رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أمل غانم

- مستشارة في التطوير الذاتي والمهني

amal.ge83@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

135

د. أمل غانم

متى أصبح التحمّل مهارة مهنية؟

28 أغسطس 2026 , 01:00ص

في كثير من بيئات العمل، نسمع عبارات تبدو في ظاهرها إيجابية: «فلان يتحمّل ضغط العمل»، «يعتمدون عليه»، «ما يقول لا»، «مهما زادت عليه المسؤوليات ينجز».

لكنني أتوقف أحيانًا أمام كلمة «يتحمّل». متى أصبح التحمّل مقياسًا للكفاءة المهنية؟

هناك فرق كبير بين موظف يمتلك المرونة للتعامل مع التحديات والتغيّرات، وموظف اعتاد أن يتحمّل ما يفوق طاقته حتى أصبح صمته يُفسَّر على أنه قدرة، واستنزافه يُحسب له على أنه التزام.

الموظف الجيد غالبًا ما يُكافأ بطريقة غريبة: لأنه ينجز، نعطيه المزيد. ولأنه لا يشتكي، نفترض أنه يستطيع المزيد. ولأنه يتحمّل، نرفع سقف التوقعات منه مرة بعد أخرى.

حتى يأتي يوم يتراجع فيه أداؤه، أو يفقد حماسه، أو يصبح أقل تفاعلًا، فنبدأ بالسؤال: ماذا حدث له؟ ربما السؤال الأدق هو: ماذا حدث حوله؟

نحن نتحدث كثيرًا عن المرونة المهنية باعتبارها واحدة من المهارات المهمة في عالم العمل، وهذا صحيح. فالموظف يحتاج إلى القدرة على التكيّف مع المتغيرات، والتعامل مع الضغوط، والنهوض بعد الإخفاقات، وتطوير نفسه أمام متطلبات جديدة.

لكن المرونة لا تعني أن يتحوّل الإنسان إلى مساحة مفتوحة لكل شيء. ليست المرونة أن تقبل كل مهمة، وتصمت أمام كل ضغط، وتتنازل باستمرار عن وقتك وحدودك، ثم تعتبر قدرتك على الاستمرار دليلًا على قوتك.

فالمرونة المهنية ليست أن تتحمّل كل شيء، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن تتكيّف معه، وما الذي يحتاج أن يتغيّر.

وهنا لا أتحدث عن صناعة موظف هش يرفض الضغوط أو المسؤوليات؛ فالعمل بطبيعته يحمل تحديات، وبعض المراحل تتطلب منا جهدًا استثنائيًا. لكن الاستثناء عندما يتحول إلى قاعدة، والضغط المؤقت عندما يصبح أسلوب عمل دائمًا، نكون أمام مشكلة مختلفة.

والأمر لا يتعلق بالموظف وحده. المؤسسة الذكية لا تسأل فقط: إلى أي مدى يستطيع موظفونا تحمّل الضغط؟ بل تسأل أيضًا: لماذا يحتاجون إلى تحمّل كل هذا الضغط أصلًا؟

قد يكون الخلل في توزيع المهام، أو غموض الأدوار، أو ضعف التواصل، أو ثقافة تعتبر الانشغال الدائم علامة على الإنتاجية، أو إدارة تكافئ الشخص الكفء بالمزيد من الأعباء دون أن تنتبه إلى أن لكل قدرة بشرية حدودًا.

نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف صورة «الموظف القوي». القوي ليس بالضرورة من يبقى إلى آخر اليوم، أو يقبل كل شيء، أو لا يشتكي أبدًا.

قد يكون الموظف القوي هو الذي يعرف أولوياته، ويتحدث بوضوح، ويطلب الدعم عندما يحتاج إليه، ويضع حدودًا مهنية دون أن يتخلى عن مسؤوليته، ويعرف متى يتكيّف ومتى يقول: هذه الطريقة تحتاج إلى مراجعة.

ونحتاج كذلك إلى إعادة تعريف المؤسسة القوية. فالمؤسسة القوية ليست التي تمتلك موظفين قادرين على تحمّل أكبر قدر ممكن من الضغط، وإنما التي تبني أنظمة وقيادات وثقافة عمل تجعل هذا التحمّل الاستثنائي أقل ضرورة.

ربما حان الوقت لأن نتوقف عن سؤال الإنسان: كم تستطيع أن تتحمّل؟ ونبدأ بسؤال أكثر نضجًا: كيف نصنع بيئة يستطيع فيها الإنسان أن ينجز، ويتطور، ويستمر… دون أن يكون الثمن استنزافه؟

 

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية