التي نحتفل بها دوماً مع مقدم كل سنة هجرية جديدة، كانت عملاً منظماً وفق مخطط استراتيجي، بحسب تعريفاتنا المعاصرة. فلم تكن الهجرة خاطرة أو فكرة تداولها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – مع أصحابه ليلاً، ثم حمل كل أحد منهم متاعه فجراً وغادر مكة. لا، الأمر لم يكن بهذه البساطة، بل أعقد وأشمل من هذا التصور بكثير.
بداية وقبل الخوض في التفصيلات، الهجرة النبوية الشريفة تمت على مراحل عدة، ولم تقع أساسا في شهر محرم كما يعتقد كثيرون. صحيح أن الهجرة كفكرة ومشروع، بدأ التجهيز والاستعداد له في محرم، لكن تمت واكتملت فعلياً بهجرة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام مع صاحبه الصديق أبي بكر، في الثاني عشر من ربيع الأول، كما تقول أغلب روايات المؤرخين.
شهر الله المحرم تم اختياره في زمن الفاروق عمر رضي الله عنه، والصحابة في بحث عن وضع تأريخ خاص بالمسلمين، فتم اختيار محرم لبداية السنة الهجرية، لأن فيه تم تداول فكرة الهجرة واتخاذ القرار، وعلى اعتبار أن الهجرة كانت من أعظم الحوادث في التاريخ الإسلامي، وكانت إشارة للتفريق بين الحق والباطل، وبدء العمل على نشر الدعوة الإسلامية في الجزيرة، ومنها للعالم أجمع.
مسألة الهجرة إذن لم تكن عملاً عشوائياً أو وليد لحظته، إنما كانت أحد التكتيكات أو الوسائل التي اتخذها الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - ضمن خطة استراتيجية بعيدة المدى، إن صح وجاز لنا التعبير- حيث كانت الهجرة ضمن خطة عشرية رسمها خلال وجوده بمكة، حيث نفذ مجموعة عمليات تمهد للهجرة، ختمها برحلته - صلى الله عليه وسلم - أو لجوئه إلى يثرب.
التخطيط للهجرة
قام عليه الصلاة والسلام بالتجهيز لهذه الرحلة مبكراً، وقبل ذلك أرسل دفعة من أصحابه كفريق احتياطي إلى أرض لا يُظلم بها أحد، أرض الحبشة عند النجاشي. بحيث يعد هذا الفريق نفسه في أرض آمنة، وينشر الدعوة كذلك بشكل غير ملحوظ، حتى يكون على استعداد تام لأي أمر طارئ، بحيث لو وقع مكروه للفريق الأساسي بمكة، يقوم هذا الفريق الاحتياطي بالعمل ومواصلة مسيرة الدعوة. هذا من جانب.
من جانب آخر، بدأ عليه الصلاة والسلام في حث أصحابه للهجرة سراً نحو يثرب، بعد أن أعد الأرضية الصلبة لذلك عبر الاتفاقيات والعهود التي أبرمها مع الأنصار الكرام في بيعتي العقبة الأولى والثانية، حيث اطمأن إلى الأنصار، واعتبر يثرب الحاضنة الثانية المناسبة لأصحابه، بعد الحبشة.
من ضمن استعداداته للهجرة أيضاً ومنذ وقت مبكر، تكليفه أبا بكر بتجهيز راحلتين تصلحان لمهمة السفر الشاق والبعيد، فكان رضي الله عنه يقوم بتعليفهما بنوعية معينة من العلف الذي يقوي جسم الراحلة، وكان على ذلك الأمر مدة كافية دون أن يلحظ أحد ذلك. لتبقى بعد ذلك مسألة أخرى مهمة هي الأمانات، التي كان الناس يودعونها عنده - صلى الله عليه وسلم - لما عرفوا عنه الأمانة، فقام بتكليف ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه القيام بمهمة رد تلك الودائع إلى أصحابها، وفي وقت مبكر كذلك وبشكل طبيعي لا استعجال فيه أو توتر، كيلا يتنبه أحد لما يجري وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطط للسفر أو الخروج من مكة.
من ضمن ترتيبات الدعم اللوجيستي والتخطيط للهجرة، استئجار دليل أو مرشد للطريق لكن من خارج مكة، ممن لا شأن لهم بما يجري بين محمد وقريش. والترتيب مع مولى أبي بكر، عامر بن فهيرة أن يقوم بدفع أغنامه وقت الهجرة للسير على آثار راحلتيهما، كيلا يكتشف قصاصو الأثر ذلك، وتكليف أسماء بنت أبي بكر في مسألة التموين اليومي اللازم، مع إسناد مهمة تتبع الأخبار في مكة إلى عبدالله بن أبي بكر، وقد كان صغيراً، بحيث ينقل الأخبار إلى النبي وصاحبه أولاً بأول. وهكذا كانت الأمور تُرسم وتُخطط ضمن سيناريو محكم تم التجهيز له منذ أشهر، حتى وصوله صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه إلى مقصدهما بسلام، لتبدأ مرحلة جديدة في الدعوة.
اللجوء والاندماج
إن هجرة شعب إلى ديار شعب آخر، ليست بالأمر السهل. إنك حين تهاجر كلاجئ سياسي تطاردك دولتك بكل مؤسساتها وقواها، ومعك المئات من المعارضين، لا شك أنه عبء كبير على الجهة المستضيفة، وقد كانت تلك الجهة في مشهد الهجرة، يثرب أو المدينة المنورة بعد ذلك، والتي لم تكن بقوة قريش عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. كانت مدينة متواضعة اقتصادياً. شعبها يعيش على الزراعة، وبينهم خلافات لا تهدأ، كانت تصل أحياناً لحد الاقتتال وسفك الدماء. وتعيش بينهم قبائل يهودية متناحرة أيضاً، لكنها تتفق ضد الأوس والخزرج من الأنصار. أي أن الوضع السياسي كان مضطرباً غير مستقر، وإثارته لم تكن بتلك الصعوبة!.
حاول أن تتأمل دولة وضعها مثل وضع يثرب في تلك الفترة. ثم تأتيهم أفواج لاجئة من دولة ذات شأن وبأس. وأغلب اللاجئين تركوا ما عندهم من مال في بلدهم، وبالتالي هم والفقراء في مرتبة واحدة، ولا يفقهون في مهنة أهل يثرب وهي الزراعة، وبالتالي هم عالة عليهم إلى حين من الدهر لا يعرفون مداه. لكن كل تلك الأمور كان قد وضعها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في الاعتبار. كيف؟
أهل يثرب من الأنصار، بايعوا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – قبل الهجرة، على أن يكونوا حماة له وللدين الجديد في المنشط والمكره، والسراء والضراء. أصبح الوضع الاقتصادي أصعب من ذي قبل، لكن الأنصار على دراية بذلك، وسيدخل في ذلك المشهد بعد قليل، اليهود ومن سيُطلق القرآن عليهم لفظ المنافقين، ليعملوا عملهم في إثارة النزعات العنصرية وبث الكراهية في نفوس ضعاف الأنصار ضد هؤلاء اللاجئين، الذين ما جاءوا إلا ليتقاسموا لقمة عيشهم مع أهل يثرب، بل ربما السيطرة عليها بعد حين، وغيرها من أكاذيب اليهود والمنافقين، كما هو الحاصل في بلدان تحتضن لاجئين من نفس الملة، رغبة أو رهبة.
مشاهد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، لم يشهد لها التاريخ مثيلا. وكان حلاً من الحلول المرحلية اللازمة لتثبيت أسس الدولة. ثم وثيقة المدينة التي وضعها النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم. اعتبرهم أمة واحدة من دون الناس. وبذلك تم وضع أساس دولة ستقام بعد قليل. وغيرها من عمليات تأسيسية متدرجة، اندمج أثناءها المهاجرون والأنصار في بوتقة واحدة، حتى صاروا شعباً واحداً، وعليهم قامت دولة الإسلام الأولى. وهكذا هي ذكرى الهجرة. دروس لا تنتهي..
فقد كانت رحلة هادينا ** حمل الإسلام لنا دينا
فسلامُ الله على الهادي ** والكونُ يردد آمينا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
11112
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3201
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1551
| 06 أبريل 2026