رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن الظلم وأسماء الظالمين قديماً وحديثاً، فإنك تسمع عن فرعون، جنكيز خان، هتلر، موسوليني، ستالين، أو حتى أسماء من تاريخنا القديم والحديث، رغم أن ديننا من أشد الأديان توجيهاً وتحذيراً من الظلم، ومع ذلك اشتهر في تاريخنا شخص مثل الحجاج بن يوسف الثقفي بالظلم وليس أي ظلم، بل كان مثالاً للطغيان والاستبداد، على رغم أنه كان في الوقت ذاته سبباً في نشر الإسلام عبر فتوحات بني أمية، وصلت للهند والصين !
رغم بعض مآثر الحجاج، إلا أنه في حكمه وإدارته، كان ظالماً جباراً ومستبداً، لم يتورع عن ظلم الناس، بل وأن يتجرأ بالتعرض للصالحين من العلماء والأئمة والتابعين أمثال عبدالله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما، إلى أن أصابه مرض ضيّقت عليه الأرض بما رحبت، وصار حينها يتمنى الموت على أن يعيش آلامه البدنية قبل النفسية، حتى شكا حاله ومعاناته للحسن البصري. فقال له الحسن: قد كنتُ نهيتُك ألا تتعرّض إلى الصالحين فلججت. فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي، لكن تسأله أن يُعجّل قبض روحي ولا يطيل عذابي ! وقد كان الحسن البصري يدعو عليه بالموت كي تموت سنَّته. فلما مات الحجاج، فرح وسجد شكراً لله، باعتبار أن الظالم حين يموت فهو مُستراح منه، كما في البخاري، أنه مرّت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة فقال: مُستريحٌ ومُستراح منه. قالوا يا رسول الله: مَن المستريح ومَن المُستراحُ منه؟ قال: المستريح هو العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والمُستراح منه العبد الفاجر، يستريح منه العباد والدواب والشجر.
الظالم القبيح
فرعون موسى من أقبح النماذج الظالمة في تاريخ البشرية. فهو إلى جانب الظلم، كان جباراً عنيداً فاسداً. فقد ظلم نفسه قبل غيره حين ادعى الربوبية، إذ لم يقم أحد من قبله بهذا الفعل الظالم غير الواعي. ثم استمر في ارتكاب المظالم واحداً بعد آخر. من ذلك، تعذيب الناس في مملكته، لا سيما بني إسرائيل، الذي قام بتسخير رجالهم للعمل في أدنى وأحقر الأعمال، وإرهاقهم وتعذيبهم وامتهان كرامتهم.
ومن ذلك أيضاً، أمره بقتل أطفال بني إسرائيل الذكور، ليسحق بذلك سعادة الأهالي بأي وليد ذكر. ومن أفعاله الظالمة، استحياء الإسرائيليات عبر تسخيرهن لخدمته في قصوره وقصور آله ومن يدور في فلكه. ثم يزداد في الظلم بتفريق بني إسرائيل إلى جماعات وشيع وفرق، وبذر الشقاق والخلاف والعداوات بينهم، تجسيداً لمبدأ فرّق تسد.
طالت وتمددت قائمة الظلم عند فرعون، لتشمل تهديد أي أحد يستمع لموسى وأخيه هارون، ومنع مجرد التفكير في عقيدة أو دين غير الذي يراه هو فقط. فازدحمت تبعاً لذلك سجونه بآلاف المعتقلين الأبرياء، من المعارضين لفكره وغطرسته وظلمه، خاصة بعد انتشار دعوة موسى – عليه السلام – شيئاً فشيئا، حتى قام يهدد موسى نفسه (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ). هكذا فرعون، لا يريد أن يخرج أحد عن رأيه ورؤيته.
واستمر يعيث في الأرض فساداً وظلماً كبيراً لم يسلم منه حتى أهله وأقاربه. هذه زوجته المؤمنة آسية بنت مزاحم تتألم من ظلم فرعون حتى (قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) ومثلها مؤمن آل فرعون وكان يكتم إيمانه خشية ظلم فرعون، وأمثالهما ربما كثير كثير..
لم يسلم منه كذلك كبار السحرة الذين كانوا من كبار موظفي القصر ومن المقربين، الذين أباح لهم فعل ما يشاؤون من السحر في سبيل تسخير الناس له. لكن حين انقلب السحر على الساحر، ورأى انقلاب السحرة على فكره ورؤيته، لم يتردد في تغيير معايير دعاياته الإعلامية، فقد خشي تأثر الناس بالسحرة وهم يشهدون لموسى بالرسالة، وبالله رباً لا شريك له، فقام بتغيير الدساتير والقوانين والمعايير بجرة قلم، فعاقبهم أشد أنواع العقوبة.
تغيير بيئة الظلم
نخلص مما سبق أن مهمة النبي الكريم موسى - عليه السلام - كما أسلفنا في المقالين السابقين عن أنبياء الله الكرام شعيب ولوط - عليهما السلام - بأنه ما أتى رسول من الرسل إلى قومه إلا ليعالج مرضاً فكرياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيرها من أمراض. فقد كانت مهمة أي رسول تدور حول معالجة مرض ما بالمجتمع وإزالة مسبباته، اتقاءً لعواقبه غير الحميدة وغير المرغوبة، لا في دنيا الناس ولا في آخرتهم.
كانت مهمة موسى - عليه السلام - إلى فرعون وقومه، معالجة اضطراب فكري وخلل عقائدي غير مسبوق ساد في المجتمع الفرعوني، حيث تأثر كثيرون به، رغبة أم رهبة، من بعد أن سلّط وسائله الإعلامية والسياسية وغيرها في تغيير قناعات وثقافة المجتمع، وتوجيههم نحو فكر معين أو عقيدة بذاتها تدور أساساً حول مسألة الربوبية، بعد أن هاله مشهد النيل بتفرعاته واعتقاده أن قدرته على منح أو منع أي جهة من جهات البلاد الأربع من مياه النيل، دليل على قدرته وبالتالي ابتع الشيطان الذي زين له فكرة الإعلان عن ربوبيته، في سابقة غير معهودة في تاريخ البشر.
ذلكم الفكر الفرعوني الذي ساد المجتمع يومها، كان يحتاج إلى إصلاحيين أقوياء صالحين من أجل تغييره. يملكون البيان والحجة والجرأة في تغيير القناعات والثقافات السائدة حينذاك. فكانت مهمة موسى وهارون - عليهما السلام – البدء بالطبقة الشعبية الكبيرة، وصولاً إلى رأس الهرم أو قمة ذلك الفكر الفاسد، فرعون وهامان وقارون وبقية الملأ من حولهم.
الظلم أسرع المعاصي عقاباً
السبب الرئيسي لفساد وظلم فرعون، ليس لأنه كان على رأس الهرم الرئاسي، بل لأن البيئة يومئذ فاسدة وظالمة من قبل أن يأتي فرعون، فالنتيجة الطبيعية لانتشار ذلك الظلم بين الناس بعضهم بعضا، هي وصول ظالم وفاسد إلى سدة الحكم، يقود الناس بنفس الكيفية التي يتعاملون بين بعضهم البعض، وليس من تفسير لذلك سوى أنها عقوبة ابتدائية إلهية متدرجة وتحذيرية أيضاً، قبل أن يرسل إليهم رسولاً يخرجهم مما هم فيه، وبناء مجتمع جديد يوحّد الله ولا يشرك به أحداً.
كانت قصة موسى مع فرعون - عليهما السلام - مثالاً لكيفية التعامل مع الظلم والظالمين، في مشاهد عديدة متنوعة حتى هلاكه، ومشاهد أخرى عديدة مصاحبة مع بني إسرائيل، ومعاناة موسى وهارون معهم في تغيير قناعات وفكر كثيرين، استمرت أربعين عاماً. وقد أشار القرآن لتلك المشاهد موجزاً حيناً، ومفصلاً في أحيان أخرى كثيرة، وكانت النتيجة النهائية التي يمكن تلخيصها من كل تلك المشاهد، أن من يظلم لا بد أن يُظلم، والظالم إن لم يجد من يقلّم أظافره استبد وتوحّش، وأن من أعان ظالماً، سُلّط عليه.
خلاصة القول أو العبرة والعظة من هذه القصص القرآنية حول الظلم والظالمين، أن الله يُمهل ولا يُهمل، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته، كما في الحديث الصحيح (إن الله ليُمْلي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ) أي لن يتركه الله حتى يستوفي عقابه..
أعاذنا الله وإياكم أن نضل أو نُضل، أو نظلم أو نُظلم.
دولة في اللا دولة
لا أستطيع أن أعبر لكم أو أصف شعوري وأنا أرى العلم الفلسطيني يرفرف في سماء العاصمة البريطانية لندن... اقرأ المزيد
132
| 27 يناير 2026
بصمة صامتة بين الإشراق والتنقية
من الجليل أن يتنبّه المرء إلى أن الأثر يتشكّل في كل لحظة يترك فيها بصمته في الزمان والمكان،... اقرأ المزيد
114
| 27 يناير 2026
سهّل حياتك!
لديك قوائم من الأحلام والهوايات والأشغال والأعمال اليومية التي ترغب في فعلها كل يوم. وكثير من الأوقات تتحاشى... اقرأ المزيد
138
| 27 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
4536
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم الإعلان عنها في فترة سابقة، بدأت ملامحها في الظهور وذلك بصرف علاوة استمرارية الزواج للزوجين القطريين بعلاوة تُقدّر بـ 12000 ريال لكل من الزوجين والذي حددها القانون وحدد وقت صرفها في كل شهر يناير من كل عام، وسبق ذلك التعديل المباشر لاستحقاق الزوجة للعلاوة الاجتماعية بفئة متزوج وإلغاء حالة فئة أعزب للموظفة المتزوجة وذلك في بند القانون السابق. يناير 2026 يختلف عن يناير 2025 حيث إن القانون في مرحلة جديدة وملامح جديدة من حوافز وصرف المكافآت التي حددها القانون للموظفين وللوظائف الإشرافية التي تقع تحت مظلة قانون الموارد البشرية. حوافز كثيرة وقيم مستحقة يُتوقع أن تكون ذات أثر في المنافسة وبذل العطاء للوصول إليها، مع محافظة القانون على العلاوة السنوية والمحافظة على بدل الإجازة بمعدل راتب أساسي شهري للموظفين أصحاب تقييم جيد أو متوقع، والمعني به “جيد” أن الموظف أدى مهام وظيفته على أكمل وجه والتزم بكل القوانين وأخلاقيات العمل، ولم يزح القانون تلك الاستحقاقات السابقة بل حافظ عليها، وليضيف القانون حوافز مالية جديدة وذلك مع بدل الموظف المزيد من العطاء والتنافسية الايجابية ما بين الزملاء للوصول إلى التقييم الأعلى ومن ثم الوصول إلى المكافآت ومنها رؤية الأثر بزيادة مالية في تقييم “جيد جداً، امتياز وهما تعادلان تجاوز التوقعات، استثنائي” والتي حددها القانون في زيادة العلاوة الدورية لتكون في تلك السنة التقييمية 125% - 150% بدلاً من 100% للعلاوة المخصصة لدرجته المالية، بالإضافة لحصول الموظف على راتب أساسي شهري كمكافأة أو راتبين أساسيين كمكافأة بناءً على التقييم الحاصل عليه في تلك السنة، ولم يقف القانون هنا بل قام بوضع حوافز مالية للموظف القائم بالعمل الإشرافي وبقيم مالية مشجعة وضحها القانون ووفق درجة التقييم. لقد عمل القائمون على التقييم في بذل كل ما يمكنهم من وضع الخطوات والحوافز للموظفين وبإنشاء نظام تقييم يسعى قدر الإمكان في إنصاف جميع الموظفين، فإذاً لنجاح هذه العملية وجب على الجميع التعاون موظفاً ومسؤولاً في تطبيق الشروط التي حددها القانون للوصول إلى أهداف التقييم وهي في مقامها الأول هدف الارتقاء الوظيفي والتطوير والإبداع في العمل، ويليها الظفر بالمكافآت التي حددها القانون، ولكل مجتهد نصيب. أخيراً لكل مسؤول ولكل موظف عطاؤكم هو أساس لكل نجاح وبهذا النجاح يتحقق الهدف المنشود من كل عمل وبعبارة «لنجعل قطر هي الأفضل».
765
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف وتُباع، تبرز القضية الفلسطينية كمرآةٍ صافية تكشف جوهر الإنسان. ففلسطين اليوم لم تعد قضية الفلسطيني وحده، ولا العربي وحده، ولا المسلم وحده، بل أصبحت قضية إنسانية عالمية، يدافع عنها الأحرار من كل بقاع الأرض، كثيرٌ منهم لم يولدوا عربًا، ولم يعتنقوا الإسلام، وربما لم يكونوا يعرفون موقع فلسطين على الخريطة يومًا، لكنهم عرفوا معنى الظلم واختاروا الوقوف في وجهه. لقد شهد التاريخ الحديث مواقف واضحة لشخصيات عالمية دفعت ثمن انحيازها للحق دون مواربة، وتفضل لديك بعض الأمثلة.. نيلسون مانديلا الزعيم الجنوب أفريقي وأحد أبرز رموز النضال العالمي ضد نظام الفصل العنصري، عبّر صراحة عن دعمه للقضية الفلسطينية، معتبرًا أن حرية شعبه ستبقى ناقصة ما لم ينل الفلسطينيون حريتهم. وإلى جانبه وقف ديزموند توتو الأسقف الجنوب أفريقي الحائز على جائزة نوبل للسلام، وأحد أهم الأصوات الأخلاقية في العالم. شبّه توتو ما يتعرض له الفلسطينيون بنظام الأبارتهايد انطلاقًا من تجربة شخصية عميقة مع التمييز والقهر. ورغم حملات التشويه والضغوط السياسية، لم يتراجع عن موقفه لأن العدالة في نظره لا تُجزّأ ولا تُقاس بالمصالح. ومن داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته خرج إيلان بابِه المؤرخ الإسرائيلي المعروف وأستاذ التاريخ، ليكشف في أبحاثه وكتبه ما تعرّض له الفلسطينيون عام 1948 من تهجير قسري وتطهير عرقي. لم يكن كلامه خطابًا سياسيًا، بل توثيقًا تاريخيًا مدعومًا بالمصادر. نتيجة لذلك تعرّض للتهديد والنبذ الأكاديمي، واضطر إلى مغادرة بلاده، ليصبح شاهدًا على أن قول الحقيقة قد يكون المنفى وليس أي منفى، إنه منفى الشرفاء. وفي الولايات المتحدة برز اسم نورمان فنكلستاين الأكاديمي الأمريكي اليهودي والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان. دافع عن الحقوق الفلسطينية من منطلق قانوني وإنساني، ورفض استخدام المآسي التاريخية لتبرير الاحتلال. هذا الموقف كلّفه مستقبله الأكاديمي حيث حُرم من التثبيت الجامعي وتعرّض لعزل ممنهج، لكنه بقي مصرًّا على أن الدفاع عن فلسطين ليس موقفًا ضد شعب بل ضد الظلم والقهر. وهنا يبرز السؤال الجارح لماذا يقفون مع فلسطين؟ يقفون لأن الضمير لا يحتاج إلى جواز سفر. لأن الإنسان حين يرى طفلًا تحت الأنقاض، أو أمًا تبحث عن أشلاء أبنائها، لا يسأل عن الديانة، هو يُجسد الإنسانية بذاتها. لماذا يقفون؟؟ لأنهم يؤمنون أن الصمت شراكة، وأن الحياد في وجه الظلم ظلمٌ أكبر من الظلم نفسه. يقفون في البرد القارس وتحت المطر وفي حرّ الصيف وهم يعلمون أن الكلمة قد تُكلفهم منصبًا أو سمعة أو أمانًا شخصيًا. ومع ذلك لا يتراجعون. إيمانهم بعدالة القضية لم يُبنَ على هوية بل على مبدأ بسيط.. العدل. وهنا تأتي المقارنة المؤلمة.. إذا كانت فلسطين ليست قضيتي كمسلم، فهؤلاء ليسوا عربًا، ولا مسلمين، ولا تجمعهم بفلسطين رابطة دم أو دين ولا حتى رابطة دم جغرافية ومع ذلك وقفوا بشجاعة. أما نحن فماذا فعلنا؟ ومن يفعل … ماذا يُقال له؟ يُقال له لا ترفع صوتك يُقال له هذه سياسة يُقال له اهتم بنفسك ويُحاصر أحيانًا بالتشكيك أو التخوين أو السخرية القضية الفلسطينية اليوم لا تطلب المعجزات بل تطلب الصدق صدق الكلمة صدق الموقف صدق الإحساس وصدق ألا نكون أقل شجاعة ممن لا يشاركوننا اللغة ولا العقيدة. فلسطين ليست اختبار انتماء بل امتحان إنسانية، ومن فشل فيه لم يفشل لأنه لا يعرف فلسطين بل لأنه لم يعرف نفسه.
741
| 20 يناير 2026